عالم النجومعالم الفن

في ذكرى وفاة شادي عبد السلام.. رحلة فنان أعاد اكتشاف التاريخ المصري على شاشة السينما

تحل ذكرى وفاة شادي عبد السلام في 8 شهر أكتوبر، لتعيد إلى الأذهان مسيرة واحد من أبرز المخرجين والفنانين المصريين الذين امتلكوا رؤية مختلفة للسينما، واستطاعوا أن يجعلوا من التاريخ والحضارة المصرية مصدرًا للإبداع والتأمل. ورغم أن مسيرته الإخراجية لم تكن طويلة من حيث عدد الأفلام، فإن أعماله تركت أثرًا استثنائيًا، خاصة فيلمه الأشهر «المومياء.. يوم أن تحصى السنين»، الذي أصبح واحدًا من العلامات المهمة في تاريخ السينما المصرية والعربية.

رحل شادي عبد السلام في أكتوبر عام 1986، لكنه ترك خلفه مشروعًا فنيًا تجاوز حدود السينما التقليدية، حيث جمع في أعماله بين الصورة والعمارة والفنون التشكيلية والتاريخ والتراث، ليقدم عالمًا بصريًا شديد الخصوصية ظل حاضرًا لدى أجيال متعاقبة من الفنانين والنقاد ومحبي السينما.

شادي عبد السلام.. تكوين فني متعدد المجالات

وُلد شادي عبد السلام في 15 مارس 1930 بمدينة المنيا، ونشأ في بيئة ساهمت في تشكيل اهتمامه بالفنون، قبل أن يبدأ رحلة تعليمية ومهنية اتسمت بالتنوع.

تخرج في كلية فيكتوريا بالإسكندرية عام 1948، ثم اتجه إلى لندن لدراسة فنون المسرح خلال الفترة من 1949 إلى 1950، قبل أن يلتحق بكلية الفنون الجميلة في القاهرة، ويتخرج فيها عام 1955.

وساهم هذا التكوين المتنوع في بناء شخصيته الفنية، إذ لم يكن شادي عبد السلام يتعامل مع السينما باعتبارها مجرد وسيلة لسرد قصة، وإنما كان ينظر إليها باعتبارها فنًا متكاملًا تتداخل فيه الصورة والديكور والملابس والإضاءة والعمارة والحركة.

كما تأثر خلال دراسته بالمعماري المصري حسن فتحي، وهو ما انعكس على اهتمامه بالعمارة والتراث والهوية المصرية، وهي عناصر أصبحت فيما بعد جزءًا أساسيًا من عالمه السينمائي.

في ذكرى وفاة شادي عبد السلام.. رحلة فنان أعاد اكتشاف التاريخ المصري على شاشة السينما
شادي عبد السلام

البداية من الديكور وتصميم الصورة

بدأ شادي عبد السلام مشواره الفني من مجال تصميم الديكور، حيث عمل عام 1957 مصممًا للديكور، كما عمل مساعدًا للمهندس الفني رمسيس واصف.

وكانت هذه المرحلة مهمة للغاية في تكوينه، لأنها منحته فرصة للتعرف على تفاصيل صناعة الصورة السينمائية، وكيف يمكن للديكور والملابس والإكسسوارات أن تتحول من عناصر خلفية إلى أدوات أساسية في التعبير عن الشخصيات والأحداث والزمن.

بعد ذلك انتقل إلى العمل مساعدًا للإخراج في عدد من الأفلام المصرية والأجنبية، واكتسب من خلالها خبرات واسعة في صناعة السينما.

ومن أبرز التجارب التي شارك فيها فيلم «الفرعون» للمخرج البولندي كافليرو فيتش، حيث ساهم في إعداد الديكورات والأزياء والإكسسوارات، كما عمل مساعدًا للمخرج في فيلم «وإسلاماه» للمخرج أندرو مارتون.

وشارك أيضًا في الفيلم الإيطالي «الحضارة» للمخرج روبرتو روسيلليني، إضافة إلى الفيلم الأمريكي «كليوباترا» للمخرج جوزيف مانكيفيتش، وهي تجارب منحته فرصة للتعامل مع إنتاجات ضخمة ومدارس سينمائية مختلفة.

