عالم الفنعالم النجوم

في ذكرى وفاة كرم النجار.. الكاتب الذي قدم «محمد رسول الله» وترك بصمة خالدة في الدراما المصرية

تحل في 16 أكتوبر ذكرى وفاة الكاتب والسيناريست المصري كرم النجار، الذي رحل عن عالمنا في مثل هذا اليوم عام 2021، بعد رحلة إبداعية امتدت لأكثر من أربعة عقود، قدم خلالها أعمالًا سينمائية وتليفزيونية ومسرحية تناولت قضايا المجتمع والعلاقات الإنسانية، ونجح في ترك بصمة خاصة في تاريخ الدراما المصرية. وارتبط اسمه بأعمال مهمة، من بينها فيلم «الصرخة» بطولة نور الشريف، ومسلسلات «الأصدقاء» و«الرقص على سلالم متحركة» و«لا إله إلا الله»، إلى جانب مسرحية «أولاد الغضب والحب».

لم يكن كرم النجار مجرد كاتب ينسج الأحداث ويصنع الحوارات، بل كان صاحب رؤية فنية اهتمت بالإنسان وما يواجهه من صراعات وتحديات، وحرص على أن تحمل أعماله أفكارًا ورسائل تتجاوز حدود الحكاية الدرامية. واستطاع من خلال كتاباته أن يناقش قضايا اجتماعية وفكرية بأسلوب يصل إلى الجمهور، ويترك مساحة للتأمل في الشخصيات ومواقفها واختياراتها.

وفي ذكرى رحيل كرم النجار، تعود إلى الواجهة محطات مهمة من مشواره، الذي جمع بين الثقافة والكتابة للمسرح والسينما والتليفزيون، وترك أعمالًا ما زالت حاضرة في ذاكرة محبي الدراما المصرية.

كرم النجار.. من دراسة الحقوق إلى عالم الكتابة

تخرج كرم النجار في كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية، لكنه اتجه إلى عالم الفن والأدب، مدفوعًا بشغفه بالكتابة وقدرته على التعبير عن الأفكار من خلال الشخصيات والمواقف الدرامية.

وبدأت علاقته بالفن في سن مبكرة، إذ اهتم بالمسرح والقراءة، وتأثر بالأعمال الأدبية التي جعلت الكلمة وسيلة لفهم المجتمع والتعبير عن قضاياه. ومع الوقت، اتضح أن الكتابة هي المجال الذي يستطيع من خلاله تقديم رؤيته الخاصة، فاختار أن يسلك طريق التأليف الدرامي.

وكانت بدايته الفنية من خلال أعمال تليفزيونية في أواخر الستينيات، ومن بينها مسلسل «الإنسان والجبل» عام 1969، الذي فتح أمامه الطريق للمشاركة في مشروعات درامية أخرى. ثم توالت أعماله، ليصبح واحدًا من الكتاب الذين قدموا نصوصًا للسينما والتليفزيون والمسرح على مدار سنوات طويلة.

وقد ساعده تكوينه الثقافي على الاهتمام ببناء الشخصيات وتطور الأحداث، بدلًا من الاعتماد على المواقف السريعة وحدها. كما ظهرت في أعماله رغبة واضحة في مناقشة قضايا الإنسان وعلاقته بالمجتمع والسلطة والأسرة، وهي موضوعات ظلت حاضرة في جانب كبير من الدراما المصرية.

«محمد رسول الله».. عمل بارز في مسيرة كرم النجار

من أبرز المحطات التي ارتبطت باسم كرم النجار كتابته لمسلسل «محمد رسول الله»، وهو من الأعمال الدينية التي تناولت سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، واحتلت مكانة في تاريخ الدراما الدينية المصرية.

وقد أثار هذا العمل اهتمامًا واسعًا بسبب موضوعه وطريقة تناوله، كما ارتبط اسم الكاتب به بوصفه أحد أبرز المشروعات التي عكست اهتمامه بالموضوعات الدينية والفكرية. وتحدثت تقارير صحفية عن تميزه في هذا المجال، مشيرة إلى أنه كان من أوائل الكتاب المسيحيين الذين قدموا عملًا دراميًا يتناول سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ولم يكن اهتمامه بالموضوعات الدينية منفصلًا عن رؤيته العامة للكتابة، إذ كان ينظر إلى الفن باعتباره مساحة للتواصل بين الناس، ووسيلة لتقديم القيم الإنسانية وإبراز ما يجمع البشر من مشاعر وتجارب، رغم اختلاف خلفياتهم.

كما ارتبط اسمه بمسلسل «لا إله إلا الله»، الذي تناول موضوعات دينية وفكرية، وأسهم في ترسيخ حضوره ككاتب قادر على التعامل مع النصوص التي تحتاج إلى بحث ومعرفة وحرص في المعالجة.

وتبقى هذه التجربة واحدة من الجوانب اللافتة في مسيرته، لأنها تكشف عن اتساع الموضوعات التي اهتم بها، وقدرته على الانتقال من الدراما الاجتماعية إلى الأعمال ذات الطابع الديني والتاريخي.

في ذكرى وفاة كرم النجار.. الكاتب الذي قدم «محمد رسول الله» وترك بصمة خالدة في الدراما المصرية
كرم النجار

«الصرخة».. محطة سينمائية مهمة مع نور الشريف

في السينما، ارتبط اسم كرم النجار بفيلم «الصرخة» الذي عُرض عام 1991، وقام ببطولته الفنان الراحل نور الشريف. ويُعد الفيلم من الأعمال التي ناقشت قضايا اجتماعية وإنسانية، وسلطت الضوء على معاناة الأفراد في مواجهة المجتمع وما يفرضه من قيود وتحديات.

