تحل ذكرى وفاة الشاعر والإعلامي واللغوي المصري فاروق شوشة، الذي رحل في 14 أكتوبر 2016، عن عمر ناهز 80 عامًا، بعد رحلة حافلة بالعطاء في ميادين الشعر والإذاعة والثقافة. ارتبط اسمه ببرنامج «لغتنا الجميلة»، الذي قرّب اللغة العربية من ملايين المستمعين، وجعل من الكلمة وسيلة للحفاظ على الهوية الثقافية والجمال الأدبي، ليظل واحدًا من أبرز الأصوات التي خدمت اللغة العربية في مصر والعالم العربي.
لم يكن فاروق شوشة مجرد شاعر يكتب القصائد، بل كان صاحب مشروع ثقافي امتد لعقود، جمع بين الإبداع الشعري والعمل الإعلامي والبحث اللغوي، وحرص على تقديم الأدب العربي بصورة تجمع بين المعرفة والمتعة. واستطاع بصوته وأسلوبه الهادئ وثقافته الواسعة أن يمنح اللغة العربية مكانة مميزة في الحياة اليومية، وأن يفتح أبواب الشعر أمام أجيال من المستمعين والقراء.
فاروق شوشة.. النشأة في قرية الشعراء بدمياط
وُلد فاروق محمد شوشة عام 1936 في قرية الشعراء بمحافظة دمياط، ونشأ في بيئة ارتبطت باللغة العربية والتراث الديني والأدبي. حفظ القرآن الكريم في صغره، وهو ما أسهم في تكوين حصيلته اللغوية، ومهّد الطريق أمام اهتمامه المبكر بجماليات اللغة وأساليب التعبير.
تلقى تعليمه في دمياط، ثم التحق بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، وتخرج فيها عام 1956. وواصل دراسته بكلية التربية بجامعة عين شمس، قبل أن يبدأ العمل في مجال التدريس، ثم ينتقل إلى الإذاعة المصرية عام 1957 وفقًا لسيرته بمجمع اللغة العربية.
ومع انتقاله إلى العمل الإعلامي، وجد شوشة مساحة أوسع لتوظيف معرفته باللغة والأدب، فلم يقتصر اهتمامه على كتابة الشعر، وإنما امتد إلى تقديم البرامج الثقافية التي تسعى إلى رفع الوعي اللغوي والأدبي لدى الجمهور.

«لغتنا الجميلة».. البرنامج الذي صنع علامة فارقة
ارتبط اسم فاروق شوشة ببرنامج «لغتنا الجميلة»، الذي بدأ تقديمه عام 1967، واستمر على مدى عقود في تناول قضايا اللغة العربية والشعر القديم والحديث. وكان البرنامج من أبرز المحطات في مسيرته، إذ قدّم من خلاله نماذج من الشعر العربي، وناقش دلالات الكلمات وتراكيب اللغة، وسلّط الضوء على ثراء العربية وقدرتها على التعبير عن مختلف التجارب الإنسانية.
تميز أسلوب شوشة بالوضوح وسلاسة العرض، فاستطاع تقديم موضوعات لغوية وأدبية بأسلوب قريب من المستمع، بعيدًا عن التعقيد الذي قد يصاحب بعض الدراسات المتخصصة. ولم تكن اللغة بالنسبة إليه مجرد قواعد ومفردات، بل كانت وعاءً للثقافة والذاكرة والوجدان، وجسرًا يصل الماضي بالحاضر.
وقد ساعد البرنامج على تعزيز اهتمام قطاعات واسعة من الجمهور باللغة العربية، كما أتاح للمستمعين التعرف إلى مدارس شعرية مختلفة وأسماء بارزة في تاريخ الأدب. وبفضل هذا الحضور، أصبح اسم فاروق شوشة مرتبطًا في أذهان كثيرين بالدفاع عن العربية وإبراز جمالياتها.
«أمسية ثقافية».. نافذة على كبار الأدباء والمفكرين
لم تتوقف إسهامات فاروق شوشة الإعلامية عند الإذاعة، فقد انتقل إلى التلفزيون من خلال برنامج «أمسية ثقافية»، الذي بدأ تقديمه عام 1977، واستضاف خلاله عددًا من رموز الثقافة والأدب والفكر.
أتاح البرنامج مساحة للحوار حول القضايا الثقافية والفكرية، وعرّف الجمهور بتجارب أدبية وإنسانية متنوعة، كما ساهم في إبراز دور المثقف في مناقشة قضايا المجتمع. وجاءت هذه التجربة امتدادًا لاهتمام شوشة بتقديم الثقافة باعتبارها جزءًا أساسيًا من الحياة العامة، وليست نشاطًا منفصلًا عن اهتمامات الناس.
وتولى شوشة عددًا من المسؤوليات في الإذاعة المصرية، وتدرج في مناصبها حتى أصبح رئيسًا لها عام 1994. كما شارك في أعمال ثقافية ولغوية متعددة، وكان عضوًا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، حيث واصل اهتمامه بقضايا اللغة والمعاجم وتطوير العمل اللغوي.
فاروق شوشة والشعر.. تجربة إبداعية امتدت لعقود
على الرغم من شهرته الإعلامية، ظل الشعر أحد المحاور الأساسية في تجربة فاروق شوشة. أصدر ديوانه الأول «إلى مسافرة» عام 1966، ثم توالت أعماله الشعرية التي تناولت الحب والإنسان والوطن والذاكرة، إلى جانب تأملات في الزمن والحياة والتحولات التي يمر بها الإنسان.
