في أكتوبر عام 1951، اتخذت الحكومة المصرية برئاسة مصطفى النحاس باشا خطوة سياسية بارزة بإعلان إلغاء معاهدة 1936 مع بريطانيا، إلى جانب اتفاقية الحكم الثنائي الخاصة بالسودان الموقعة عام 1899. وجاء القرار في ظل تصاعد الخلاف المصري البريطاني بشأن الوجود العسكري البريطاني في مصر ومستقبل السودان، الذي كان يخضع لإدارة مشتركة بين البلدين وفق الاتفاقية القائمة آنذاك.
وكان إلغاء اتفاقية الحكم الثنائي المصري الإنجليزي للسودان جزءًا من تحرك سياسي أوسع سعى من خلاله الوفد المصري إلى إنهاء القيود التي فرضتها الاتفاقات السابقة، والتمسك بموقف مصر بشأن وحدة وادي النيل. وفي المقابل، كان مستقبل السودان موضع خلاف بين أطراف متعددة، من بينها القوى السودانية التي طالبت بتحديد مصير البلاد بإرادة شعبها، بعيدًا عن فرض السيادة المصرية أو استمرار السيطرة البريطانية.
وقد أقر البرلمان المصري القوانين الخاصة بإلغاء الاتفاقيتين في 15 أكتوبر 1951، وسط أجواء سياسية اتسمت بتصاعد المطالب الوطنية بإنهاء الوجود البريطاني. ولم يؤد القرار وحده إلى إنهاء الوجود البريطاني أو حسم مستقبل السودان، لكنه مثّل محطة مهمة في مسار طويل من المفاوضات والصراعات السياسية التي انتهت لاحقًا باستقلال السودان.
معاهدة 1936 واتفاقية 1899.. جذور الأزمة بين مصر وبريطانيا
لفهم خلفيات القرار المصري، لا بد من العودة إلى الاتفاقات التي نظمت العلاقة بين مصر وبريطانيا، وكذلك الوضع السياسي والإداري للسودان في النصف الأول من القرن العشرين.
ففي عام 1936، وقّعت مصر وبريطانيا معاهدة نظمت جوانب من العلاقة بين البلدين، بما في ذلك الوجود العسكري البريطاني في مصر. لكن المعاهدة لم تُنهِ الخلاف حول النفوذ البريطاني، وظلت مسألة جلاء القوات البريطانية مطلبًا رئيسيًا لدى قطاعات واسعة من المصريين والقوى السياسية الوطنية.
أما السودان، فكان يخضع منذ اتفاقية عام 1899 لنظام عُرف بالحكم الثنائي المصري البريطاني. وعلى الرغم من تسمية النظام بالحكم الثنائي، فإن الإدارة الفعلية شهدت نفوذًا بريطانيًا واسعًا، وهو ما جعل مستقبل السودان نقطة خلاف أساسية في المفاوضات بين القاهرة ولندن.

ومع تصاعد الخلافات، تمسكت الحكومة المصرية بالربط بين قضية الجلاء عن مصر وقضية السودان، ورأت أن تسوية العلاقة مع بريطانيا لا يمكن فصلها عن مستقبل وادي النيل. وفي المقابل، كانت بريطانيا تؤكد أهمية مراعاة إرادة السودانيين بشأن مستقبلهم السياسي، بينما ظهرت داخل السودان قوى وتيارات مختلفة بشأن الاستقلال والعلاقة مع مصر.
مصطفى النحاس باشا وقرار أكتوبر 1951
تولى مصطفى النحاس باشا رئاسة الحكومة المصرية عام 1950، في مرحلة كانت فيها قضية الجلاء ومصير السودان من أبرز الملفات المطروحة على الساحة السياسية. ومع تعثر المفاوضات مع بريطانيا، اتجهت حكومته إلى اتخاذ خطوات قانونية وسياسية لإنهاء الاتفاقات التي رأت أنها لم تعد تحقق المطالب الوطنية المصرية.
وفي أكتوبر 1951، عرض النحاس مشروع إلغاء معاهدة 1936 واتفاقية الحكم الثنائي الخاصة بالسودان على البرلمان المصري. وأُقرت القوانين في 15 أكتوبر من العام نفسه، في خطوة حظيت بتأييد واسع داخل الأوساط الوطنية المصرية التي طالبت بإنهاء الوجود البريطاني.
وأصبح إلغاء اتفاقية الحكم الثنائي المصري الإنجليزي للسودان تعبيرًا عن موقف الحكومة المصرية الرافض لاستمرار الترتيبات السابقة، لكنه لم يكن قرارًا متفقًا عليه بين جميع الأطراف المعنية. فقد اعترضت بريطانيا على الإلغاء الأحادي، كما رفضت قوى سودانية أن يُحسم مستقبل السودان من خلال قرار مصري بريطاني دون مشاركة السودانيين أنفسهم.
