تشهد العلاقات المصرية الصينية خلال الفترة الأخيرة تطورًا ملحوظًا، مع اتساع نطاق التعاون بين القاهرة وبكين ليشمل ملفات سياسية وأمنية وعسكرية، إلى جانب الشراكة الاقتصادية والتنسيق بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية، بحسب ما أكده اللواء أسامة كبير، المستشار بكلية القادة والأركان.
وأوضح اللواء أسامة كبير أن العلاقات المصرية الصينية أصبحت تقوم على قدر كبير من التفاهم وتبادل الرؤى، خاصة فيما يتعلق بالتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، لافتًا إلى وجود تقارب في المواقف السياسية والدبلوماسية بين البلدين تجاه عدد من الملفات المهمة.
وأشار الخبير العسكري إلى أن الصين تتعامل مع الأزمات الإقليمية من خلال نهج دبلوماسي هادئ ومتزن، وهو ما يتقاطع، بحسب تقديره، مع التحركات المصرية الرامية إلى دعم الاستقرار في المنطقة والتعامل مع الأزمات من خلال المسارات السياسية والدبلوماسية.
وأضاف أن القضية الفلسطينية والأوضاع الأمنية في الشرق الأوسط تمثلان من الملفات التي يظهر فيها قدر من التقارب بين الرؤى المصرية والصينية، في ظل استمرار التوترات الإقليمية وتزايد التحديات التي تواجه دول المنطقة.
ويرى اللواء أسامة كبير أن أهمية العلاقات المصرية الصينية لا تقتصر على الجانب السياسي فقط، خاصة أن بكين تمتلك مصالح اقتصادية واستراتيجية واسعة في منطقة الشرق الأوسط والقارة الأفريقية، بينما تمثل مصر موقعًا محوريًا بحكم موقعها الجغرافي ودورها الإقليمي.
وأكد أن تعزيز التنسيق بين القاهرة وبكين يمكن أن يفتح مجالات أوسع للتعاون في ملفات متعددة، خصوصًا في ظل المتغيرات الدولية المتسارعة، وما تفرضه من ضرورة بناء شراكات قائمة على المصالح المشتركة والتنسيق المستمر.
وفيما يتعلق بالملفات الاستراتيجية، أشار الخبير العسكري إلى أن المواقف الصينية تجاه عدد من القضايا التي تمس المصالح المصرية تعكس مستوى متقدمًا من التفاهم بين البلدين، ومن بينها ما يتعلق بأمن مصر المائي.
وأوضح أن دعم حق مصر في اتخاذ ما يلزم لحماية أمنها المائي، وفق ما طرحه خلال حديثه، يعكس إدراكًا صينيًا لأهمية الملفات المرتبطة بالأمن القومي المصري، خاصة في ظل حساسية قضية المياه بالنسبة لمصر.

العلاقات المصرية الصينية والتعاون العسكري
ولم تعد العلاقات المصرية الصينية مقتصرة على الاقتصاد والسياسة، إذ امتدت إلى المجال العسكري، مع وجود تدريبات ومناورات مشتركة بين القوات المسلحة في البلدين، تستهدف تعزيز الخبرات ورفع مستويات الجاهزية والتنسيق.
وأوضح اللواء أسامة كبير أن التدريبات المشتركة تمثل أحد أشكال التعاون العسكري بين القاهرة وبكين، مشيرًا إلى أنها تتضمن مجالات متنوعة، من بينها القتال التكتيكي والتزود بالوقود والسيطرة الإلكترونية والإسعاف الطبي.
ويعكس تنوع مجالات التدريب، بحسب الخبير العسكري، رغبة الجانبين في تطوير مستوى التعاون والاستفادة من الخبرات المتبادلة، إلى جانب تعزيز القدرة على التعامل مع السيناريوهات المختلفة التي قد تواجه القوات المسلحة في العمليات والتدريبات المشتركة.