ومن أبرز دواوينه «العيون المحترقة»، و«لؤلؤة في القلب»، و«في انتظار ما لا يجيء»، و«الدائرة المحكمة»، و«لغة من دم العاشقين»، و«يقول الدم العربي»، و«عشرون قصيدة حب»، و«سيدة الماء»، و«وقت لاقتناص الوقت»، و«وجه أبنوسي»، و«الجميلة تنزل إلى النهر».
وتكشف هذه العناوين عن تنوع التجربة الشعرية لديه، واهتمامه بالتعبير عن المشاعر الإنسانية والأسئلة الوجودية والقضايا العربية. كما جمع أعماله الشعرية في مجلدات، لتبقى تجربته متاحة للباحثين والقراء الراغبين في التعرف إلى ملامح شعره وتطور أسلوبه.
ولم يغفل شوشة أدب الأطفال، فقدم أعمالًا شعرية موجهة إلى الصغار، من بينها «حبيبة والقمر»، و«مَلَك تبدأ خطوتها»، و«حكاية الطائر الصغير»، و«أغنية لمصر»، و«الأمير الباسم»، و«أصدقائي الثلاثة». وقد عكست هذه الأعمال اهتمامه بتقديم الشعر للأجيال الجديدة، وتنمية الحس اللغوي والخيال من خلال الكتابة الأدبية.
مؤلفات ودراسات تعكس اهتمامه باللغة العربية
امتد إنتاج فاروق شوشة إلى الدراسات الأدبية والمختارات الشعرية، ومن أبرز كتبه «لغتنا الجميلة»، و«لغتنا الجميلة ومشكلات المعاصرة»، و«أحلى عشرين قصيدة حب في الشعر العربي»، و«العلاج بالشعر»، و«مواجهة ثقافية»، و«جمال العربية»، و«الإغراء بالقراءة».
كما كتب سيرته الشعرية بعنوان «عذابات العمر الجميل»، التي أتاحت جانبًا من رؤيته للحياة وتجربته مع الشعر والثقافة. وشارك كذلك في أعمال تتصل بالمعاجم والتحقيق والدراسة، بما يعكس اهتمامه باللغة العربية من زاويتين متكاملتين: الإبداع الأدبي والبحث اللغوي.
ولم تقتصر أهمية تجربته على حدود مصر، فقد تُرجمت مختارات من قصائده إلى لغات متعددة، من بينها الإنجليزية والروسية والصينية والمقدونية، وهو ما أتاح لقراء خارج العالم العربي التعرف إلى جانب من تجربته الشعرية.
الجوائز والتكريمات في مسيرة فاروق شوشة
حصل فاروق شوشة على عدد من الجوائز التي كرّمت إسهاماته في الشعر والأدب والثقافة. ومن أبرزها جائزة الدولة التشجيعية في الشعر عام 1986، وجائزة كفافيس الدولية للشعر عام 1991، وجائزة محمد حسن فقي، إلى جانب جائزة الدولة التقديرية في الآداب.
وفي عام 2016، مُنح جائزة النيل في مجال الآداب والشعر، وهي من أبرز الجوائز الثقافية المصرية، تقديرًا لمسيرته الطويلة وما قدمه من أعمال أدبية وإعلامية ولغوية.
وجاءت هذه التكريمات تعبيرًا عن مكانته في المشهد الثقافي، وعن الدور الذي لعبه في تقريب الشعر واللغة العربية من الجمهور، فضلًا عن جهوده في دعم الثقافة ونشر المعرفة.

ذكرى وفاة فاروق شوشة.. حضور لا تغيب كلماته
رحل فاروق شوشة في 14 أكتوبر 2016، عن عمر ناهز 80 عامًا، لكن تجربته ظلت حاضرة من خلال دواوينه وكتبه وبرامجه الثقافية التي ارتبط بها أجيال من المصريين والعرب.
وتأتي ذكرى رحيله لتعيد الاهتمام بسيرة شاعر جمع بين الكلمة المكتوبة والصوت المسموع والصورة التلفزيونية، واستطاع أن يجعل من العمل الإعلامي وسيلة لنشر الثقافة، ومن الشعر مساحة للتعبير عن الإنسان والوطن والوجدان.
إن استعادة مسيرة فاروق شوشة لا تقتصر على تذكر شاعر راحل، بل تمثل فرصة للتأمل في قيمة اللغة العربية ودور الإعلام الثقافي في الحفاظ عليها وتقديمها للأجيال الجديدة. فقد ترك تجربة تجمع بين الإبداع والمعرفة، وتؤكد أن خدمة اللغة لا تتحقق بالشعارات وحدها، وإنما بالعمل المستمر والقراءة والحوار والاحتفاء بجمال الكلمة.
وفي ذكرى وفاته، يبقى فاروق شوشة واحدًا من الأسماء التي ارتبطت في الذاكرة الثقافية المصرية بالدفاع عن العربية، ويظل إرثه الأدبي والإعلامي شاهدًا على رحلة طويلة جعل فيها من اللغة رسالة، ومن الشعر وسيلة لفهم الإنسان والعالم.
زوروا موقعنا على الفيس بوك 👇
https://www.facebook.com/share/1F3VGfJ5K8/?mibextid=wwXIfr