«المومياء».. الفيلم الذي ارتبط باسم شادي عبد السلام

جاء عام 1969 ليشهد أهم محطات مسيرة شادي عبد السلام من خلال فيلمه «المومياء.. يوم أن تحصى السنين»، الذي أصبح لاحقًا العمل الأكثر ارتباطًا باسمه.

تدور أحداث الفيلم حول قبيلة تعمل في التنقيب غير الشرعي عن الآثار، وتكتشف مقبرة تضم مومياوات ملكية، لتبدأ رحلة الصراع حول مصير هذه الآثار، في إطار يتجاوز الحكاية المباشرة ليطرح أسئلة حول علاقة الإنسان بتراثه وحضارته وهويته.

تميز الفيلم بلغته السينمائية المختلفة، حيث اعتمد بدرجة كبيرة على الصورة والتكوين والإيقاع والرمز، ولم يكن الحوار هو الوسيلة الوحيدة لنقل المعنى.

وظهر اهتمام شادي عبد السلام بالتفاصيل في كل عناصر الفيلم، بداية من الملابس والديكورات وصولًا إلى الإضاءة وحركة الشخصيات وتكوين الكادرات.

وأصبح «المومياء» بمرور الوقت واحدًا من أبرز الأفلام المصرية التي تناولت الحضارة المصرية القديمة من منظور فني مختلف، كما اكتسب مكانة مهمة في تاريخ السينما العربية.

أعمال أخرى واهتمام دائم بالحضارة المصرية

لم يتوقف المشروع الفني لشادي عبد السلام عند «المومياء»، بل واصل تقديم أعمال قصيرة ووثائقية عكست اهتمامه بالتاريخ والحضارة المصرية.

ففي عام 1970 قدم فيلم «الفلاح الفصيح»، المستوحى من إحدى البرديات المصرية القديمة المعروفة باسم «شكوى الفلاح الفصيح».

واصل من خلال هذا العمل البحث في جذور الحكاية المصرية القديمة، ومحاولة تقديمها بلغة بصرية معاصرة دون التخلي عن روحها التاريخية.

كما قدم عام 1974 فيلم «جيوش الشمس»، ثم «كرسي توت عنخ آمون الذهبي» عام 1982، و«الأهرامات وما قبلها» عام 1984، و«رع مسيس الثاني» عام 1986.

ورغم محدودية عدد أعماله الإخراجية مقارنة بمخرجين آخرين، فإن هذه الأعمال كشفت عن مشروع فني واضح كان يرتكز على استعادة التاريخ المصري وتقديمه بصورة مختلفة.

شادي عبد السلام.. السينما بوصفها فنًا بصريًا

تميزت تجربة شادي عبد السلام بقدرته على الجمع بين تخصصات فنية متعددة، وهو ما جعل أعماله تحمل طابعًا بصريًا واضحًا.

فقد ساعدته دراسته للفنون الجميلة وعمله في تصميم الديكور على إدراك أهمية التفاصيل الصغيرة في بناء المشهد، ولذلك لم تكن الأزياء أو العمارة أو الإكسسوارات مجرد عناصر تجميلية، بل كانت جزءًا من المعنى.

كما استفاد من تجاربه مع عدد من المخرجين المصريين والأجانب، وهو ما منحه خبرة واسعة في صناعة الأفلام والتعامل مع الصورة.

وبمرور الوقت أصبح لشادي عبد السلام أسلوب خاص يمكن التعرف عليه من خلال التكوينات البصرية والأجواء التاريخية والاهتمام بالتفاصيل.

مشروع فني أكبر لم يكتمل

كان لدى شادي عبد السلام العديد من الطموحات والمشروعات السينمائية التي لم تتح له الظروف استكمالها.

وكان اهتمامه بالحضارة المصرية يمتد إلى ما هو أبعد من مجرد تقديم فيلم تاريخي، إذ كان يسعى إلى بناء رؤية فنية متكاملة للإنسان المصري وتاريخه وارتباطه بالأرض والتراث.

