أكد فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، أن أخلاقيات الحرب في الإسلام تقوم على مبادئ واضحة من الرحمة والعدل وصيانة الدماء ورفض الاعتداء، مشددًا على أن ما يشهده العالم اليوم من حروب وسفك للدماء وهدم للبيوت والمستشفيات، وما ينتج عنه من سقوط الأطفال والنساء والمرضى، يقدم للبشرية درسًا قاسيًا في ضرورة العودة إلى القيم الإنسانية التي أرستها الشرائع السماوية.
جاء ذلك خلال كلمة شيخ الأزهر التي ألقاها اليوم في احتفالية ذكرى المولد النبوي الشريف، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث تناول فضيلته عددًا من الجوانب المتعلقة بسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وما أرسته من مبادئ في التعامل مع الآخر، خاصة في أوقات النزاعات والحروب.
شيخ الأزهر: حروب اليوم تكشف حاجة العالم إلى القيم الإنسانية
وأشار الإمام الأكبر إلى صعوبة المقارنة بين بشاعة الحروب التي يشهدها القرن الحادي والعشرون، وبين الحروب التي كان يقودها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقادها من بعده خلفاؤه وأنصاره، موضحًا أن المقارنة بين النموذجين ليست سهلة، لأن الفارق بينهما يمثل تناقضًا كبيرًا في المبادئ والأهداف وطريقة التعامل مع الإنسان.
وأوضح أن ما تعانيه البشرية اليوم من حروب ودماء وأشلاء، وهدم للمنازل والمستشفيات، واستهداف للأطفال والنساء والمرضى، إلى جانب خلف الوعود ونقض العهود، يحمل عبرة واضحة ويدفع إلى إعادة النظر في القيم التي تحكم العلاقات بين البشر والدول.
وأكد أن الحديث عن أخلاقيات الحرب في الإسلام لا ينفصل عن جوهر الرسالة الإسلامية التي جعلت الإنسان وكرامته وحقه في الحياة من الأمور التي يجب صيانتها، حتى في أصعب الظروف وأشد أوقات الصراع.
القتال في الإسلام لدفع العدوان وليس فرض الدين
ولفت شيخ الأزهر إلى أن أول ما يحرص العلماء على بيانه عند الحديث عن أخلاقيات الحرب في الشريعة الإسلامية هو أن الباعث على القتال ليس إجبار الناس على اعتناق الإسلام، ولا فرض نظام اجتماعي أو اقتصادي محدد عليهم، وإنما دفع العدوان ورد الاعتداء.
واستشهد فضيلته بقول الله تعالى: «وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ»، وقوله تعالى: «فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ»، مؤكدًا أن النصوص القرآنية تضع حدودًا واضحة للقتال وتنهى عن الاعتداء.
كما أشار إلى قوله تعالى: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ»، موضحًا أن الإسلام لا يجيز إجبار الإنسان على اعتناق الدين.
وأشار الإمام الأكبر إلى واقعة الشخص الذي أراد إجبار ابنه على اعتناق الإسلام، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، مؤكدًا أن الإيمان لا يكون بالإكراه.
كما ذكر موقفًا للخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما جاءت إليه امرأة غير مسلمة تسأله حاجة، فدعاها إلى الإسلام فرفضت، فتنبه سريعًا إلى تحريم الإكراه على الدين، وقال: «اللهم إني أرشدت ولم أكره».

الحرب في الإسلام ضرورة يجب تجنبها قدر الإمكان
وأوضح شيخ الأزهر أنه إذا كان القتال في الإسلام محصورًا في دفع الاعتداء، فإن الحرب تصبح ضرورة لا يلجأ إليها إلا عند الحاجة، مؤكدًا أن الأصل هو تجنبها قدر الإمكان.
واستشهد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية»، بما يعكس أن الحرب ليست غاية في ذاتها، وإنما ضرورة استثنائية تفرضها ظروف العدوان.
وأكد أن أخلاقيات الحرب في الإسلام تتضمن كذلك عدم المبادرة بالقتال قبل استنفاد سبل الدعوة إلى السلم والصلح، مشيرًا إلى وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل عندما كان قائدًا في إحدى المعارك.
وأوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بعدم قتال القوم قبل دعوتهم، وعدم البدء بمواجهتهم حتى يبدأوا بالقتال، في تأكيد واضح على أن الحرب في التصور الإسلامي ليست خيارًا أوليًا، وإنما تأتي بعد استنفاد فرص السلام.
وأشار شيخ الأزهر إلى أن عددًا من الفقهاء، ومنهم المالكية والأحناف، ذهبوا إلى وجوب الانتظار مدة بعد دعوتهم للإسلام، وعدم البدء بالمواجهة مباشرة، بما يتيح فرصة للقبول أو الصلح أو معاهدة السلام.