وجاءت أهمية العمل من طرحه لقضية إنسانية في قالب درامي، مع الاعتماد على شخصية محورية تحمل أبعادًا نفسية واجتماعية. وقد أتاح النص للفيلم أن يفتح بابًا للنقاش حول طريقة تعامل المجتمع مع الاختلاف، وأهمية فهم الإنسان بعيدًا عن الأحكام المسبقة.

كما قدم كرم النجار أعمالًا سينمائية أخرى، من بينها «صراع الأحفاد»، إلى جانب إسهاماته في الدراما التليفزيونية والمسرحية، وهو ما يعكس تنوع تجربته وعدم اقتصارها على وسيط فني واحد.

وكانت الكتابة للسينما تتطلب منه بناء حكاية مكثفة تتطور أحداثها خلال زمن محدود، بينما أتاحت له المسلسلات مساحة أكبر لتفصيل الشخصيات ومتابعة تحولاتها. وقد استفاد من اختلاف هذه الوسائط في تقديم أعمال تتنوع في موضوعاتها وأسلوبها.

«الأصدقاء» و«الرقص على سلالم متحركة».. حضور في ذاكرة الدراما

ترك كرم النجار بصمة واضحة في التليفزيون من خلال مجموعة من المسلسلات التي تناولت العلاقات الإنسانية والاجتماعية. ومن أبرزها «الأصدقاء»، و«الرقص على سلالم متحركة»، و«بابا نور»، و«عالم عم أمين»، إلى جانب أعمال أخرى أسهمت في إثراء المكتبة الدرامية المصرية.

وتناولت هذه الأعمال موضوعات متعددة، من العلاقات بين أفراد الأسرة والأصدقاء إلى الصراعات التي تنشأ نتيجة اختلاف المصالح والظروف الاجتماعية. وتميزت كتاباته بالاهتمام بتفاصيل الشخصيات، ومحاولة تقديم دوافعها بصورة تجعل المشاهد قادرًا على فهم تصرفاتها، حتى عندما يختلف معها.

ولم تكن الشخصيات في أعماله مجرد أدوات لتحريك الأحداث، بل كانت في كثير من الأحيان وسيلة لطرح أسئلة تتعلق بالمسؤولية والاختيار والعدالة والعلاقات بين الناس. وهذه العناصر منحت بعض أعماله مساحة للاستمرار في ذاكرة الجمهور، حتى بعد مرور سنوات على عرضها.

كما كتب للمسرح، وقدم مسرحية «أولاد الغضب والحب»، التي عُرضت على مسرح السلام عام 2010، لتؤكد استمرار علاقته بالكتابة المسرحية، واهتمامه بتقديم موضوعات تحمل أبعادًا اجتماعية وإنسانية.

تكريم كرم النجار وتقدير مشواره الفني

حظي كرم النجار بتقدير الوسط الفني خلال حياته، وكان من أبرز محطات تكريمه احتفاء المركز الكاثوليكي المصري للسينما به عام 2019، تقديرًا لمشواره وإسهاماته في الكتابة للسينما والتليفزيون والمسرح.

وجاء هذا التكريم ليؤكد قيمة تجربته الفنية، التي امتدت لسنوات طويلة، وشارك خلالها في تقديم أعمال تناولت قضايا متنوعة، واستعانت بها أجيال من الفنانين والمخرجين في بناء مشروعات درامية مختلفة.

وكانت كتاباته تعكس اهتمامًا بالمعنى والرسالة، مع الحرص على أن تكون الدراما قادرة على التعبير عن المجتمع وتناقضاته، وأن تطرح أسئلة تتعلق بالإنسان ومكانه في محيطه.

في ذكرى وفاة كرم النجار.. الكاتب الذي قدم «محمد رسول الله» وترك بصمة خالدة في الدراما المصرية
كرم النجار

رحيل كرم النجار وبقاء أعماله

في 16 أكتوبر 2021، رحل كرم النجار بعد صراع مع المرض، تاركًا خلفه إرثًا فنيًا متنوعًا امتد عبر السينما والتليفزيون والمسرح. وأثار خبر وفاته حالة من الحزن في الوسط الفني، حيث نعاه عدد من الفنانين والمؤسسات الثقافية، مشيدين بمشواره وإسهاماته في الكتابة الدرامية.

ورغم رحيله، ظلت أعماله حاضرة من خلال إعادة عرض المسلسلات والأفلام التي كتبها، واستمرار الاهتمام بتجربته عند استعادة تاريخ الدراما المصرية. فالأعمال التي تتناول الإنسان وقضاياه لا تفقد قيمتها بسهولة، لأنها ترتبط بتجارب ومشاعر تتكرر في حياة الأجيال المختلفة.

وفي ذكرى وفاة كرم النجار، نستعيد سيرة كاتب آمن بقوة الكلمة، وجعل من الكتابة وسيلة للتعبير عن الإنسان والمجتمع، وترك أعمالًا تتجاوز زمن إنتاجها لتبقى جزءًا من ذاكرة الفن المصري.

زوروا صفحتنا علي الفيس بوك 👇

https://www.facebook.com/share/1CoApvc8PD/?mibextid=wwXIfr