وبذلك، دخلت الأزمة مرحلة جديدة اتسمت باستمرار الخلاف السياسي والدبلوماسي، مع تمسك كل طرف بموقفه بشأن شرعية الاتفاقات السابقة وطبيعة التسوية المطلوبة.
الملك فاروق وإعلان وحدة مصر والسودان
عقب إقرار قوانين الإلغاء، اتخذت الحكومة المصرية خطوات دستورية وسياسية أكدت من خلالها تمسكها بوحدة مصر والسودان. وشمل ذلك تعديلًا دستوريًا وإجراءات أعلنت بموجبها الملك فاروق ملكًا على مصر والسودان، في انعكاس للموقف المصري الذي رأى أن البلدين يشكلان وحدة تاريخية وجغرافية.
لكن هذا الموقف لم يحظَ بإجماع سوداني. فقد كانت هناك أحزاب وقوى سياسية سودانية تطالب بالاستقلال الكامل، وترفض أن يُفرض مستقبل البلاد من القاهرة أو لندن. كما عارضت بعض القوى السودانية قرار الحكومة المصرية، معتبرة أن تحديد شكل الحكم يجب أن يتم بمشاركة السودانيين وبناءً على إرادتهم.
وهكذا لم تؤدِ الخطوة المصرية إلى إنهاء الخلاف حول السودان، بل أبرزت التباين بين الرؤية المصرية التي تمسكت بوحدة وادي النيل، والرؤية السودانية المطالبة بحق تقرير المصير. وظلت القضية مطروحة في المفاوضات السياسية خلال السنوات التالية، إلى أن اتجهت مصر وبريطانيا نحو اتفاق جديد ينظم المرحلة الانتقالية في السودان.
من قرار 1951 إلى استقلال السودان عام 1956
لم يكن إلغاء اتفاقية الحكم الثنائي نهاية الطريق أمام السودان، بل جاءت بعده سنوات من المفاوضات والتحولات السياسية التي انتهت إلى اتفاق مصري بريطاني جديد في 12 فبراير 1953. ونص الاتفاق على إقامة فترة انتقالية تمهد للحكم الذاتي وتتيح للسودانيين تحديد مستقبلهم السياسي.
وشهدت تلك المرحلة تشكيل مؤسسات سودانية جديدة، وإجراء انتخابات، وتطور الحياة السياسية الداخلية. وفي ديسمبر 1955، أعلن البرلمان السوداني قرار الاستقلال، قبل أن يصبح السودان دولة مستقلة رسميًا في الأول من يناير 1956.
وبذلك، انتقل السودان من نظام الحكم الثنائي الذي استمر منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى الاستقلال، بعد صراع سياسي طويل شاركت فيه الحكومتان المصرية والبريطانية، إلى جانب الأحزاب والقوى السودانية.
وتوضح هذه التطورات أن قرار أكتوبر 1951 كان حلقة ضمن سلسلة من الأحداث التي أعادت تشكيل العلاقة بين مصر وبريطانيا والسودان. كما تكشف أن قضية السودان لم تكن مجرد خلاف على اتفاقية، بل كانت مرتبطة بأسئلة السيادة الوطنية والجلاء والاستقلال وحق الشعوب في اختيار مستقبلها.

إلغاء اتفاقية الحكم الثنائي المصري الإنجليزي للسودان.. محطة فارقة في تاريخ المنطقة
يمثل إلغاء اتفاقية الحكم الثنائي المصري الإنجليزي للسودان عام 1951 واحدة من المحطات المهمة في تاريخ العلاقات المصرية البريطانية، إذ جاء في وقت تصاعدت فيه المطالب بإنهاء الوجود البريطاني وإعادة النظر في الاتفاقات التي نظمت شؤون مصر والسودان.
ورغم أن القرار لم يحسم وحده مصير السودان، فإنه أسهم في نقل القضية إلى مرحلة جديدة من التفاوض والصراع السياسي، وصولًا إلى اتفاق 1953 ثم استقلال السودان عام 1956. وتبقى هذه الأحداث جزءًا أساسيًا من تاريخ وادي النيل، بما تحمله من دروس حول تعقيدات العلاقات بين الدول، وتداخل المصالح الوطنية، وأهمية إرادة الشعوب في تقرير مستقبلها.
زورونا على صفحة الفيسبوك 👇
https://www.facebook.com/share/1D4HTksdYM/