أخلاقيات الحرب في الإسلام تحرم استهداف الأبرياء
وبيّن الإمام الأكبر أن أحكام الإسلام المتعلقة بالحرب لم تترك الأمور دون ضوابط، بل وضعت قواعد واضحة لحماية الفئات التي لا تشارك في القتال ولا تحمل السلاح.
وأكد أن من أهم مبادئ أخلاقيات الحرب في الإسلام تحريم الاعتداء على النساء والأطفال، وكذلك كبار السن والرهبان واللائذين بدور العبادة، فضلًا عن الجرحى والمرضى ومن لا يستطيعون المشاركة في القتال.
وأشار إلى أن هذه الأحكام تمتد كذلك إلى فئات أخرى لا تشارك في العدوان، مثل المكفوفين والمجانين والزراع، مؤكدًا أن قسوة العدو في القتال لا تبرر تجاوز الحدود الشرعية والإنسانية.
كما تحدث عن التعامل مع الحيوانات، موضحًا أن التشريعات الإسلامية وضعت ضوابط حتى في هذا الجانب، بما يعكس اتساع مفهوم الرحمة وعدم إهدار الحياة دون حاجة.
تحريم التمثيل بجثث القتلى
وتابع شيخ الأزهر أن شريعة الإسلام شددت كذلك على حرمة التمثيل بجثث القتلى، مستشهدًا بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الممارسة، وقوله: «إياكم والمثلة».
وأوضح أن حرمة التمثيل لا تسقط حتى إذا أقدم العدو على التمثيل بجثث المسلمين، وهو ما يعكس مبدأ الثبات على القيم وعدم مقابلة الجريمة بجريمة مماثلة.
وأشار إلى أن الإمام الشافعي ذهب إلى تأكيد صيانة الدماء وحرمتها، موضحًا أنه إذا هاجم جيش المسلمين قومًا قبل دعوتهم إلى الإسلام، ونتج عن ذلك سقوط قتلى، فإن الحكم الشرعي يوجب ضمان دمائهم وفق ما قرره الفقهاء.
وأكد أن هذه الأحكام توضح أن الحرب في الإسلام ليست مساحة مفتوحة للانتقام أو إهدار حقوق الإنسان، وإنما تخضع لضوابط دقيقة قبل القتال وأثناءه وبعد انتهائه.

المعاهدات والأمان والصلح من أحكام الحرب
وأشار الإمام الأكبر إلى أن ما ذكره في كلمته لا يمثل جميع الأحكام التي تناولها الفقه الإسلامي بشأن الحرب، فهناك أبواب واسعة تتعلق بالمعاهدات والأمان والصلح والأسرى وغيرها من القضايا.
وأكد أن هذه الأحكام تكشف عن حضور قيم الرحمة والعدل والإحسان في التشريع الإسلامي، وأنها لا تقتصر على مرحلة القتال فقط، بل تمتد إلى ما قبل الحرب وما بعدها.
وشدد على أن دراسة أخلاقيات الحرب في الإسلام تكشف عن منظومة متكاملة تهدف إلى تقليل آثار النزاعات، وحماية غير المقاتلين، ومنع الغدر والمباغتة والتمثيل، والحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من فرص السلام.
شيخ الأزهر: العالم يحتاج إلى طوق نجاة
واختتم شيخ الأزهر كلمته بالتأكيد على أن المقارنة بين حروب الأمس وحروب اليوم ليست مجرد مقارنة بين حروب الإسلام وحروب القرن الحادي والعشرين، وإنما هي تعبير عن حاجة العالم المعاصر إلى منقذ يخرجه من دوائر العنف والدمار.
وأوضح أن استذكار سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في ذكرى مولده يمثل فرصة للتأمل في القيم الإنسانية التي جاء بها، وما تحمله من مبادئ للرحمة والعدل وحفظ الحقوق.
وأكد أن البشرية في حاجة إلى استعادة هذه القيم في مواجهة ما تشهده من أزمات وحروب، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك».
وتبرز كلمة شيخ الأزهر أن أخلاقيات الحرب في الإسلام ليست مجرد أحكام مرتبطة بظروف تاريخية، وإنما منظومة من المبادئ التي تؤكد حرمة الاعتداء وصيانة حياة الأبرياء، وتدعو إلى السلام متى كان ممكنًا، وتضع للقتال حدودًا لا يجوز تجاوزها.
زوروا صفحتنا على الفيسبوك 👇
https://www.facebook.com/share/1C3k4yJVcM/?mibextid=wwXIfr