لكن رحيله في أكتوبر عام 1986 وضع حدًا لمسيرة فنية كان من الممكن أن تمتد إلى أعمال ومشروعات أخرى.

ومع ذلك، لم يتوقف حضور تجربته، حيث ظلت أعماله ورسوماته وتصميماته شاهدة على مشروع فني مميز استطاع أن يترك تأثيرًا أكبر بكثير من عدد الأعمال التي أنجزها.

الحفاظ على تراث شادي عبد السلام

استمر الاهتمام بتراث شادي عبد السلام بعد رحيله، من خلال الحفاظ على أعماله الفنية وتصميماته ورسوماته ومقتنياته.

كما اهتمت جهات ثقافية وفنية بجمع المواد المرتبطة بمسيرته، بما يشمل اللوحات والاسكتشات وتصميمات الأزياء والديكورات والسيناريوهات والأوراق والصور.

وتكتسب هذه المقتنيات أهمية خاصة لأنها تكشف عن الجانب الآخر من تجربة الفنان، وتوضح حجم الجهد الذي كان يبذله في بناء الصورة قبل أن تظهر على الشاشة.

فبالنسبة إلى شادي عبد السلام، لم يكن الفيلم يبدأ عند تشغيل الكاميرا، وإنما يبدأ من مرحلة طويلة من البحث والتصميم والتخطيط البصري.

إرث شادي عبد السلام في السينما المصرية

في ذكرى وفاة شادي عبد السلام، يبقى اسمه حاضرًا باعتباره واحدًا من الفنانين الذين تعاملوا مع التاريخ المصري باعتباره مادة حية يمكن إعادة اكتشافها من خلال السينما.

ولم يكن هدفه تقديم الماضي في صورة جامدة، وإنما كان يسعى إلى منحه حياة جديدة من خلال الصورة والملابس والعمارة والموسيقى والحركة.

ولهذا ظل فيلم «المومياء» حاضرًا في النقاشات المتعلقة بالسينما المصرية، وأصبح مثالًا على قدرة العمل الفني على تجاوز زمن إنتاجه والوصول إلى أجيال لم تعاصر لحظة ظهوره الأولى.

في ذكرى وفاة شادي عبد السلام.. رحلة فنان أعاد اكتشاف التاريخ المصري على شاشة السينما
شادي عبد السلام

في ذكرى وفاة شادي عبد السلام.. فنان ترك صورة لا تنطفئ

في ذكرى وفاة شادي عبد السلام، تستعيد السينما المصرية مسيرة فنان اختار طريقًا مختلفًا، ولم يسعَ إلى كثرة الأعمال بقدر ما اهتم بأن تحمل أعماله رؤية فنية واضحة.

من الفنون الجميلة والمسرح، إلى الديكور والعمل مساعدًا للإخراج، ثم الانتقال إلى تقديم أعماله الخاصة، تشكلت تجربة فنية نادرة جمعت بين المعرفة التاريخية والحس التشكيلي واللغة السينمائية.

ورغم رحيله في أكتوبر 1986، ظل أثره ممتدًا، وبقي «المومياء.. يوم أن تحصى السنين» واحدًا من أبرز الشواهد على موهبته ورؤيته.

وهكذا، لم تكن قيمة شادي عبد السلام في عدد الأفلام التي أخرجها، وإنما في العالم الذي بناه داخل أعماله، وفي الطريقة التي جعل بها التاريخ المصري والحضارة القديمة جزءًا من لغة سينمائية تحمل هوية خاصة.

وتظل ذكرى وفاته مناسبة لاستعادة تجربة فنان آمن بأن الصورة قادرة على أن تحفظ الذاكرة، وأن السينما يمكن أن تكون وسيلة لإعادة اكتشاف التاريخ والهوية، وهو ما جعل اسم شادي عبد السلام حاضرًا في ذاكرة الفن المصري رغم مرور عقود على رحيله.

زوروا موقعنا على الفيس بوك 👇

https://www.facebook.com/share/1F3VGfJ5K8/?mibextid=wwXIfr