يحتفل البريطانيون في شهر أكتوبر من كل عام بمناسبة مميزة تُعرف باسم عيد التفاحة في المملكة المتحدة، وهو احتفال يسلط الضوء على فاكهة التفاح والبساتين التقليدية والتنوع الزراعي والثقافي الذي تتميز به البلاد. وتأتي هذه المناسبة مع موسم الخريف، الذي يرتبط بقطف التفاح وجمع المحاصيل، لتجمع بين الاهتمام بالطبيعة والتعريف بالأنواع المحلية من الفاكهة والحفاظ على التراث الزراعي البريطاني.
ولا يقتصر الاحتفال على تناول التفاح أو التعرف على أنواعه المختلفة، بل يحمل رسالة أوسع تتعلق بأهمية حماية البساتين، وتشجيع الإنتاج المحلي، والحفاظ على التنوع البيئي الذي يمثل جزءًا من هوية المجتمعات المحلية في بريطانيا.
عيد التفاحة في المملكة المتحدة.. متى بدأ الاحتفال؟
يرجع تاريخ انطلاق عيد التفاحة في المملكة المتحدة إلى 21 أكتوبر عام 1990، عندما أطلقت مؤسسة «كومون جراوند» البريطانية المبادرة في منطقة كوفنت جاردن بالعاصمة لندن، بهدف تسليط الضوء على أهمية أشجار التفاح والبساتين التقليدية، خاصة مع تزايد المخاوف بشأن اختفاء بعض البساتين القديمة وتراجع الاهتمام بالتنوع الكبير في أصناف التفاح.
وجاءت الفكرة لتؤكد أن التفاح ليس مجرد محصول زراعي أو فاكهة موسمية، بل يرتبط بتاريخ الأماكن وتقاليدها المحلية، كما يعكس العلاقة بين الإنسان والأرض والموارد الطبيعية المحيطة به.
ومنذ انطلاق المبادرة، اتسع نطاق الاحتفال ليشمل مناطق مختلفة في المملكة المتحدة، وبدأت جهات ومؤسسات ومجموعات مجتمعية في تنظيم فعاليات خاصة بها، بما يتناسب مع طبيعة كل منطقة وإمكاناتها.
وأصبح يوم 21 أكتوبر التاريخ المرتبط بهذه المناسبة، بينما تُقام بعض الفعاليات المحلية في أيام أخرى من الشهر، وفقًا لبرامج الجهات المنظمة ومواعيد الأنشطة الموسمية.

لماذا يحظى التفاح بهذه الأهمية في بريطانيا؟
يحظى التفاح بمكانة مهمة في الحياة الزراعية والغذائية البريطانية، إذ تتميز البلاد بتنوع أصنافه المحلية، التي تختلف في اللون والحجم والطعم ودرجة الحموضة والحلاوة، إلى جانب اختلاف استخداماتها في إعداد الأطعمة والمشروبات.
وتتمثل إحدى الرسائل الأساسية للمناسبة في تعريف الجمهور بهذا التنوع، وعدم حصر الاهتمام في عدد محدود من الأصناف المنتشرة تجاريًا، مع تشجيع التعرف على الأنواع المحلية التي ارتبطت تاريخيًا بمناطق معينة.
كما يسلط الاحتفال الضوء على دور البساتين في دعم الحياة البرية، إذ توفر الأشجار والبيئات المحيطة بها موائل مناسبة لعدد من الكائنات، وتساعد في الحفاظ على التنوع الطبيعي داخل المناطق الريفية.
ومن هنا، يرتبط الاهتمام بالتفاح بقضايا أوسع تشمل حماية البيئة، والحفاظ على المساحات الخضراء، ودعم المزارعين والمنتجين المحليين، وتشجيع الأجيال الجديدة على التعرف على تاريخ الزراعة في بلادهم.
أبرز فعاليات عيد التفاحة في المملكة المتحدة
تتنوع الأنشطة التي يمكن أن تتضمنها الاحتفالات بهذه المناسبة، بحسب المنطقة والجهة المنظمة، إذ تجمع بعض الفعاليات بين الأنشطة التعليمية والترفيهية والتجارب المرتبطة بالزراعة والطعام.
ومن أبرز الأنشطة التعريف بأنواع التفاح المختلفة، حيث يتعرف الزوار على الفروق بين الأصناف المتاحة، وخصائص كل نوع، واستخداماته في الطهي أو إعداد العصائر.
كما تشمل بعض الفعاليات عرض المنتجات المحلية وبيع التفاح والمحاصيل المرتبطة بالبساتين، إلى جانب تنظيم أنشطة لتذوق الفاكهة والعصائر، والتعرف على طرق عصر التفاح التقليدية.
وقد تتضمن الاحتفالات عروضًا للطهي، وألعابًا شعبية، وورشًا للحرف اليدوية، وجولات داخل البساتين، فضلًا عن لقاءات توعوية تتناول زراعة الأشجار والعناية بها وأهمية الحفاظ على المساحات الزراعية.
وتختلف تفاصيل هذه الأنشطة من مكان إلى آخر، لذلك لا يعني الاحتفال بالمناسبة أن جميع المدن البريطانية تنظم برنامجًا موحدًا أو فعاليات متطابقة في اليوم نفسه.
دور البساتين التقليدية في الحفاظ على التراث
تمثل البساتين التقليدية جانبًا مهمًا من الرسالة التي يحملها عيد التفاحة في المملكة المتحدة، إذ لا تقتصر قيمتها على إنتاج الفاكهة، بل تمتد إلى ارتباطها بالذاكرة المحلية والطبيعة والحياة الريفية.
