مقالات

كيف يكشف المحققون مكان تصوير الفيديوهات الحقيقية؟ أسرار الظلال والطقس والمعالم

كيف يكشف المحققون مكان تصوير الفيديوهات الحقيقية؟ أسرار الظلال والطقس والمعالم في عصر انتشار مقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، لم يعد ظهور مشهد حقيقي دليلًا كافيًا على أن الأحداث وقعت في المكان أو الزمان اللذين يدّعيهما ناشره. فقد يكون الفيديو حقيقيًا بالفعل، لكنه يُنشر مصحوبًا بمعلومات مضللة بشأن موقع تصويره أو توقيت حدوثه، بهدف التأثير في الجمهور أو توجيه فهمه للأحداث.

وهنا تظهر أهمية التحقق من مكان تصوير الفيديوهات، وهي عملية تعتمد على فحص مجموعة من الأدلة البصرية والزمنية والجغرافية، بدلًا من الاكتفاء بالتعليق المصاحب للمقطع أو المعلومات التي يقدمها ناشره. ويستعين المحققون بوسائل متعددة، من بينها تحليل الظلال وحالة الطقس والمعالم الظاهرة، إلى جانب البحث عن النسخ الأقدم من الفيديو ومقارنة توقيت نشره بالوقائع التي يُقال إنه يوثقها.

لماذا لا يكفي أن يكون الفيديو حقيقيًا لإثبات صحة الرواية؟

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الفيديو الأصلي لا يمكن استخدامه في التضليل، لكن الحقيقة أن المقطع قد يكون مصورًا بالفعل، بينما تكون المعلومات المرفقة به غير صحيحة.

على سبيل المثال، قد يُعاد نشر فيديو قديم على أنه يوثق حدثًا وقع للتو، أو يُستخدم مقطع صُوّر في مدينة معينة للادعاء بأنه يوثق أحداثًا في مدينة أخرى. وفي الحالتين، لا يشترط أن يكون الفيديو مفبركًا، بل قد يكون التضليل ناتجًا عن تقديم سياق مختلف تمامًا عن السياق الأصلي.

لهذا السبب، لا يقتصر عمل المحققين على التأكد من أن الصور لم تخضع للتعديل، وإنما يمتد إلى تحديد المكان المحتمل للتصوير، وفحص التاريخ الذي التُقط فيه المقطع، والتحقق من مدى توافق المشاهد مع الادعاءات المنشورة.

كيف يكشف المحققون مكان تصوير الفيديوهات الحقيقية؟ أسرار الظلال والطقس والمعالم
التحقق من مكان تصوير الفيديوهات

كيف يساعد تحليل الظلال في تحديد مكان التصوير؟

تُعد الظلال من العناصر التي يمكن أن تقدم أدلة مهمة عند فحص مقاطع الفيديو، إذ يرتبط اتجاه الظل وطوله بموضع مصدر الضوء، وخاصة الشمس، وارتفاعها في السماء.

عندما يظهر شخص أو مبنى في مقطع يُقال إنه صُوّر في وقت محدد، يمكن مقارنة الظلال الظاهرة بالظروف المتوقعة في الموقع والتوقيت المزعومين. وقد تكشف المقارنة وجود اختلاف يستدعي مزيدًا من الفحص.

لكن تحليل الظلال ليس دليلًا قاطعًا بمفرده، لأن اتجاه التصوير وارتفاع الكاميرا وطبيعة الأرض، فضلًا عن وجود مصادر إضاءة صناعية، يمكن أن تؤثر في النتيجة.

لذلك، يتعامل المحققون مع الظلال باعتبارها جزءًا من مجموعة أدلة، وليس وسيلة مستقلة تكفي وحدها لإثبات أن الفيديو صُوّر في مكان مختلف.

كيف يكشف الطقس حقيقة المكان والزمان؟

تمثل حالة الطقس وسيلة أخرى لفحص الادعاءات المرتبطة بمقاطع الفيديو. فإذا زعم ناشر أن مقطعًا يوثق أحداثًا وقعت في مدينة معينة خلال يوم محدد، يمكن مقارنة المشاهد الظاهرة، مثل الأمطار أو الضباب أو الثلوج، بالظروف الجوية المسجلة في ذلك المكان والتوقيت.

وقد يساعد ظهور أرض مبللة أو تساقط كثيف للثلوج أو حركة الأشجار بفعل الرياح في توجيه التحقيق نحو احتمالات معينة.

