أهل المغني

وفاة محمد القرفي.. رحيل الموسيقار التونسي عن عمر 78 عامًا بعد مسيرة حافلة بالإبداع

توفي اليوم الأحد 13 سبتمبر 2026 الفنان والموسيقار التونسي محمد القرفي عن عمر ناهز 78 عامًا، بعد مسيرة فنية وإبداعية امتدت لعقود، ترك خلالها بصمة واضحة في الموسيقى التونسية والعربية، سواء من خلال التأليف والتلحين والقيادة الموسيقية أو من خلال اهتمامه بالمسرح الغنائي والبحث في تاريخ الموسيقى. وأعلنت وزارة الشؤون الثقافية التونسية خبر رحيله، ناعية واحدًا من الأسماء التي ارتبطت بتجديد المشهد الموسيقي التونسي والبحث عن مساحات جديدة تجمع بين التراث والتجريب الموسيقي. 

جاء خبر وفاة محمد القرفي اليوم ليعيد إلى الواجهة مسيرة فنية طويلة امتدت عبر أجيال متعاقبة، إذ ولد الموسيقار الراحل في تونس العاصمة عام 1948، وبدأ منذ سنوات مبكرة في بناء مشروعه الموسيقي الذي لم يعتمد على تقديم الألحان فقط، وإنما قام على البحث والتجديد والتعامل مع الموسيقى باعتبارها مساحة واسعة تجمع بين التراث والتأليف والتوزيع والمسرح.

وارتبط اسم القرفي على مدار سنوات طويلة بالموسيقى التونسية والعربية المعاصرة، وحرص خلال مشواره على تقديم تجارب تحمل طابعًا خاصًا، مع اهتمام واضح بالموروث الموسيقي والشعري العربي وإعادة تقديمه في قوالب موسيقية حديثة.

ولم تكن تجربة محمد القرفي مقتصرة على العمل الموسيقي التقليدي، إذ امتدت اهتماماته إلى الموسيقى الأكاديمية والمسرح الغنائي، وهو ما جعله حاضرًا في عدد كبير من المشاريع الفنية التي جمعت بين الموسيقى والغناء والأداء المسرحي.

مسيرة علمية وفنية حافلة

حصل محمد القرفي على تكوين موسيقي في المعهد الوطني للموسيقى بتونس، قبل أن يواصل دراسته في باريس بمدرسة «شولا كانتوروم»، ثم حصل على شهادة الدراسات المعمقة والدكتوراه في العلوم الموسيقية والموسيقولوجيا من جامعة السوربون.

وأسهم هذا التكوين الأكاديمي في تشكيل رؤيته الخاصة للموسيقى، إذ جمع بين المعرفة النظرية والخبرة العملية، وهو ما ظهر في مشروعاته الفنية والبحثية على مدار سنوات عمله.

وبدأ القرفي مسيرته المهنية عازفًا ضمن الأوركستر السمفوني التونسي، قبل أن يتجه إلى تأسيس مشروعات موسيقية خاصة به، من بينها «أوركسترا 71»، ثم الأوركستر العربي لمدينة تونس، الذي لعب دورًا مهمًا في تقديم تجارب جديدة في مجال المسرح الغنائي خلال فترة الثمانينيات.

ومع مرور السنوات، أصبح القرفي أحد الأسماء التي تهتم بتقديم الموسيقى العربية بأسلوب يجمع بين الأصالة والرؤية المعاصرة.

محمد القرفي والمسرح الغنائي

يعد المسرح الغنائي واحدًا من أبرز المجالات التي ارتبطت باسم محمد القرفي، فقد عمل على تقديم عروض موسيقية ومسرحية تجمع بين الغناء والأداء والكتابة الشعرية، وسعى إلى تطوير هذا النوع من الفن في تونس.

وكان تأسيس الأوركستر العربي لمدينة تونس من المحطات المهمة في مشواره، إذ قدم من خلاله أعمالًا وتجارب جديدة وأسهم في ظهور أصوات فنية مختلفة، كما تعاون مع عدد من الفنانين التونسيين والعرب.

ومن أبرز أعماله في هذا المجال أوبريت «الأغصان الحمراء»، و«قصائد حب إلى لبنان»، و«حكاية قرطاج»، وهي أعمال تعكس اهتمامه بالمسرح الموسيقي وتوظيف العناصر الأوركسترالية في تقديم موضوعات مستمدة من البيئة العربية والتاريخ والثقافة.

وفاة محمد القرفي.. رحيل الموسيقار التونسي عن عمر 78 عامًا بعد مسيرة حافلة بالإبداع
محمد القرفي

تعاون مع نجوم من تونس والعالم العربي

لم تقتصر تجربة محمد القرفي على التعاون مع الفنانين التونسيين، بل امتدت إلى أسماء عربية بارزة، إذ تعاون خلال مسيرته مع عدد من الفنانين والموسيقيين من لبنان والعالم العربي.

ومن بين الأسماء التي ارتبطت بتجربته الفنية الرحابنة ومارسيل خليفة وجوليا بطرس، إلى جانب عدد من الأصوات التونسية والعربية.

كما كان القرفي حاضرًا في تجارب فنية ارتبطت بأسماء مثل ذكرى محمد، ودرصاف حمداني، وسنية مبارك، وأماني السويسي، وغيرهن من الفنانات اللواتي استفدن من المدرسة الموسيقية التي أسهم في تأسيس ملامحها.

