الانحلال الأخلاقي خطر صامت يهدد المجتمعات

كتبت / مايسة عبد الحميد
في زمن العولمة والانفتاح غير المسبوق، أصبح الحديث عن “الانحلال الأخلاقي” أكثر من مجرد نقاش تقليدي بين الأجيال، بل تحوّل إلى قضية تمسّ جوهر بقاء المجتمعات وسلامتها. إنه الخطر الصامت الذي لا يقرع الأبواب، بل يتسلل بهدوء إلى العقول والسلوك، يغيّر القيم، ويهز ثوابت التربية والانتماء.

تتعدد مظاهر الانحلال الأخلاقي، من تفشي الكذب والخيانة والأنانية، إلى انحدار الذوق العام، وتراجع قيم الحياء والاحترام. في كثير من الأحيان، تُغلّف هذه المظاهر بعبارات براقة مثل “الحرية الشخصية” أو “التجديد”، لكن الحقيقة المؤلمة أنها تمثل تمردًا على المبادئ التي تبني الإنسان وتحفظ كرامته.

من يتحمّل مسؤولية هذا الانحدار؟ هل هي الأسرة التي ضعفت قبضتها التربوية؟ أم المؤسسات التعليمية التي فقدت دورها في غرس القيم؟ أم الإعلام الذي يروّج لنماذج سطحية وفارغة؟ أم أن المسؤولية مشتركة بين الجميع؟

الحقيقة أن الانحلال الأخلاقي لا يأتي من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات، تبدأ من الإهمال وتنتهي بتطبيع السلوك المنحرف.
يعيش الجيل الجديد صراعًا شرسًا بين ما يتلقاه من أسرته ومجتمعه، وما يتعرض له من تأثيرات عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. يجد الشاب نفسه بين قيمٍ تتآكل، وضغوط تدفعه إلى التمرد واللا مبالاة. وإذا لم يجد هذا الجيل القدوة والاحتواء، فلن يكون مفاجئًا أن يفقد البوصلة الأخلاقية.
الحديث عن الانحلال الأخلاقي ليس دعوة للتشاؤم، بل ناقوس خطر يدعو إلى التحرك. لا بد من عودة واعية لدور الأسرة، وإعادة الاعتبار للمؤسسات التربوية، وتفعيل دور الدين والثقافة في تعزيز الهوية والقيم. كما يجب أن يتحمّل الإعلام مسؤوليته في تقديم محتوى هادف، يوازن بين الترفيه والتوعية.
الانحلال الأخلاقي ليس مجرد ظاهرة اجتماعية، بل قضية مصيرية. وإذا لم تُواجه بوعي جماعي ورؤية شاملة، فإن المجتمعات قد تخسر أهم ما تملك وهي إنسانيتها.