ومع ذلك، فإن وجود اختلاف بين المشهد والطقس المزعوم لا يعني تلقائيًا أن الفيديو مضلل، فقد تكون الظروف الجوية مختلفة بين مناطق متقاربة، أو يكون المقطع قد صُوّر قبل الحدث المعلن عنه بفترة قصيرة.

لهذا يجري فحص المعلومات الجوية إلى جانب بقية القرائن، مع الانتباه إلى أن الطقس قد يساعد في تحديد الفترة الزمنية المحتملة للتصوير، لكنه لا يحدد الموقع الجغرافي وحده.

المعالم الجغرافية.. دليل بصري لكشف الموقع الحقيقي

تُعد المعالم الثابتة من أقوى الأدلة التي يمكن الاستفادة منها في تحديد موقع التصوير، وتشمل المباني المميزة والجسور والطرق والجبال وأبراج الاتصالات واللافتات المرورية.

يبدأ المحقق بفحص التفاصيل الظاهرة في الفيديو، ثم يقارنها بصور وخرائط للمناطق المحتملة. وقد تكشف زاوية مبنى أو شكل تقاطع طرق أو ترتيب المنشآت أن المشهد ينتمي إلى موقع مختلف عن المكان الذي يذكره ناشر الفيديو.

وتزداد قوة هذه الطريقة عندما تتطابق عدة علامات مستقلة، مثل شكل مبنى معروف، واتجاه الطريق، وموقع لافتة ظاهرة في الخلفية.

ومن الأمثلة التوضيحية أن يُنشر مقطع باعتباره مصورًا في مدينة معينة، بينما تظهر في خلفيته واجهة مبنى مميز يمكن التعرف عليه في مدينة أخرى. هنا يصبح المعلم دليلًا يستحق الفحص، خصوصًا إذا تطابقت معه عناصر أخرى داخل المشهد.

لكن يجب الانتباه إلى أن التشابه المعماري بين المدن قد يؤدي إلى استنتاجات خاطئة، ولذلك ينبغي عدم الاعتماد على عنصر بصري واحد دون مقارنته ببقية التفاصيل.

التحقق من مكان تصوير الفيديوهات عبر النسخ الأقدم

من الخطوات الأساسية في التحقق من مكان تصوير الفيديوهات البحث عن النسخ التي نُشرت قبل انتشار الادعاء الحالي. فقد يكون المقطع متداولًا منذ شهور أو سنوات، ثم يُعاد نشره باعتباره حدثًا جديدًا أو مرتبطًا بموقع مختلف.

يستخدم المحققون البحث العكسي عن الصور، من خلال استخراج لقطات واضحة من الفيديو والبحث عنها عبر محركات البحث المتخصصة. ويمكن أن تقود هذه الخطوة إلى منشورات أقدم أو تقارير سابقة تتضمن المشهد نفسه.

كما يمكن الاستفادة من البحث عن عبارات وردت في المنشورات المصاحبة للمقطع، ومقارنة الحسابات التي نشرته، ومراجعة التواريخ المتاحة.

ويُعد العثور على نسخة أقدم خطوة مهمة، لكنه لا يحسم جميع الأسئلة وحده؛ إذ ينبغي التأكد من أن النسخة القديمة تعرض المشهد نفسه بالفعل، وفحص المعلومات التي رافقتها، بدلًا من افتراض أن أقدم منشور متاح هو بالضرورة أول نشر للمقطع.

وتساعد هذه العملية في كشف حالات إعادة تدوير المحتوى، وهي من الأساليب التي قد تجعل أحداثًا قديمة تبدو وكأنها وقعت للتو.

هل يكشف توقيت النشر مكان تصوير الفيديو؟

يساعد توقيت النشر في بناء تسلسل زمني للأحداث، لكنه لا يمثل دليلًا مستقلًا على مكان التصوير أو تاريخ حدوثه.

فقد يظهر مقطع على منصة اجتماعية بعد دقائق من وقوع حدث ما، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الفيديو صُوّر في تلك اللحظة. وعلى العكس، قد يكون المقطع قد التُقط في وقت سابق، ثم نُشر لاحقًا بعد أن أصبح مناسبًا للسياق الذي يريد الناشر ربطه به.

لهذا يفحص المحققون التواريخ المتاحة للمنشورات، ويقارنونها بالتفاصيل الظاهرة في المقطع وبالمعلومات المعروفة عن الحدث المزعوم.

