تحل في 16 أكتوبر ذكرى ميلاد الفنان المصري الراحل محمد خيري، الذي وُلد في القاهرة عام 1942، وقدم خلال مشواره الفني مجموعة من الأعمال السينمائية والتليفزيونية والمسرحية، ليصبح واحدًا من الفنانين الذين جمعوا بين الموهبة الفنية وتجربة الحياة العسكرية. واشتهر محمد خيري ببطولته أمام الفنانة الراحلة ماجدة في فيلم «العمر لحظة»، الذي تناول جانبًا من تضحيات المصريين خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، كما شارك في أعمال وطنية أخرى من بينها «حائط البطولات» و«يوم الكرامة».
ويحمل عيد ميلاد محمد خيري أهمية خاصة عند استعادة مسيرته، ليس فقط بسبب أدواره الفنية، ولكن أيضًا بسبب تجربته الشخصية التي انتقل خلالها من المسرح الجامعي إلى الخدمة بالقوات المسلحة، ثم عاد إلى الفن ليقدم شخصيات متنوعة في السينما والدراما المصرية.
ورحل الفنان عن عالمنا في 2 ديسمبر 2019، عن عمر ناهز 77 عامًا، بعد معاناة مع المرض، تاركًا وراءه رصيدًا فنيًا امتد لسنوات طويلة، وذكريات ارتبطت بعدد من الأعمال التي تناولت قضايا اجتماعية ووطنية مهمة.
محمد خيري.. موهبة بدأت من مسرح الجامعة
وُلد محمد خيري في القاهرة يوم 16 أكتوبر 1942، وظهرت موهبته في التمثيل خلال سنوات دراسته، فالتحق بفريق المسرح الجامعي أثناء دراسته بكلية التجارة في جامعة القاهرة، التي تخرج فيها عام 1966.
وكان المسرح الجامعي نقطة انطلاق مهمة في حياته، إذ أتاح له فرصة اكتشاف قدراته الفنية والتعرف على طبيعة العمل المسرحي، إلى جانب الاحتكاك بزملائه من محبي التمثيل. ولم تكن هذه التجربة مجرد نشاط دراسي عابر، بل كانت بداية طريقه نحو الاحتراف، بعدما قرر مواصلة العمل في المجال الفني.
وبعد تخرجه، بدأ المشاركة في أدوار صغيرة بالسينما والمسرح، ساعيًا إلى اكتساب الخبرة وتطوير أدواته. ثم التحق بالمعهد العالي للسينما، وتخرج فيه عام 1970، في خطوة عكست حرصه على الجمع بين الموهبة والدراسة المتخصصة.
وساعدته هذه الخلفية الأكاديمية على فهم عناصر العمل السينمائي، وطبيعة الأداء أمام الكاميرا، وكيفية التعامل مع الشخصيات والنصوص المختلفة. ومع مرور الوقت، استطاع أن يشارك في أعمال أكبر، وأن يثبت وجوده بين عدد من الفنانين الذين عاصرهم خلال مراحل مختلفة من تطور السينما المصرية.
من الخدمة العسكرية إلى عالم التمثيل
من المحطات اللافتة في حياة محمد خيري تجربته داخل القوات المسلحة المصرية، إذ التحق بالخدمة العسكرية ووصل إلى رتبة نقيب، وعاصر سنوات مهمة من تاريخ مصر الحديث، بما فيها أحداث حرب عام 1967 وحرب أكتوبر 1973.
وقد منحت هذه التجربة جانبًا مختلفًا لحياته، بعيدًا عن أضواء السينما والمسرح، كما جعلت ارتباطه بالأعمال الوطنية لاحقًا يحمل بُعدًا شخصيًا، خاصة عندما شارك في أفلام تناولت تضحيات الجنود المصريين ومعاناة المجتمع خلال فترات الحرب.
ولم يكن انتقاله بين الحياة العسكرية والعمل الفني أمرًا تقليديًا في مشوار الممثلين، فقد جمع بين الانضباط الذي تتطلبه الخدمة العسكرية، والطبيعة الإبداعية التي يحتاج إليها التمثيل.
وبعد انتهاء خدمته، عاد إلى التركيز على مشواره الفني، مستفيدًا من تجاربه السابقة، وواصل المشاركة في السينما والتليفزيون والمسرح. وأصبحت هذه الخلفية جزءًا مهمًا من سيرته، خصوصًا عند الحديث عن مشاركاته في الأعمال التي تناولت حرب أكتوبر والبطولات المصرية.

