تحل ذكرى ميلاد مكرم عبيد باشا، أحد أبرز رموز الحركة الوطنية المصرية، الذي ارتبط اسمه بالدفاع عن استقلال مصر ومقاومة الاحتلال البريطاني، كما عُرف بمواقفه السياسية وخطبه المؤثرة وإيمانه بالوحدة الوطنية بين أبناء الشعب المصري. وفي ذكرى ميلاد مكرم عبيد، تعود إلى الواجهة سيرة رجل جمع بين الفكر السياسي والمحاماة والعمل الوزاري، وترك بصمة بارزة في الحياة العامة خلال النصف الأول من القرن العشرين.
وُلد مكرم عبيد باشا في 25 أكتوبر عام 1889، في محافظة قنا بصعيد مصر، ورحل عن عالمنا في 5 يونيو عام 1961، بعد حياة حافلة بالعمل السياسي والوطني. وكان من أبرز قيادات حزب الوفد، وشغل منصبي وزير المواصلات ووزير المالية، كما عُرف ببلاغته وقدرته على الإقناع، حتى أصبح واحدًا من أشهر الخطباء السياسيين في تاريخ مصر الحديث.
مكرم عبيد.. نشأة وتعليم شكّلا شخصية سياسية بارزة
وُلد مكرم عبيد باسم وليم مكرم جرجس ميخائيل عبيد، ونشأ في أسرة مصرية معروفة بمحافظة قنا. ومنذ سنواته الأولى، اتجه إلى التعليم، حتى أكمل دراسته في مصر، ثم سافر إلى بريطانيا لدراسة القانون بجامعة أكسفورد، قبل أن يتوجه إلى فرنسا لاستكمال دراساته العليا في جامعة ليون.
وساعده تكوينه العلمي على اكتساب أدوات قانونية وفكرية انعكست على حياته المهنية والسياسية. فقد جمع بين المعرفة القانونية والقدرة على التعبير باللغة العربية، وأصبح خطيبًا بارعًا يستطيع عرض أفكاره بوضوح وقوة، سواء أمام الجماهير أو داخل المؤسسات السياسية.
ولم تكن دراسة القانون بالنسبة إليه مجرد مسار مهني، بل كانت أساسًا لعمله في المحاماة والدفاع عن المتهمين في القضايا السياسية، فضلًا عن مشاركته في مناقشة القضايا العامة التي شغلت المصريين خلال مرحلة مهمة من تاريخ البلاد.
دوره في الحركة الوطنية وثورة 1919
ارتبط اسم مكرم عبيد بالحركة الوطنية المصرية، خصوصًا خلال ثورة 1919، التي شكلت محطة مهمة في مقاومة الاحتلال البريطاني والمطالبة بالاستقلال. وانضم إلى حزب الوفد، وشارك في العمل الوطني الذي قاده سعد زغلول وعدد من الشخصيات السياسية البارزة في ذلك الوقت.
وكان مكرم عبيد من أصحاب الخطاب السياسي المؤثر، وأسهم في الدفاع عن مطالب المصريين من خلال الخطب والمقالات والأنشطة الدعائية المناهضة للاحتلال. كما ارتبط اسمه بالوفد الذي رافق سعد زغلول في رحلته السياسية، وتعرض للنفي إلى جزيرة مالطا ضمن الشخصيات الوطنية التي أبعدتها سلطات الاحتلال.
وبعد عودته، واصل نشاطه السياسي، وأصبح من الشخصيات المؤثرة داخل حزب الوفد، خاصة مع قدرته على الجمع بين العمل التنظيمي والخطابة والتواصل مع الجماهير. وقد أسهمت هذه المرحلة في ترسيخ مكانته بوصفه أحد الوجوه البارزة في الحركة الوطنية المصرية.

مكرم عبيد وحزب الوفد.. رحلة من القيادة إلى الخلاف السياسي
تولى مكرم عبيد منصب السكرتير العام لحزب الوفد، وكان من الشخصيات القريبة من سعد زغلول، ثم استمر في العمل داخل الحزب خلال مراحل سياسية مختلفة. وقد لعب دورًا مهمًا في صياغة المواقف السياسية والتعبير عن توجهات الحزب في مواجهة الاحتلال والتحديات الداخلية.
لكن مسيرته لم تخلُ من الخلافات السياسية، إذ نشب خلاف بينه وبين مصطفى النحاس باشا، رئيس حزب الوفد آنذاك، وتطور الخلاف إلى مرحلة حادة في أربعينيات القرن الماضي.
وفي عام 1943، ارتبط اسمه بما عُرف باسم «الكتاب الأسود»، الذي عرض فيه انتقادات ومخالفات قال إنها تتعلق بأوضاع الحكم والفساد السياسي والمالي. وأثار الكتاب جدلًا واسعًا في الحياة السياسية المصرية، وأصبح من أبرز المحطات التي أثرت في علاقته بحزب الوفد.
وبعد ابتعاده عن الحزب، أسس الكتلة الوفدية، وواصل نشاطه السياسي، ليؤكد أن تجربته لم تكن مرتبطة بموقع تنظيمي واحد، بل امتدت إلى مواقف ومعارك سياسية عكست طبيعة الحياة الحزبية في تلك المرحلة.
