بعد مرور نحو 25 عامًا على أحداث 11 سبتمبر، لا تزال تداعيات الهجمات تلقي بظلالها على مدينة نيويورك وسكانها، ليس فقط بسبب الخسائر البشرية المباشرة التي خلفتها الهجمات، وإنما أيضًا بسبب الآثار الصحية طويلة المدى التي ظهرت لدى آلاف الأشخاص ممن تعرضوا للغبار والدخان والمواد السامة التي انتشرت في الهواء عقب انهيار برجي مركز التجارة العالمي.
وتشير وثائق سرية كُشف عنها مؤخرًا إلى وجود مخاوف داخلية لدى مسؤولين حكوميين بشأن جودة الهواء في المناطق المحيطة بموقع الحادث، في الوقت الذي كانت فيه رسائل وتصريحات موجهة إلى الرأي العام تؤكد أن مستويات التلوث لا تمثل خطرًا كبيرًا على السكان. وتعيد هذه الوثائق فتح ملف طالما أثار جدلًا واسعًا حول مدى شفافية الجهات المسؤولة في التعامل مع المخاطر الصحية التي أعقبت الكارثة.
وثائق تكشف مخاوف مبكرة بشأن جودة الهواء
توضح الوثائق التي ظهرت بعد سنوات من الأحداث أن مسؤولين في نيويورك كانوا يتابعون نتائج فحوص بيئية أجريت في الأسابيع التي تلت الهجمات، وأن بعض البيانات أظهرت مستويات مرتفعة من مواد ملوثة في الهواء، من بينها مادة «الأسبستوس» وغيرها من الجسيمات والمواد الكيميائية.
وبينما كانت فرق الإنقاذ والبحث تعمل وسط أنقاض الموقع، كان الغبار الكثيف والدخان ينتشران في مناطق واسعة من مانهاتن، ما جعل العاملين والسكان عرضة لاستنشاق خليط معقد من الملوثات. ومع استمرار عمليات إزالة الأنقاض، تزايدت المخاوف المتعلقة بالتأثيرات الصحية المحتملة على المدى البعيد.
وتشير المذكرات الداخلية إلى أن بعض المسؤولين كانوا على علم بوجود مخاطر تتعلق بجودة الهواء، إلا أن الرسائل التي وصلت إلى الجمهور اتخذت في بعض الأحيان لهجة أكثر طمأنة، وهو ما أصبح لاحقًا محورًا أساسيًا في النقاش حول المسؤولية والشفافية.
11 سبتمبر.. من كارثة لحظية إلى أزمة صحية ممتدة
لم تتوقف آثار 11 سبتمبر عند يوم الهجمات أو الأيام التالية لها، إذ كشفت السنوات اللاحقة عن أعداد متزايدة من الأشخاص الذين أصيبوا بأمراض مرتبطة بالتعرض للمواد التي انتشرت في موقع الكارثة والمناطق المحيطة به.
وتظهر البيانات المرتبطة ببرنامج الصحة التابع لمركز التجارة العالمي تسجيل أكثر من 140 ألف شخص من مختلف الولايات الأمريكية، إلى جانب أشخاص من مناطق أخرى، ضمن المستفيدين أو المسجلين في البرنامج. ومن بين الحالات المسجلة، تم تشخيص ما لا يقل عن 49 ألف حالة إصابة بالسرطان بوصفها مرتبطة بالتعرض الناجم عن أحداث الموقع.
ولا تقتصر الأضرار الصحية على السرطان، إذ عانى العديد من المستجيبين الأوائل والعاملين في عمليات الإنقاذ والإغاثة من مشكلات تنفسية مزمنة وأمراض في الجهاز التنفسي، إلى جانب حالات أخرى ظهرت بعد سنوات من التعرض للغبار والملوثات.
وتكشف الأرقام أن حجم الكارثة الصحية أصبح بمرور الوقت أكبر بكثير مما كان متوقعًا في الأيام الأولى، خاصة مع استمرار تسجيل حالات مرضية بين الأشخاص الذين شاركوا في عمليات الإنقاذ والتنظيف أو عاشوا بالقرب من موقع الحادث.
