مقالات

في ذكرى ميلاد عباس حلمي الثاني.. قصة آخر خديوي حكم مصر وتحدى الاحتلال البريطاني

تحل اليوم ذكرى ميلاد عباس حلمي الثاني، آخر من حمل لقب خديوي مصر، والذي وُلد في 14 يوليو 1874، ليصبح أحد أبرز الشخصيات في التاريخ المصري الحديث، بعدما شهدت فترة حكمه صراعًا سياسيًا مع الاحتلال البريطاني، ومحاولات متواصلة للحفاظ على استقلال القرار المصري. وعلى الرغم من أن حكمه انتهى بعزله عام 1914، فإن سيرته لا تزال حاضرة باعتبارها واحدة من أهم المحطات في تاريخ الأسرة العلوية.

ويُنظر إلى عباس حلمي الثاني باعتباره آخر خديوي حكم مصر قبل إعلان الحماية البريطانية، إذ تميزت فترة حكمه بالعديد من الأحداث السياسية والعسكرية التي تركت أثرًا كبيرًا في مسار الدولة المصرية.

نشأة عباس حلمي الثاني وتعليم

وُلد عباس حلمي الثاني في مدينة الإسكندرية لأسرة محمد علي باشا، وهو الابن الأكبر للخديوي محمد توفيق. تلقى تعليمه الأول داخل مصر، ثم انتقل إلى أوروبا لاستكمال دراسته، حيث التحق بمدارس في سويسرا والنمسا، ودرس العلوم السياسية والعسكرية، الأمر الذي أسهم في تكوين شخصيته القيادية منذ الصغر.

وأظهر اهتمامًا مبكرًا بالإدارة وشؤون الحكم، كما اكتسب خبرات سياسية وعسكرية أهلته لتحمل المسؤولية في سن صغيرة، خاصة بعد وفاة والده أثناء وجوده في أوروبا.

في ذكرى ميلاد عباس حلمي الثاني.. قصة آخر خديوي حكم مصر وتحدى الاحتلال البريطاني
عباس حلمي الثاني

توليه حكم مصر

في يناير 1892، توفي الخديوي محمد توفيق، فتلقى عباس حلمي الثاني برقية عاجلة تطلب منه العودة إلى مصر لتولي الحكم باعتباره أكبر أبناء الخديوي الراحل.

وصل إلى الإسكندرية ثم القاهرة، وتولى مسؤولية حكم البلاد رسميًا وهو في الثامنة عشرة من عمره، ليصبح أصغر حكام مصر آنذاك.

ومنذ الأيام الأولى، سعى إلى إظهار استقلالية قراره السياسي، وهو ما وضعه في مواجهة مباشرة مع سلطات الاحتلال البريطاني التي كانت تفرض نفوذها على مؤسسات الدولة منذ احتلال مصر عام 1882.

عباس حلمي الثاني ومواجهة الاحتلال البريطاني

شهدت سنوات حكم عباس حلمي الثاني توترًا مستمرًا مع سلطات الاحتلال البريطاني، وعلى رأسها اللورد كرومر، الذي كان يسيطر بصورة كبيرة على إدارة البلاد.

ورفض الخديوي في أكثر من مناسبة تدخل الاحتلال في شؤون الحكومة المصرية، كما حاول توسيع صلاحيات المؤسسات الوطنية، ودعم الإدارة المصرية، وهو ما أدى إلى تصاعد الخلافات بينه وبين المسؤولين البريطانيين.

ورغم أن سلطاته كانت محدودة بسبب الاحتلال، فإنه حاول الحفاظ على مكانة منصب الخديوي، وأبدى اهتمامًا كبيرًا بقضايا الإصلاح والإدارة والتعليم.

دعم الحركة الوطنية

ارتبط اسم عباس حلمي الثاني بالحركة الوطنية المصرية، إذ حرص على التقرب من عدد من القيادات الوطنية التي كانت تطالب بإنهاء الاحتلال البريطاني.

ورأى كثير من المصريين في مواقفه تعبيرًا عن رفض الهيمنة الأجنبية، الأمر الذي أكسبه شعبية واسعة، خاصة مع تصاعد المطالب الوطنية بالاستقلال.

كما سعى إلى تعزيز دور المصريين في إدارة شؤون بلادهم، وهو ما أثار قلق سلطات الاحتلال التي كانت ترى في تلك التحركات تهديدًا لنفوذها داخل مصر.

اهتمامه بالجيش المصري

أولى الخديوي اهتمامًا واضحًا بالمؤسسة العسكرية، وعمل على رفع كفاءة الجيش المصري، كما تابع أوضاع الضباط واهتم بتطوير الأداء العسكري.

وشهدت تلك الفترة خلافات مع القيادة البريطانية بسبب رؤيته لإصلاح الجيش، وهو ما زاد من حدة التوتر السياسي بينه وبين سلطات الاحتلال.

كما انتقد في أكثر من مناسبة بعض السياسات البريطانية المتعلقة بالمؤسسة العسكرية، وهو ما اعتبرته سلطات الاحتلال تحديًا مباشرًا لها.

سياسة الإصلاح والإدارة

لم تقتصر جهود عباس حلمي الثاني على الجوانب السياسية، بل امتدت إلى دعم الإدارة الحكومية، وتحسين أداء المؤسسات، وتشجيع التعليم، والعمل على تطوير عدد من المرافق العامة.

كما حرص على متابعة أوضاع الأقاليم، والاستماع إلى شكاوى المواطنين، في محاولة لتعزيز دور الدولة المصرية رغم القيود التي فرضها الاحتلال.

