الشعر والأدبعاجلمقالات

في ذكرى وفاته.. محمود حمدي زقزوق رحلة فكرية جمعت بين الفلسفة والدعوة وترسيخ الاعتدال

في ذكرى وفاته.. محمود حمدي زقزوق رحلة فكرية جمعت بين الفلسفة والدعوة وترسيخ الاعتدال

في ذكرى ميلاده.. محمود حمدي زقزوق عالم الأزهر ووزير الأوقاف الأسبق
محمود حمدي زقزوق

تحلّ ذكرى وفاة الدكتور محمود حمدي زقزوق، أحد أبرز علماء الأزهر الشريف ووزير الأوقاف الأسبق، والذي يُعد من أهم رموز الفكر الإسلامي المعاصر، حيث ترك إرثًا علميًا وفكريًا بارزًا امتد لعقود، وأسهم في ترسيخ قيم الوسطية والانفتاح والحوار.

وُلد زقزوق في محافظة الدقهلية عام 1933، وبدأ مسيرته العلمية داخل أروقة جامعة الأزهر، حيث حصل على ليسانس اللغات عام 1959، ثم درجة الماجستير في العام التالي، قبل أن يتجه إلى ألمانيا لاستكمال دراسته، ليحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة ميونخ عام 1968. وقد تناولت رسالته مقارنة فلسفية عميقة بين أفكار رينيه ديكارت وأبو حامد الغزالي، في محاولة للجمع بين الفكر الغربي والتراث الإسلامي.

وبعد عودته إلى مصر، بدأ مسيرته الأكاديمية أستاذًا للفلسفة الإسلامية، حيث تميز بأسلوبه العلمي الرصين وقدرته على تبسيط المفاهيم الفلسفية وربطها بقضايا الواقع، ما جعله من الأسماء البارزة في الساحة الفكرية. كما شغل منصب عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر في الفترة من 1987 إلى 1995، وأسهم خلال تلك الفترة في تطوير العملية التعليمية وتعزيز البحث العلمي.

وفي عام 1995، تولّى حقيبة وزارة الأوقاف، واستمر في منصبه حتى عام 2011، ليصبح أحد أطول الوزراء بقاءً في هذا المنصب، حيث شهدت فترة توليه جهودًا واضحة في تنظيم العمل الدعوي، وتطوير المساجد، والارتقاء بمستوى الأئمة، إلى جانب التأكيد على نشر الفكر الوسطي ومواجهة التطرف.

كما شغل زقزوق عددًا من المناصب الفكرية والعلمية المهمة، فترأس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وكان عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية، إلى جانب عضويته في الأكاديمية الأوروبية للعلوم والفنون، ورئاسته للجمعية الفلسفية المصرية، ما يعكس مكانته الدولية وتقدير المؤسسات العلمية له.

ولم تقتصر جهوده على الداخل المصري فقط، بل امتدت إلى دعم الحوار بين الأديان والثقافات، حيث شارك في العديد من اللقاءات الدولية، وكان له دور في تعزيز جسور التواصل بين المؤسسات الدينية، ومن أبرز تلك الجهود استقباله عام 2016 للمطران ميغيل أنخيل أيوسو غويكسوت، في إطار مناقشة سبل استئناف الحوار بين الأزهر والفاتيكان، بناءً على دعوة من البابا فرنسيس.

وعلى مدار مسيرته، ترك زقزوق عددًا من المؤلفات والدراسات في الفلسفة والفكر الإسلامي، والتي تناولت قضايا التجديد الديني، والعلاقة بين العقل والنقل، والتقارب بين الحضارات، ليظل اسمه حاضرًا كأحد أبرز المفكرين الذين سعوا إلى تقديم صورة معتدلة ومستنيرة عن الإسلام.

وتبقى ذكرى وفاة الدكتور محمود حمدي زقزوق مناسبة لاستحضار مسيرة علمية وإنسانية ثرية، قدّم خلالها نموذجًا للعالم الأزهري المستنير، الذي جمع بين عمق الفكر والانفتاح على الآخر، وأسهم في ترسيخ قيم التسامح والحوار في المجتمع.