الأسبستوس.. الخطر الذي أثار جدلًا واسعًا
كان «الأسبستوس» أحد أبرز المواد التي ارتبط اسمها بالمخاطر الصحية الناتجة عن انهيار المباني في موقع مركز التجارة العالمي.
والأسبستوس مجموعة من المعادن الطبيعية الليفية التي تتميز بمقاومتها للحرارة والتآكل، ولذلك استُخدمت لفترات طويلة في عدد من مواد البناء والعزل. إلا أن استنشاق أليافها يمكن أن يؤدي إلى أضرار خطيرة في الرئتين، وقد يرتبط بأمراض مزمنة وبعض أنواع السرطان.
وتشير الوثائق إلى أن فحوصًا بيئية أُجريت في الفترة بين أكتوبر ونوفمبر عام 2001 رصدت مستويات مرتفعة من السموم، بما في ذلك الأسبستوس ومواد كيميائية أخرى، الأمر الذي أثار مخاوف لدى بعض المسؤولين والعاملين في مجال البيئة.
وفي إحدى المذكرات المؤرخة في 6 أكتوبر 2001، ورد تحذير من أن جودة الهواء في الموقع قد لا تكون صالحة للسكن بسبب الأسبستوس، بينما صدرت في اليوم نفسه تصريحات رسمية تؤكد أن الهواء آمن.
هذا التباين بين مضمون بعض المذكرات الداخلية والتصريحات العامة أصبح من أكثر الجوانب إثارة للجدل، خاصة مع ظهور الآثار الصحية على المدى الطويل لدى عدد كبير من الأشخاص الذين تعرضوا للغبار والهواء الملوث.

تحذيرات علمية مبكرة.. وتضييق على البيانات
تكشف الوثائق أيضًا عن وجود تحذيرات مبكرة من بعض الباحثين والجهات المعنية بالصحة والبيئة بشأن طبيعة الملوثات الموجودة في موقع الكارثة.
وتضمنت إحدى المذكرات الموجهة إلى مكتب عمدة نيويورك تحذيرات من وجود تركيزات مرتفعة من الجسيمات الدقيقة الضارة بالرئة، مع الإشارة إلى أن الجهات البيئية كانت مطالبة بإجراء فحوص للمساحات الداخلية قبل إعلان سلامتها.
كما أظهرت وثائق أخرى وجود مخاوف بشأن طرق قياس وتجميع النفايات، فضلًا عن وجود اعتراضات على بعض التصريحات التي قُدمت للرأي العام، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول الطريقة التي جرى بها التعامل مع البيانات العلمية خلال واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في تاريخ المدينة الحديث.
وبمرور الوقت، أصبحت تلك التحذيرات أكثر أهمية، بعدما بدأ العاملون والسكان في الإبلاغ عن أعراض وأمراض لم تكن واضحة في الأسابيع الأولى التي أعقبت الهجمات.
فاتورة صحية تتجاوز الضحايا الأوائل
توضح الأرقام المسجلة في البرامج الصحية الخاصة بضحايا 11 سبتمبر أن التأثير لم يقتصر على الأشخاص الذين كانوا داخل البرجين أو بالقرب منهما لحظة الهجمات.
فقد شملت الأضرار الصحية آلاف رجال الإطفاء وأفراد الشرطة والمسعفين والعاملين في عمليات البحث والإنقاذ والتنظيف، إلى جانب سكان المناطق القريبة من الموقع وأشخاص لم يتلقوا الدعم في البداية واضطروا لاحقًا إلى إثبات صلتهم بالحادث للحصول على الرعاية والتعويضات.
وتشير البيانات إلى تسجيل ما يقرب من 3000 شخص ضمن وفيات مرتبطة بأحداث الهجمات، إلا أن عدد الوفيات الناتجة عن الأمراض التي ظهرت بعد سنوات من التعرض للمواد السامة أصبح يتجاوز الخسائر البشرية التي وقعت في يوم الهجوم نفسه.
