أخبار وتقاريرعالم الفن

جميلة بوحيرد.. من حكم الإعدام إلى رمز عالمي للمقاومة.. كيف ساهمت السينما المصرية في تخليد قصتها؟

لم تكن جميلة بوحيرد مجرد بطلة في فيلم سينمائي، وإنما كانت مناضلة جزائرية حقيقية تحولت قضيتها خلال سنوات الثورة الجزائرية إلى قضية رأي عام عالمي. وبعد صدور حكم الإعدام بحقها، بدأت معركة قانونية وإعلامية واسعة ساهمت في وقف تنفيذ الحكم، قبل أن تأتي السينما المصرية عام 1958 لتقدم قصتها إلى ملايين المشاهدين من خلال فيلم «جميلة» للمخرج يوسف شاهين وبطولة الفنانة ماجدة.

جميلة بوحيرد.. مناضلة جزائرية في مواجهة الاحتلال الفرنسي

ولدت جميلة بوحيرد في الجزائر، وانضمت إلى صفوف المقاومة خلال الثورة الجزائرية، وشاركت في النضال ضد الاحتلال الفرنسي.

وفي عام 1957 ألقت السلطات الفرنسية القبض عليها، وتعرضت للتعذيب، ثم قدمت للمحاكمة وصدر بحقها حكم بالإعدام وهي في الثانية والعشرين من عمرها. وحدد يوم 7 مارس 1958 لتنفيذ الحكم، لتبدأ واحدة من أشهر الحملات الدولية للدفاع عن حياتها.

ولم تكن قضية جميلة بوحيرد معزولة عن الرأي العام، فقد تحرك محاموها وعدد من المناهضين للاستعمار لكشف قضيتها أمام العالم، كما وصلت برقيات احتجاج واستنكار إلى جهات دولية، وهو ما ساهم في تكوين ضغط دولي واسع ضد تنفيذ حكم الإعدام.

جميلة بوحيرد.. من حكم الإعدام إلى رمز عالمي للمقاومة.. كيف ساهمت السينما المصرية في تخليد قصتها؟
ماجدة في دور جميلة بوحيرد

جاك فيرجيس ومعركة الدفاع عن جميلة بوحيرد

كان المحامي الفرنسي جاك فيرجيس من أبرز المدافعين عن جميلة بوحيرد، وقاد معركة قانونية وإعلامية للتعريف بقضيتها.

وتشير دراسات تاريخية إلى أن فيرجيس تعاون مع الكاتب والصحفي جورج أرنو في إصدار كتاب عن قضيتها عام 1957، الأمر الذي ساعد في نقل قضيتها إلى نطاق أوسع وكسب مزيد من التعاطف الدولي.

وبالفعل، لم يُنفذ حكم الإعدام، وخُفف الحكم إلى السجن مدى الحياة، ثم بقيت جميلة في السجن حتى استقلال الجزائر عام 1962، لتخرج بعدها إلى الحرية.

جميلة بوحيرد.. من حكم الإعدام إلى رمز عالمي للمقاومة.. كيف ساهمت السينما المصرية في تخليد قصتها؟
ماجدة في فيلم جميلة بوحيرد

ماجدة تحمل قصة جميلة بوحيرد إلى شاشة السينما

في عام 1958، وبينما كانت جميلة لا تزال خلف القضبان، قدمت السينما المصرية فيلم «جميلة»، الذي جسدت فيه الفنانة ماجدة شخصية المناضلة الجزائرية.

الفيلم أخرجه المخرج الكبير يوسف شاهين، وكان من إنتاج «أفلام ماجدة»، وشارك في بطولته عدد كبير من نجوم السينما المصرية، بينهم أحمد مظهر، صلاح ذو الفقار، زهرة العلا، رشدي أباظة، حسين رياض، محمود المليجي وفاخر فاخر.

أما السيناريو فشارك في كتابته نجيب محفوظ وعبد الرحمن الشرقاوي وعلي الزرقاني ووجيه نجيب، بينما تستند قصة الفيلم إلى شخصية جميلة بوحيرد ونضالها خلال الثورة الجزائرية.

وكان الفيلم من أوائل الأفلام السياسية الصريحة ليوسف شاهين، وقدم قصة جميلة باعتبارها قصة مبنية على وقائع حقيقية، مستعرضًا انضمامها إلى جبهة التحرير الوطني، واعتقالها وتعذيبها ومحاكمتها.

جميلة بوحيرد.. من حكم الإعدام إلى رمز عالمي للمقاومة.. كيف ساهمت السينما المصرية في تخليد قصتها؟
جميلة بوحيرد

هل أنقذ الفيلم جميلة بوحيرد من الإعدام؟

هذه واحدة من أكثر النقاط التي جرى تداولها بصورة غير دقيقة.

فمن الناحية الزمنية، كان الضغط الدولي والقانوني على السلطات الفرنسية قائمًا قبل عرض الفيلم، كما أن معركة الدفاع عن جميلة بدأت منذ صدور الحكم عليها عام 1957. ولذلك لا يمكن القول تاريخيًا إن فيلم ماجدة وحده هو الذي أنقذها من الإعدام.

لكن الفيلم لعب دورًا مهمًا في توسيع انتشار قصة جميلة وتعريف الجمهور العربي والعالمي بها، وحوّل قضيتها إلى عمل فني جماهيري وصل إلى شرائح واسعة لم تكن تعرف تفاصيل نضالها.

وتؤكد جميلة بوحيرد نفسها أنها لم تكن في وضع يسمح لها بالموافقة أو الرفض على إنتاج الفيلم، لأنها كانت وقتها داخل السجن ومحكومًا عليها بالإعدام، كما ذكرت في حوار صحفي أنها لم تشاهد الفيلم كاملًا وإنما شاهدت أجزاء منه.

جميلة بوحيرد.. من حكم الإعدام إلى رمز عالمي للمقاومة.. كيف ساهمت السينما المصرية في تخليد قصتها؟
جميلة بوحيرد

من سجينة محكوم عليها بالإعدام إلى رمز للحرية

بعد استقلال الجزائر في 5 يوليو 1962، خرجت جميلة بوحيرد من السجن، وتحولت مع مرور السنوات إلى واحدة من أشهر رموز الثورة الجزائرية والنضال ضد الاستعمار.

كما تزوجت لاحقًا من محاميها جاك فيرجيس، الذي كان أحد أبرز المدافعين عنها خلال محاكمتها.

أما الفيلم المصري «جميلة»، فقد بقي حاضرًا في ذاكرة السينما العربية، ليس فقط بسبب نجومه الكبار أو اسم مخرجه يوسف شاهين، وإنما لأنه تناول قضية سياسية وإنسانية حقيقية في وقت كانت صاحبتها لا تزال خلف القضبان.

جميلة بوحيرد.. حكاية تجاوزت حدود السينما

تبقى قصة جميلة بوحيرد مثالًا بارزًا على تداخل الفن مع التاريخ والسياسة والرأي العام. فقد بدأت الحكاية بمناضلة شابة تواجه حكم الإعدام، ثم تحولت قضيتها إلى معركة قانونية وإعلامية دولية، قبل أن تصل قصتها إلى ملايين المشاهدين من خلال السينما المصرية.

وهنا تكمن أهمية فيلم «جميلة»: لم يصنع بطلة من الخيال، وإنما نقل إلى الشاشة قصة امرأة كانت بالفعل تواجه الموت، وساهم في إبقاء قضيتها حاضرة في الذاكرة العربية والعالمية.

زوروا صفحتنا على فيسبوك 👇

https://www.facebook.com/share/19TpDSPs4A/?mibextid=wwXIfr