ويرى عدد من المؤرخين أن فترة حكمه مثلت مرحلة مهمة في تطور الوعي الوطني، حيث شهدت نمو الحركة السياسية المصرية بصورة ملحوظة.

مكانته في التاريخ المصري

يحتل عباس حلمي الثاني مكانة خاصة في التاريخ المصري باعتباره آخر من حمل لقب الخديوي، وآخر حكام مصر قبل إعلان الحماية البريطانية رسميًا.

كما ارتبط اسمه بمحاولات استعادة القرار الوطني، والدفاع عن استقلال مؤسسات الدولة، رغم الظروف السياسية الصعبة التي فرضها الاحتلال.

ويجمع المؤرخون على أن شخصيته ظلت محل اهتمام الباحثين حتى اليوم، لما شهدته فترة حكمه من أحداث شكلت نقطة تحول في تاريخ مصر الحديث.

محاولة اغتيال عباس حلمي الثاني

تعرض عباس حلمي الثاني لمحاولة اغتيال أثناء وجوده في مدينة إسطنبول عام 1914، عندما أطلق أحد الأشخاص النار عليه، إلا أنه نجا من الحادث بعد إصابته بجروح طفيفة. وجاءت الواقعة في ظل التوترات السياسية التي كانت تشهدها المنطقة آنذاك، خاصة مع اندلاع الحرب العالمية الأولى وتصاعد الصراع بين القوى الكبرى.

وأثارت محاولة الاغتيال اهتمامًا واسعًا في الأوساط السياسية، إلا أن الخديوي واصل نشاطه السياسي، وظل يتابع تطورات الأوضاع في مصر من الخارج.

نهاية حكم عباس حلمي الثاني

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى في أواخر عام 1914، استغلت بريطانيا وجود عباس حلمي الثاني خارج البلاد، وأعلنت فرض الحماية البريطانية على مصر، كما أصدرت قرارًا بعزله من منصبه وإنهاء نظام الخديوية.

وفي 19 ديسمبر 1914، تم تعيين الأمير حسين كامل سلطانًا على مصر، لتنتهي بذلك حقبة الخديوية التي استمرت لعقود، ويصبح عباس حلمي الثاني آخر من حمل هذا اللقب في تاريخ البلاد.

وشكل قرار العزل نقطة تحول كبيرة في التاريخ المصري، حيث انتقلت البلاد إلى مرحلة سياسية جديدة تحت الحماية البريطانية، قبل أن تتغير الأوضاع لاحقًا مع إعلان استقلال مصر عام 1922.

حياة عباس حلمي الثاني بعد العزل

بعد عزله، عاش عباس حلمي الثاني متنقلًا بين عدد من الدول الأوروبية، كما أقام لفترات طويلة في سويسرا والنمسا، وابتعد عن الحياة السياسية تدريجيًا.

ورغم ابتعاده عن الحكم، ظل محل اهتمام الأوساط التاريخية والسياسية، باعتباره أحد أبرز حكام الأسرة العلوية الذين ارتبطت أسماؤهم بمرحلة دقيقة من تاريخ مصر.

كما دوّن عدد من المؤرخين تفاصيل فترة حكمه، التي اتسمت بالصراع مع الاحتلال البريطاني، ومحاولات الحفاظ على استقلال القرار المصري في ظل ظروف سياسية معقدة.

وفاة آخر خديوي لمصر

توفي عباس حلمي الثاني في 19 ديسمبر 1944 بمدينة جنيف السويسرية عن عمر ناهز 70 عامًا، بعد حياة شهدت العديد من التحولات السياسية المهمة.

ونُقل جثمانه إلى مصر تنفيذًا لوصيته، حيث دُفن في المقبرة الملكية، ليختتم بذلك فصلًا مهمًا من تاريخ الأسرة العلوية التي حكمت مصر لأكثر من قرن.

ولا تزال سيرته محل دراسة من جانب المؤرخين والباحثين، لما شهدته فترة حكمه من أحداث كان لها تأثير مباشر في تاريخ مصر الحديث.

إرث سياسي وتاريخي

يرى العديد من المؤرخين أن عباس حلمي الثاني كان من أكثر حكام الأسرة العلوية سعيًا للحفاظ على الشخصية المصرية في مواجهة النفوذ البريطاني، رغم محدودية صلاحياته في ظل الاحتلال.

كما ارتبط اسمه بدعم عدد من الشخصيات الوطنية، والسعي إلى تطوير الإدارة والجيش والتعليم، وهو ما جعله يحظى بمكانة خاصة في الذاكرة الوطنية.

ورغم انتهاء حكمه بقرار العزل، فإن اسمه ظل حاضرًا في كتب التاريخ باعتباره آخر خديوي لمصر، وأحد أبرز الشخصيات التي واجهت النفوذ البريطاني خلال تلك المرحلة.

في ذكرى ميلاد عباس حلمي الثاني

ومع حلول ذكرى ميلاد عباس حلمي الثاني، تتجدد قراءة واحدة من أهم صفحات التاريخ المصري الحديث، إذ يبقى آخر خديوي حكم مصر رمزًا لمرحلة سياسية فارقة شهدت صراعًا بين الإرادة الوطنية والاحتلال البريطاني، ولا تزال سيرته تحظى باهتمام المؤرخين والباحثين حتى اليوم.

زوروا صفحتنا الرسمية على فيسبوك 👇
جريدة عالم النجوم
متابعة ليصلكم كل جديد

https://www.facebook.com/share/1JbMYHoH2N/?mibextid=wwXIfr