وتساعد المحافظة على هذه البساتين في حماية أصناف قديمة من التفاح، قد لا تحظى بالانتشار التجاري نفسه الذي تتمتع به الأصناف الأكثر شيوعًا في الأسواق.
كما تسهم الأشجار القديمة في تشكيل المشهد الطبيعي لبعض المناطق، وتوفر بيئات تستفيد منها الطيور والحشرات وكائنات أخرى، وهو ما يجعل الحفاظ عليها جزءًا من الاهتمام بالتنوع البيولوجي.
وتأتي الفعاليات المرتبطة بالمناسبة لتشجيع الأفراد والمجتمعات على التعرف على هذه القيمة، ودعم المبادرات التي تهتم بزراعة الأشجار ورعاية البساتين والتعريف بالمنتجات المحلية.

وتعكس هذه الجهود أهمية الربط بين النشاط الزراعي والوعي البيئي، بحيث لا يُنظر إلى المحاصيل باعتبارها منتجات للاستهلاك فقط، وإنما باعتبارها جزءًا من منظومة طبيعية وثقافية متكاملة.
العلاقة بين الاحتفال وموسم الخريف
يُعد شهر أكتوبر من الفترات المرتبطة بموسم حصاد التفاح في بريطانيا، وهو ما يمنح المناسبة طابعًا موسميًا يتناسب مع تغير ألوان الطبيعة وظهور المحاصيل الخريفية.
وخلال هذه الفترة، تتيح بعض البساتين والأسواق المحلية للزوار فرصة التعرف على المنتجات المتاحة في الموسم، واكتشاف الفروق بين أنواع التفاح، والتعرف على طرق استخدامه في إعداد الأطعمة والمشروبات.
ويمنح توقيت الاحتفال فرصة للحديث عن أهمية المنتجات الموسمية، والتعرف على مصادر الغذاء، وتشجيع الاهتمام بالزراعة المحلية وما يرتبط بها من خبرات وتقاليد.
كما يتيح الاحتفال للأطفال والعائلات فرصة للمشاركة في أنشطة تعليمية وترفيهية، تساعد على فهم دورة نمو الأشجار وأهمية العناية بالنباتات والحفاظ على البيئة.
هل عيد التفاحة عطلة رسمية في بريطانيا؟
من المهم التمييز بين الاحتفال بعيد التفاحة والمناسبات التاريخية الأخرى التي تحمل أسماء متشابهة. فعيد التفاحة المعروف باسم Apple Day هو مناسبة مرتبطة بالتفاح والبساتين، أُطلقت عام 1990، ويرتبط تاريخها الأساسي بيوم 21 أكتوبر.
ولا يعني ذلك أن هذا اليوم عطلة رسمية عامة في المملكة المتحدة، بل إن طبيعة الاحتفال تعتمد على الفعاليات المحلية التي تنظمها المؤسسات والمجتمعات والجهات المهتمة بالزراعة والطبيعة.
وتوجد أيضًا مناسبة تاريخية مختلفة تُعرف باسم Oak Apple Day، أو يوم التفاحة البلوطية، وترتبط باستعادة الملكية الإنجليزية عام 1660، ويوافق تاريخها 29 مايو. وترتبط هذه المناسبة بقصة الملك تشارلز الثاني وشجرة البلوط التي يُقال إنه اختبأ فيها أثناء فراره من قوات خصومه.
ورغم التشابه في الاسم، فإن المناسبتين تختلفان في التاريخ والأهداف والخلفية التاريخية، وهو ما يجعل التمييز بينهما ضروريًا عند تناول تقاليد بريطانيا واحتفالاتها السنوية.
عيد التفاحة في المملكة المتحدة ورسالة الحفاظ على البيئة
يقدم عيد التفاحة في المملكة المتحدة نموذجًا لمناسبة تجمع بين الاحتفال بمنتج زراعي والتوعية بقضايا البيئة والتراث المحلي. فالتفاح يمثل نقطة انطلاق للتعريف بأهمية البساتين والتنوع الزراعي، وتشجيع الاهتمام بالأصناف التقليدية التي ارتبطت بمناطق مختلفة من البلاد.
كما تسلط المناسبة الضوء على دور المبادرات المجتمعية في حماية الموارد الطبيعية، وإتاحة الفرصة أمام الجمهور للتعرف على الزراعة بصورة مباشرة، سواء من خلال زيارة البساتين أو المشاركة في الأنشطة التعليمية أو التعرف على المنتجات المحلية.
وتبرز أهمية هذه الرسالة في ظل الحاجة إلى الحفاظ على التنوع البيئي والثقافي، ودعم الممارسات التي تربط المجتمعات بالطبيعة المحيطة بها.
خاتمة
يظل عيد التفاحة في المملكة المتحدة أكثر من مجرد مناسبة للاحتفاء بفاكهة شهيرة، فهو تقليد خريفي يربط بين الزراعة والبيئة والتراث المحلي، ويذكر بأهمية حماية البساتين والتنوع الكبير في أصناف التفاح. ومنذ انطلاقه عام 1990، أسهمت الفكرة في تشجيع تنظيم فعاليات محلية تعرّف الجمهور بقيمة هذه الفاكهة وبالدور الذي تؤديه البساتين في الحفاظ على الطبيعة والهوية الزراعية البريطانية.
زورونا على صفحة الفيسبوك 👇
https://www.facebook.com/share/1D4HTksdYM