كما ينبغي التمييز بين تاريخ رفع الفيديو إلى منصة وتاريخ تسجيله بالكاميرا؛ فهما ليسا بالضرورة متطابقين. وقد تُفقد بعض البيانات المرتبطة بالملف عند ضغطه أو إعادة نشره، ما يجعل الوصول إلى نتيجة دقيقة بحاجة إلى أكثر من مؤشر.

أمثلة موثقة على التحقق من الفيديوهات المضللة

شهدت عمليات التحقق الصحفي والرقمي حالات متعددة لإعادة نشر مقاطع قديمة باعتبارها توثق أحداثًا جديدة، أو استخدام مشاهد حقيقية في سياق جغرافي مختلف.

ومن الأمثلة المعروفة على هذا النوع من التضليل إعادة تداول مقاطع من كوارث طبيعية أو اشتباكات سابقة بالتزامن مع أحداث مشابهة في أماكن أخرى. وقد يساعد العثور على النسخة الأقدم ومقارنة المعالم الظاهرة وتوقيت النشر في كشف أن المشهد لا يرتبط بالحدث الذي نُسب إليه.

كذلك يمكن أن تُستخدم صور من منطقة معينة للادعاء بأنها توثق واقعة في منطقة أخرى، رغم أن المباني والطرق الظاهرة تشير إلى موقع مختلف. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون السؤال الأساسي هو ما إذا كان الفيديو حقيقيًا فحسب، بل ما إذا كان يثبت بالفعل الادعاء المرفق به.

ومن المهم التمييز بين الأمثلة التوضيحية والحالات الموثقة بأدلة منشورة؛ فلا يصح وصف مقطع بعينه بأنه كُشف أو فُند من دون وجود تفاصيل قابلة للتحقق تدعم ذلك. كما أن إثبات موقع تصوير مشهد لا يثبت بالضرورة جميع المعلومات المتعلقة بالحدث أو الأشخاص الظاهرين فيه.

لماذا يحتاج المحققون إلى جمع أكثر من دليل؟

تعتمد النتائج الأكثر موثوقية على توافق مجموعة من المؤشرات المستقلة. فقد يشير تحليل الظلال إلى توقيت محتمل، وتساعد حالة الطقس في تضييق الفترة الزمنية، بينما تكشف المعالم الجغرافية الموقع المرجح، وتؤكد النسخ الأقدم ما إذا كان المقطع قد نُشر من قبل.

أما إذا تعارضت إحدى هذه القرائن مع بقية الأدلة، فينبغي فحص سبب التعارض قبل إصدار حكم نهائي. فقد يرجع الاختلاف إلى زاوية التصوير أو نقص المعلومات، وقد يكشف بالفعل أن الادعاء المنشور غير صحيح.

وتزداد أهمية هذه المنهجية في أوقات الأزمات والأحداث السياسية والكوارث، عندما تنتشر مقاطع الفيديو بسرعة ويصبح من الصعب على الجمهور التمييز بين المعلومات الدقيقة والمحتوى المضلل.

كيف يكشف المحققون مكان تصوير الفيديوهات الحقيقية؟ أسرار الظلال والطقس والمعالم
التحقق من مكان تصوير الفيديوهات

الخاتمة: الفيديو الحقيقي قد يحمل رواية مضللة

لا يعتمد كشف التضليل على جودة الصورة أو واقعية المشهد وحدهما، التحقق من مكان تصوير الفيديوهات بل على فحص التفاصيل ومقارنتها بالأدلة المتاحة. وتوضح عملية التحقق من مكان تصوير الفيديوهات كيف يمكن للظلال والطقس والمعالم الجغرافية وتوقيت النشر والنسخ الأقدم أن تساعد في اختبار الرواية التي يقدمها ناشر المقطع.

وفي النهاية، فإن الوصول إلى نتيجة موثوقة يتطلب جمع الأدلة ومراجعتها بعناية،التحقق من مكان تصوير الفيديوهات  مع التمييز بين ما تثبته القرائن وما لا يزال بحاجة إلى تأكيد. فالسؤال الأهم ليس فقط: هل الفيديو حقيقي؟ بل أيضًا: أين ومتى صُوّر، وهل يوثق بالفعل الحدث الذي يدّعي ناشره أنه يعرضه؟

زوروا موقعنا على الفيس بوك 👇 

https://www.facebook.com/share/1F3VGfJ5K8/?mibextid=wwXIfr

محمد صابر

محرر صحفي