من وزارة المواصلات إلى وزارة المالية
تولى مكرم عبيد عددًا من المناصب الوزارية، من بينها وزارة المواصلات عام 1928، ثم وزارة المالية في مراحل لاحقة، وكان من أبرز السياسيين الذين جمعوا بين العمل الحزبي والمسؤولية الحكومية.
وخلال عمله العام، اهتم بقضايا اقتصادية واجتماعية، وارتبط اسمه بأفكار تتعلق بتنظيم العمل والاهتمام بحقوق العمال والتأمين الاجتماعي، إلى جانب دعمه لمبدأ الضريبة التصاعدية على الدخل. كما عُرف بمشاركته في تطوير بعض التصورات المتعلقة بالتسليف العقاري الوطني.
وتعكس هذه الملفات جانبًا آخر من شخصيته، بعيدًا عن الخطب والمواقف الوطنية، إذ اهتم بالقضايا التي تمس حياة المواطنين وبالعلاقة بين الدولة والاقتصاد والعدالة الاجتماعية.
كما مارس المحاماة، واكتسب شهرة بفضل مرافعاته القانونية، وكان من أبرز القضايا التي ارتبطت باسمه دفاعه عن الأديب عباس محمود العقاد عندما واجه اتهامًا بإهانة الذات الملكية. وقد ساعدت قدرته على التحليل القانوني والاستدلال في ترسيخ صورته بوصفه محاميًا يمتلك أدوات الإقناع والحجة.
الوحدة الوطنية في فكر مكرم عبيد
يُعد مكرم عبيد من الشخصيات التي ارتبطت في الذاكرة المصرية بمفهوم الوحدة الوطنية، إذ كان يؤكد أن الانتماء إلى الوطن يجمع المصريين على اختلاف معتقداتهم الدينية.
ومن أشهر العبارات المنسوبة إليه: «مصر ليست وطنًا نعيش فيه بل وطن يعيش فينا»، وهي عبارة أصبحت من الكلمات المتداولة في الحديث عن الهوية الوطنية والانتماء إلى مصر.
وكان يرى أن المواطنة والعمل المشترك من الأسس التي تساعد على حماية المجتمع من الانقسام، وأن مواجهة الاحتلال والدفاع عن مصالح البلاد يتطلبان وحدة الصف بين المصريين.
وقد انعكست هذه الرؤية في مواقفه العامة، وفي حضوره السياسي الذي لم يقتصر على القضايا الحزبية، بل ارتبط أيضًا بصورة أوسع عن الدولة والمجتمع والحقوق المشتركة للمواطنين.

ذكرى ميلاد مكرم عبيد واستعادة إرثه السياسي
تمثل ذكرى ميلاد مكرم عبيد مناسبة لاستعادة محطات من تاريخ مصر الحديث، خاصة مرحلة الحركة الوطنية وثورة 1919، وما شهدته من صراع مع الاحتلال البريطاني ومحاولات لبناء حياة سياسية قائمة على المشاركة الحزبية والبرلمانية.
وتبرز سيرته كذلك أهمية دور المحامين والمفكرين في الحياة العامة، فقد جمع بين المرافعة أمام المحاكم والخطابة أمام الجماهير والعمل داخل المؤسسات الحكومية، وهو ما جعله حاضرًا في أكثر من مجال خلال مسيرته.
كما أن الخلافات التي خاضها داخل حزب الوفد تكشف عن تعقيدات التجربة السياسية في تلك الفترة، حيث تداخلت المبادئ الوطنية مع التنافس الحزبي والخلافات حول إدارة الحكم والمال العام.
وعلى الرغم من مرور سنوات طويلة على رحيله، لا يزال اسمه مرتبطًا بقضايا الاستقلال والعدالة والوحدة الوطنية، وهي موضوعات تحتفظ بأهميتها في قراءة تاريخ مصر السياسي والاجتماعي.
محطات أخيرة في حياته ووفاته
استمر مكرم عبيد في نشاطه السياسي والوطني لسنوات، وظل من الشخصيات المعروفة في الحياة العامة حتى أواخر حياته. وتوفي في القاهرة يوم 5 يونيو عام 1961، عن عمر ناهز 71 عامًا، بعد مسيرة شهدت تحولات سياسية كبيرة، من مقاومة الاحتلال إلى المشاركة في الحكومات والحياة الحزبية.
وشهدت مراسم تأبينه حضورًا رسميًا وشعبيًا، تقديرًا لمكانته وما قدمه خلال حياته. وبقيت سيرته مرتبطة بمرحلة مهمة من تاريخ مصر، وبشخصية سياسية جمعت بين الثقافة القانونية والبلاغة والعمل العام.
وفي ذكرى ميلاد مكرم عبيد، تتجدد أهمية قراءة تجربته بوصفها جزءًا من تاريخ الحركة الوطنية المصرية، بما حملته من إنجازات وخلافات وتحولات، وبما تركته من أفكار وشعارات ما زالت حاضرة في الذاكرة الوطنية.
زوروا صفحتنا على فيسبوك 👇
https://www.facebook.com/share/19a37oWQpS/?mibextid=wwXIfr