وهذا التحول جعل التعامل مع تداعيات الكارثة الصحية قضية مستمرة، وليس مجرد ملف مرتبط بذكرى سنوية أو بإحياء أحداث الهجوم.

معاناة «تشاينا تاون» تكشف جانبًا آخر من الأزمة
امتدت آثار التلوث إلى مناطق سكنية وتجارية عديدة في نيويورك، ومن بينها حي «تشاينا تاون» الذي عانى سكانه من تداعيات بيئية وصحية مرتبطة بالموقع.
وتشير الوثائق إلى أن جهات معنية بحماية البيئة أخفقت في توفير برامج توعية باللغات الآسيوية لسكان الحي بالشكل الكافي، وهو ما جعل بعض السكان يواجهون صعوبة في الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالمخاطر الصحية وبرامج التطهير والمساعدات المتاحة.
كما ارتبطت المعاناة بزيادة بعض الأعراض المرضية، خاصة مشكلات الجهاز التنفسي لدى الأطفال، إلى جانب الحاجة إلى إعادة إعمار أجزاء من الحي والاستفادة من المنح الفيدرالية والمحلية.
وتبرز هذه الوقائع أن الأزمة لم تكن صحية فقط، بل كانت أيضًا مرتبطة بالقدرة على الوصول إلى المعلومات والخدمات والمساعدات، خصوصًا بالنسبة إلى المجتمعات التي واجهت حواجز لغوية أو اقتصادية.
معركة قانونية طويلة من أجل التعويضات
لم تتوقف تداعيات 11 سبتمبر عند الجانب الطبي، بل امتدت إلى ساحات القضاء، بعدما ظهرت مطالبات من أشخاص أصيبوا بأمراض نتيجة تعرضهم للمواد السامة في موقع الكارثة.
وتضمنت حزمة من المقترحات القانونية ما يقرب من 35 ألف مدعٍ محتمل، من بينهم آلاف المطالبات المتعلقة بمسؤوليات قانونية متوقعة، مع تحذيرات من أن أحكام القضاء وهيئات المحلفين قد تؤدي إلى تعويضات مالية ضخمة للمتضررين.
وفي الوقت نفسه، واصلت منظمات معنية بحقوق الضحايا الضغط من أجل ضمان الشفافية وتسهيل حصول المصابين على الرعاية والتعويضات الفيدرالية، خاصة بعدما أثبتت السنوات أن كثيرًا من الأضرار الصحية لم تظهر فورًا.
ربع قرن على الهجمات.. والملف لم يُغلق
بعد مرور ربع قرن تقريبًا، تبدو تداعيات 11 سبتمبر أكثر تعقيدًا من مجرد أحداث وقعت في يوم واحد. فبينما ظلت صور الهجمات والانهيارات حاضرة في الذاكرة العالمية، ظهرت خلفها أزمة صحية امتدت لعقود وأصابت آلاف الأشخاص الذين تعرضوا للغبار والدخان والمواد الكيميائية.
وتعيد الوثائق التي ظهرت إلى الواجهة التساؤلات حول ما إذا كانت الجهات المسؤولة قد تعاملت مع المخاطر البيئية بالقدر الكافي من الشفافية، وما إذا كان سكان نيويورك والعاملون في موقع الكارثة قد حصلوا على المعلومات التي كان من حقهم معرفتها في الوقت المناسب.
وفي النهاية، يبقى ملف 11 سبتمبر شاهدًا على أن آثار الكوارث الكبرى قد تستمر لعقود بعد انتهاء الحدث نفسه، وأن حماية الأرواح لا تتوقف عند إنقاذ الناجين، بل تمتد إلى توفير المعلومات الدقيقة والرعاية الصحية والعدالة لكل من دفع ثمنًا صحيًا طويلًا لما حدث.
زوروا صفحتنا على فيسبوك 👇
https://www.facebook.com/share/1DyZjoD5t8/?mibextid=wwXIfr