وتميز مشروعه بالبحث عن الأصوات القادرة على تقديم أعمال ذات قيمة فنية، مع اهتمام بالصياغة الموسيقية التي تمنح القصيدة أو الأغنية مساحة أوسع للتعبير.

قصائد عربية في ألحان محمد القرفي

اهتم الموسيقار الراحل بتلحين عدد من القصائد العربية، وهو ما جعله قريبًا من التجربة الشعرية إلى جانب تجربته الموسيقية.

ووضع ألحانًا لنصوص شعرية لعدد من كبار الشعراء، من بينهم أبو القاسم الشابي ومحمود درويش وأمل دنقل وأحمد فؤاد نجم وأبو نواس وسعيد عقل ومنصور الرحباني، إلى جانب شعراء تونسيين آخرين.

ويكشف هذا التنوع عن اهتمام القرفي بالقصيدة العربية باعتبارها مصدرًا غنيًا للإبداع الموسيقي، حيث كان يسعى إلى بناء علاقة متوازنة بين الكلمة واللحن والتوزيع.

محمد القرفي ومهرجان قرطاج

كان مهرجان قرطاج الدولي واحدًا من المساحات الفنية المهمة في مسيرة محمد القرفي، وظهر اسمه خلال السنوات الأخيرة من خلال عروض موسيقية استندت إلى إعادة تقديم التراث التونسي والعربي بصورة معاصرة.

وفي عام 2025، عاد القرفي إلى المسرح الأثري بقرطاج من خلال عرض «من قاع الخابية»، الذي قدم خلاله مجموعة من الأعمال المستوحاة من الذاكرة الموسيقية التونسية، مع إعادة صياغتها في قالب موسيقي حديث بمشاركة الأوركستر السمفوني التونسي وكورال أصوات أوبرا تونس والفرقة الوطنية للفنون الشعبية. 

وجاء العرض احتفاءً بعدد من رموز الموسيقى والشعر في تونس، من بينهم خميس ترنان ومحمد التريكي ومحمد الجموسي وعلي الرياحي والهادي الجويني وصالح الخميسي، وهو ما عكس اهتمام القرفي بالحفاظ على الذاكرة الفنية وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة.

مؤلفات وأبحاث إلى جانب الموسيقى

لم يكن محمد القرفي موسيقارًا وملحنًا وقائد أوركسترا فقط، وإنما اهتم أيضًا بالبحث والكتابة في مجال الموسيقى.

ومن بين مؤلفاته كتاب «الأشكال الآلاتية في الموسيقى الكلاسيكية بتونس»، الذي صدر عام 1996، وكتاب «صفحات من الموسيقى العالمية» عام 1997، وكتاب «المسرح الغنائي العربي» عام 2009.

كما اهتم بترجمة ودراسة أعمال تتعلق بالموسيقى العربية، بما يعكس رغبته في توثيق المعرفة الموسيقية وعدم الاكتفاء بالممارسة الفنية وحدها.

وفاة محمد القرفي.. رحيل الموسيقار التونسي عن عمر 78 عامًا بعد مسيرة حافلة بالإبداع
محمد القرفي

إرث فني يتجاوز الألحان

مع إعلان وفاة محمد القرفي اليوم، لا يختتم رحيله مجرد مسيرة موسيقار، وإنما يطوي فصلًا من تاريخ الموسيقى التونسية الحديثة، خاصة أنه ترك تجربة قائمة على البحث والتجديد والاهتمام بالمسرح الغنائي والقصيدة العربية.

ويبقى إرث القرفي حاضرًا في الأعمال التي قدمها، وفي الفنانين الذين تعاون معهم، وفي المشاريع التي سعى من خلالها إلى تقديم الموسيقى التونسية والعربية بروح جديدة، مع الحفاظ على جذورها.

وتظل تجربته واحدة من التجارب التي جمعت بين الأكاديمية والممارسة الفنية، وبين الموسيقى التراثية والرؤية المعاصرة، وهو ما منحها خصوصية جعلت اسمه حاضرًا في المشهد الفني التونسي والعربي لعقود.

رحيل يترك أثرًا في الموسيقى التونسية

رحل محمد القرفي عن عمر 78 عامًا بعد رحلة طويلة مع الموسيقى، لكن أعماله وتجربته ستظل جزءًا من الذاكرة الفنية التونسية والعربية. وبين التأليف والقيادة والتلحين والبحث والمسرح الغنائي، قدم الراحل نموذجًا للفنان الذي لم يتوقف عند شكل واحد من أشكال الإبداع.

ويأتي خبر وفاة محمد القرفي اليوم ليحمل حالة من الحزن في الوسط الثقافي والفني، خاصة أن الراحل ظل حتى السنوات الأخيرة حاضرًا في المشهد الفني من خلال مشروعات وعروض موسيقية تؤكد استمرار شغفه بالموسيقى وقدرته على تقديمها برؤية متجددة.

زوروا صفحتنا علي الفيس بوك👇

https://www.facebook.com/share/19QSyLKg9w/

جنى عبد الحليم

ناشرة بموقع جريدة عالم النجوم الإلكتروني