وتأتي هذه التحركات في إطار أوسع من التعاون بين البلدين، حيث تتداخل الملفات السياسية والاقتصادية والعسكرية بصورة متزايدة، بما يعكس طبيعة الشراكة التي تطورت على مدار السنوات الماضية.
وأكد كبير أن وجود تعاون عسكري إلى جانب التعاون السياسي والاقتصادي يمنح العلاقات المصرية الصينية طبيعة أكثر شمولًا، خاصة أن العلاقات الدولية الحديثة تعتمد بدرجة كبيرة على تعدد مسارات الشراكة وعدم اقتصارها على مجال واحد.
وأشار إلى أن التدريبات العسكرية المشتركة لا تقتصر أهميتها على رفع الكفاءة القتالية، وإنما تساهم كذلك في تعزيز التواصل والتنسيق بين المؤسسات العسكرية، وتبادل الخبرات في المجالات الفنية والتقنية المختلفة.
التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب
وتطرق اللواء أسامة كبير أيضًا إلى التعاون الأمني بين مصر والصين، موضحًا أن مكافحة الإرهاب والجرائم العابرة للحدود أصبحت من الملفات التي تحظى بأهمية متزايدة في العلاقات بين الدول.
وقال إن التحديات الأمنية الحالية لم تعد مرتبطة بحدود دولة واحدة، خاصة مع انتشار أنماط مختلفة من الجريمة المنظمة، والإرهاب، وتهريب البشر والأسلحة، فضلًا عن قضايا الهجرة غير الشرعية.
ومن هذا المنطلق، يرى الخبير العسكري أن تعزيز التنسيق الأمني وتبادل المعلومات والخبرات يمكن أن يساعد في مواجهة هذه التحديات، خصوصًا أن التعامل مع الجرائم العابرة للحدود يحتاج إلى قدر كبير من التعاون بين الأجهزة المعنية في مختلف الدول.
وشدد على أهمية توحيد الجهود الدولية في مواجهة الإرهاب، مع ضرورة التعامل مع الظاهرة باعتبارها تهديدًا أمنيًا دون ربطها بدين أو جنسية أو دولة بعينها.
وأوضح أن رفض التعميم في التعامل مع الإرهاب يساعد على بناء رؤية أكثر دقة تجاه الظاهرة، بحيث يتم التركيز على مرتكبي الجرائم والتنظيمات المسؤولة عنها، بدلًا من تحميل مجتمعات كاملة مسؤولية أعمال جماعات أو عناصر محددة.
ويرى أن هذا النهج يساهم في تحسين التعاون الدولي في المجال الأمني، كما يسمح بتبادل الخبرات بصورة أكثر فاعلية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو الخلط بين الإرهاب والمجتمعات أو الأديان.
شراكة متعددة المسارات بين القاهرة وبكين
وتشير المعطيات التي تناولها الخبير العسكري إلى أن العلاقات المصرية الصينية أصبحت تتحرك عبر مسارات متوازية، تشمل السياسة والاقتصاد والأمن والدفاع، وهو ما يمنحها مساحة أكبر للتطور خلال المرحلة المقبلة.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه الساحة الدولية تغيرات متسارعة، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني أو السياسي، الأمر الذي يدفع العديد من الدول إلى توسيع شبكة شراكاتها الدولية وتعزيز علاقاتها مع القوى المؤثرة.
وتتمتع مصر بأهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة للصين، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، وإنما أيضًا بسبب دورها في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، فضلًا عن ارتباطها بممرات التجارة الدولية.
وفي المقابل، تمثل الصين قوة اقتصادية وصناعية وتكنولوجية كبرى، وهو ما يتيح أمام مصر فرصًا متعددة للتعاون والاستفادة من الخبرات والاستثمارات والتكنولوجيا الصينية في عدد من المجالات.
