ذكرى ميلاد ورحيل الشيخ محمد رفعت تعيد إلى الأذهان سيرة أحد أعظم قراء القرآن الكريم في تاريخ مصر والعالم الإسلامي، ذلك الصوت الذي ارتبط بالخشوع والروحانيات لعقود طويلة، حتى استحق لقب “قيثارة السماء” عن جدارة، بعدما ترك إرثًا خالدًا ما زال حاضرًا في وجدان الملايين رغم مرور أكثر من سبعين عامًا على رحيله.
ويوافق اليوم 9 مايو ذكرى ميلاد ورحيل الشيخ محمد رفعت، إذ وُلد عام 1882، ورحل عن عالمنا في اليوم نفسه من عام 1950، بعد رحلة استثنائية في تلاوة القرآن الكريم جعلته من أبرز الأصوات التي عرفها العالم الإسلامي.
الشيخ “محمد رفعت”.. أول صوت قرآني عبر الإذاعة المصرية
ارتبط اسم الشيخ محمد رفعت بتاريخ الإذاعة المصرية، بعدما كان أول صوت يتلو القرآن الكريم عبر أثيرها عند افتتاح البث الرسمي للإذاعة عام 1934، في لحظة تاريخية ما زالت محفورة في ذاكرة المصريين.
واشتهر الشيخ بأسلوبه الفريد في التلاوة، حيث امتزج الأداء المتقن بعذوبة الصوت والخشوع، ما جعله نموذجًا متفردًا بين كبار القراء، وأحد أبرز رموز التلاوة في القرن العشرين.

كيف ضاع مشروع تسجيل القرآن كاملًا بصوت الشيخ رفعت؟
ورغم القيمة الكبيرة لصوت الشيخ محمد رفعت، فإن تسجيلاته الكاملة لم تصل إلى الأجيال الحالية، بعدما ضاعت أجزاء كبيرة منها بسبب ظروف تقنية وإدارية، في واحدة من أبرز الخسائر الفنية والدينية في تاريخ الإذاعة المصرية.
وبحسب ما أورده كتاب “صنايعية مصر” للكاتب عمر طاهر، فقد جرت محاولة لتسجيل القرآن الكريم كاملًا بصوت الشيخ رفعت بالتعاون مع الإذاعة البريطانية BBC، عبر وساطة الشاعر والصحفي أبو بثينة.
وأبدى الشيخ موافقته على المشروع، مشترطًا الحصول على مقابل مادي يضمن مستقبل أبنائه، حيث طلب 100 جنيه عن تسجيل كل شريط، ومثلها للاستخدام، إضافة إلى 5 جنيهات مقابل حق الانتفاع.

خطأ حسابي أنهى المشروع قبل بدايته
وبالفعل، أرسل الشيخ رفعت شريطين تجريبيين إلى لندن، أحدهما لسورة آل عمران والآخر لسورة مريم، تمهيدًا لإتمام الاتفاق، إلا أن خطأ غير مقصود تسبب في انهيار المشروع بالكامل.
إذ أخطأ الوسيط في حساب التكلفة الإجمالية، وأبلغ الإذاعة البريطانية أن الشيخ يطلب أكثر من 20 ألف جنيه، وهو رقم اعتبرته BBC مبالغًا فيه للغاية آنذاك، ليتم إلغاء المشروع قبل تنفيذه.
لماذا لم تحتفظ الإذاعة المصرية بتلاوات الشيخ رفعت؟
في المقابل، لم تكن الإمكانيات التقنية لدى الإذاعة المصرية تسمح بحفظ التسجيلات لفترات طويلة، حيث كانت تعتمد على أشرطة ضخمة من نوع “ماركوني”، تُستخدم مرة واحدة فقط ثم تُمسح لإعادة استخدامها في تسجيل برامج جديدة.
وبسبب هذه الظروف، ضاع جزء كبير من تراث الشيخ محمد رفعت، وكاد صوته أن يختفي تمامًا لولا جهود عدد من محبيه الذين أدركوا قيمة هذا الإرث النادر.
زكريا باشا مهران ينقذ تراث “قيثارة السماء”
ويُعد زكريا باشا مهران من أبرز الشخصيات التي لعبت دورًا محوريًا في الحفاظ على تلاوات الشيخ رفعت، إذ امتلك جهاز تسجيل أسطوانات نادرًا في ذلك الوقت، وحرص على تسجيل التلاوات بشكل مستمر.
وكان مهران يستخدم جهازين في وقت واحد لتجنب فقدان أي جزء من القراءة، خاصة أن مدة الأسطوانة الواحدة لم تكن تتجاوز دقيقتين و45 ثانية.
وأسهمت هذه الجهود في الحفاظ على نحو 95% من تراث الشيخ محمد رفعت، بعدما جُمعت لاحقًا 278 أسطوانة تضم 19 سورة كاملة بإجمالي 21 ساعة من التلاوات، قبل إعادة تسجيلها وتقديمها للإذاعة في مطلع الستينيات.
صوت خالد في ذاكرة المصريين
ورغم مرور عقود طويلة على رحيله، ما زال صوت الشيخ محمد رفعت حاضرًا بقوة في البيوت المصرية والعربية، خاصة خلال شهر رمضان والمناسبات الدينية، حيث يعتبره كثيرون أحد أعظم من تلا القرآن الكريم في العصر الحديث.
كما ظلت مدرسته الخاصة في الأداء والتجويد مصدر إلهام لأجيال من القراء، ليبقى “قيثارة السماء” واحدًا من أبرز الرموز الخالدة في تاريخ التلاوة الإسلامية.
تابعونا على صفحة الفيسبوك 👇
https://www.facebook.com/share/1D4HTksdYM/