«العمر لحظة».. البطولة التي ارتبطت باسم محمد خيري
يُعد فيلم «العمر لحظة» من أبرز المحطات في مشوار محمد خيري، إذ منحه فرصة البطولة أمام الفنانة ماجدة، وقدم من خلاله دورًا مهمًا في عمل تناول الظروف الإنسانية والوطنية المرتبطة بالحرب.
صدر الفيلم عام 1978، وأخرجه محمد راضي، وشارك فيه عدد من الفنانين، من بينهم أحمد زكي وأحمد مظهر وحمدي أحمد. وتناول العمل دور الصحافة والجهود الإنسانية في زمن الحرب، إلى جانب تسليط الضوء على تضحيات المصريين خلال فترة الصراع.
وجاء أداء محمد خيري في الفيلم متوافقًا مع طبيعة العمل الذي جمع بين المشاعر الإنسانية والبعد الوطني، وأتاح له تقديم شخصية رئيسية في قصة تتجاوز حدود الحكاية الفردية إلى الظروف التي عاشها المجتمع المصري في تلك المرحلة.
وعلى الرغم من أن البطولة لم تتكرر بالقدر نفسه في أعماله اللاحقة، فإن الفيلم ظل من أكثر الأعمال ارتباطًا باسمه، وأصبح محطة أساسية في استعراض تاريخه الفني.
وقد تحدث الفنان الراحل في حوار صحفي سابق عن أهمية الفيلم بالنسبة إليه، معتبرًا أنه من الأعمال التي عبرت بصدق عن أجواء الحرب والجبهة العسكرية، وهو ما يوضح المكانة التي احتلها العمل في تجربته الشخصية.

محمد خيري والأعمال الوطنية في السينما المصرية
لم تتوقف مشاركة محمد خيري في الأعمال المرتبطة بالقضايا الوطنية عند «العمر لحظة»، بل امتدت إلى أفلام أخرى تناولت بطولات القوات المسلحة وتضحيات المصريين.
ومن أبرز هذه الأعمال فيلم «حائط البطولات»، الذي تناول جانبًا من أحداث حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، إلى جانب فيلم «يوم الكرامة»، الذي استعاد أحداث معركة بحرية مهمة في تاريخ القوات البحرية المصرية.
كما شارك في فيلم «المومياء» عام 1969، وهو أحد الأعمال المهمة في تاريخ السينما المصرية، والذي ارتبط اسمه بالمخرج شادي عبد السلام، وقدم معالجة فنية مميزة لقضية الآثار والتراث المصري.
وتنوعت مشاركاته بين الأعمال التاريخية والاجتماعية والوطنية، وهو ما منحه مساحة لتقديم شخصيات مختلفة، بعيدًا عن حصره في لون واحد من الأدوار.
وتبقى هذه الأعمال جزءًا من الذاكرة السينمائية المصرية، لأنها لم تكتف بتقديم قصص للترفيه، وإنما حاولت أيضًا التعبير عن قضايا المجتمع والتحولات التي شهدتها البلاد، سواء في أوقات الحرب أو في الحياة اليومية.
حضوره في الدراما والمسرح
امتدت تجربة محمد خيري إلى التليفزيون والمسرح، حيث شارك في عدد من الأعمال الدرامية التي تنوعت بين الاجتماعي والتاريخي، إلى جانب مشاركاته المسرحية التي تعود إلى بداياته الفنية.
ومن الأعمال التليفزيونية التي شارك فيها «ليالي الحلمية»، و«الرجل الآخر»، و«العطار والسبع بنات»، و«أم كلثوم»، و«قضية نسب»، إلى جانب أعمال أخرى قدم خلالها أدوارًا مساعدة أسهمت في بناء الأحداث وتطوير الشخصيات.
كما شارك في مسرحيات من بينها «بداية ونهاية» و«أنطونيو وكليوباترا» و«النحلة والدبور»، وهي تجارب عكست استمراره في العمل عبر أكثر من وسيط فني.
وكانت مشاركاته المتنوعة دليلًا على قدرته على التكيف مع طبيعة الأعمال المختلفة، سواء تطلب الدور حضورًا دراميًا مكثفًا أو مشاركة ضمن مجموعة كبيرة من الفنانين.
وعلى الرغم من أن الجمهور ارتبط بصورة أكبر بدوره في «العمر لحظة»، فإن بقية أعماله تكشف عن مسيرة أوسع من مجرد بطولة واحدة، وتوضح كيف استطاع أن يواصل العمل الفني لسنوات طويلة.

السنوات الأخيرة ورحيل محمد خيري
شهدت السنوات الأخيرة من حياة محمد خيري ابتعادًا نسبيًا عن الساحة الفنية، خاصة مع تقدمه في العمر وتعرضه لمشكلات صحية أثرت في قدرته على مواصلة العمل.
وتوفي في 2 ديسمبر 2019، بعد صراع مع المرض، عن عمر ناهز 77 عامًا، تاركًا حزنًا لدى أسرته ومحبيه وزملائه في الوسط الفني.
وجاء رحيله بعد مشوار امتد لعقود، شارك خلاله في عشرات الأعمال التي تنوعت بين السينما والتليفزيون والمسرح. ولم يكن أثره مرتبطًا بالبطولة المطلقة وحدها، بل بمشاركاته في أعمال مهمة بقيت حاضرة لدى الجمهور.
ومع حلول عيد ميلاد محمد خيري، تعود سيرته لتذكرنا بفنان جمع بين تجربة عسكرية مختلفة ومسيرة فنية متنوعة، وارتبط اسمه بأعمال وطنية واجتماعية لها مكانتها في تاريخ الشاشة المصرية.
وفي النهاية، يظل محمد خيري واحدًا من الفنانين الذين تستحق تجاربهم إعادة الاكتشاف، وتبقى أدواره في «العمر لحظة» و«حائط البطولات» و«يوم الكرامة» جزءًا من إرث فني يستحق أن تتعرف عليه الأجيال الجديدة.
زوروا صفحتنا علي الفيس بوك👇
https://www.facebook.com/share/1F3VGfJ5K8/?mibextid=wwXIfr




