مقالات

حمدي رزق يكتب: وردة على قبر د. فوزية العشماوى

حمدي رزق يكتب: وردة على قبر د. فوزية العشماوى

حمدي رزق يكتب: وردة على قبر د. فوزية العشماوى
حمدي رزق

مشكورة السفيرة «سها جندى»، وزيرة الدولة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج، تقدمت بخالص عزائه‍ا لعائلة الدكتورة «فوزية العشماوى»، أستاذ الحضارة الإسلامية بجامعة جنيف.

البقاء لله، سنفتقد عقلا راجحا، ورأيا سديدا، وفكرا قويما، ومصباحا منيرا من مصابيح التنوير المصرى، بإطلالة معتبرة فى واحدة من أعرق جامعات أوروبا.

رحلت الدكتورة فوزية وتركت فينا حزنًا شفيفًا على رحيل عالمة من مدرسة العقل، تمرست النقد، ولم ترضخ لأساطين مدرسة النقل، كانوا يخشونها فى المبارازات الحوارية، ويتجنبون مواجهتها فى المناظرات العلمية.

ورغم صوتها الضعيف، كانت اجتهاداتها صاخبة، واعية لدور المرأة المسلمة فى مجتمعها الذكورى، وحقوقها فى مواجهة مجتمع هضم الحقوق، ولها اجتهادات فى الميراث وعمل المرأة وحق الكد والسعاية، كانت تخشى على الأسرة المسلمة من رياح التفكك التى تهب عاصفة فى أفكار مشوهة عابرة للأجيال دون تمحيص الفائدة المتحققة والمردود الإيجابى على صحة المجتمع المسلم. 

عبر حوارات مطولة، تيقنت من رجاحة عقلها، وسلامة منطوقها، تُعمل عقلها فى النص، لا تخاصم نصًا بل تقف منه موقف الناقد الفاهم مآلات التأويل والتفسير، وكونها فى مجتمع غربى يعزز دور العقل، برزت عاقلة فى خطابها فى مجتمعها العربى المسلم.

عِلمها العزيز ودراستها لأسباب تأخر الشرق المسلم جعلها تتوق لنقلة فى الفكر الدينى، لذا تحمست بشدة لنداء الرئيس السيسى لـ «تجديد الفكر الدينى»، وتبنتها فى حضورها الأوروبى، كانت قطبًا بارزًا فى المحافل العالمية، تحمل رسالة الإسلام الحنيف برؤية عصرية سجلتها فى مؤلفاتها التى لم تنل حظا من الذيوع المستحق لأسباب سيطرة الفكر السلفى على الوعى الجمعى بموروثات مدونة فى أوراق صفراء. التفاتة المؤسسة الدينية الرسمية إلى الراحلة الكريمة (تحديدًا وزارة الأوقاف، وكانت ضيفا مكرما على فعاليتها) جاءت مبكرة، كرمتها الوزارة، وحصلت على وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى للعلوم والفنون عام ٢٠٠٨ عن مجمل أبحاثها فى العلوم الإسلامية.. وبألق سنوات الحضور وبحضور محبب، عوضت غيابا طال (هاجرت من مسقط رأسها فى رأس التين فى العام ١٩٧٢).

آخر رسائلها إلى كاتب هذه السطور على الواتساب أرسلت تعجبًا من رسالة وصلتها تعقيبًا على شعرها الذى نثره نسيم النيل العليل خلال حوار أخير فى برنامِجِى «نظرة» على «صدى البلد»، يطالبها منغلق العقل بتغطية شعرها (وهى من القواعد)، كانت متعجبة من هذا الذى يلفته شعرها ولم يفقه قولها، أجبتها بحالة التدين «الشكلانية» التى ترعى بين ظهرانينا، فعقّبت بعلامة تعجب صاحبتها إلى قبرها!!.

أنجزت رسالتها فى الماجستير حول شخصية «النبى محمد» صلى الله عليه وسلم فى الأدب الفرنسى، والدكتوراة حول «تطور أوضاع المرأة المصرية من خلال أدب نجيب محفوظ».. ونذرت نفسها لقراءة النص بعقل منفتح لا يخاصم حضارة إنسانية، ويرى فى الحضارة الإسلامية قبسًا من نور أظلمته العقول المنغلقة على النص. تركت تفسيرات شديدة العذوبة والمحبة والتقدير والاحترام لما نقل عن المصطفى صلى الله عليه وسلم، تفسيرات تسمو وترتقى فوق التفسيرات النصية الضيقة التى تأخذ بظاهر اللفظ، لا تذهب إلى أعماق المعانى السامية التى يمثلها صلى الله عليه وسلم، «فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ» (الواقعة / ٨٩).

نهى مرسي

نائب رئيس تحرير الموقع
زر الذهاب إلى الأعلى