ولا ينفصل التعاون الاقتصادي عن بقية مسارات العلاقة، إذ يمكن للشراكات التجارية والاستثمارية أن تدعم بدورها العلاقات السياسية، بينما يسهم التنسيق السياسي والأمني في توفير بيئة أكثر استقرارًا لتطوير التعاون الاقتصادي.
ومن هنا، فإن تطور العلاقات المصرية الصينية لا يمكن النظر إليه باعتباره تعاونًا في مجال واحد، بل باعتباره شراكة متعددة الأبعاد تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات السياسية والأمنية والاستراتيجية.
ملفات إقليمية تعزز التنسيق المصري الصيني
وتكتسب الشراكة بين القاهرة وبكين أهمية خاصة في ظل الأزمات المتعددة التي تشهدها المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والتوترات الأمنية المتصاعدة في الشرق الأوسط.
وتسعى مصر بصورة مستمرة إلى دعم المسارات السياسية التي تستهدف خفض التصعيد والحفاظ على أمن واستقرار المنطقة، بينما تتبنى الصين في عدد من الملفات الإقليمية مواقف تعتمد على التحرك الدبلوماسي والدعوة إلى الحلول السياسية.
ويرى اللواء أسامة كبير أن هذا التقارب في الرؤى يمكن أن يمثل أرضية مناسبة لمزيد من التنسيق بين البلدين خلال الفترة المقبلة، خاصة مع استمرار التحديات التي تواجه المنطقة.
كما أن المصالح الصينية المتنامية في الشرق الأوسط وأفريقيا تجعل استقرار المنطقة عاملًا مهمًا بالنسبة لبكين، وهو ما يزيد من أهمية التواصل مع القاهرة باعتبارها واحدة من أبرز الدول الفاعلة إقليميًا.
وفي ضوء ذلك، تبدو العلاقات المصرية الصينية أمام فرصة لمزيد من التطور، خصوصًا إذا استمر توسيع مجالات التعاون وتبادل الخبرات والتنسيق في الملفات ذات الاهتمام المشترك.
مستقبل التعاون بين مصر والصين
ويعكس تعدد مجالات التعاون بين البلدين توجهًا نحو بناء شراكة طويلة الأمد تستند إلى المصالح المتبادلة، وليس إلى ملف واحد أو ظرف سياسي محدد.
ومن المتوقع أن تظل الملفات الاقتصادية والاستثمارية في مقدمة مجالات التعاون، بالتوازي مع استمرار التنسيق السياسي والأمني والعسكري، خاصة في ظل وجود مصالح مشتركة تتطلب قدرًا من التواصل والتنسيق.
كما يمثل التعاون التكنولوجي والصناعي مجالًا يمكن أن يشهد مزيدًا من الاهتمام، في ظل سعي العديد من الدول إلى توطين الصناعات المتقدمة والاستفادة من الخبرات الأجنبية مع تعزيز قدراتها المحلية.
وبحسب رؤية الخبير العسكري، فإن استمرار تطوير قنوات التواصل بين القاهرة وبكين يمكن أن يعزز الثقة المتبادلة ويفتح الباب أمام مجالات جديدة من التعاون، بما يخدم المصالح الاستراتيجية للبلدين.
وفي النهاية، تؤكد تصريحات اللواء أسامة كبير أن العلاقات المصرية الصينية تمر بمرحلة تتسم بتعدد الملفات وتشابك المصالح، مع امتداد التعاون من الاقتصاد والسياسة إلى الأمن والدفاع والتدريبات العسكرية. ويظل نجاح هذه الشراكة مرتبطًا بقدرة البلدين على الحفاظ على مستوى التنسيق وتطوير مجالات التعاون بما يتناسب مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.
زوروا صفحتنا الرسمية على فيسبوك 👇
جريدة عالم النجوم
متابعة ليصلكم كل جديد
https://www.facebook.com/share/1JbMYHoH2N/?mibextid=wwXIfr




