هناك فنانون يمرون على الشاشة، وهناك فنانون يتركون بصمة لا تمحوها السنوات، وبين هؤلاء يأتي الفنان جلال العشري واحدًا من أصحاب التجارب الفنية التي تشكلت على نار هادئة، وامتدت عبر سنوات طويلة من العطاء والعمل والإخلاص للمهنة.
فنان يمتلك حضورًا خاصًا، وقدرة لافتة على التلون بين الشخصيات المختلفة، دون أن يفقد هويته أو بصمته الخاصة. استطاع أن يثبت أن الموهبة الحقيقية لا ترتبط بمساحة الدور، وإنما بقدرة الفنان على أن يمنح الشخصية روحًا وملامح وتفاصيل تجعلها تعيش في وجدان الجمهور.
ومن خشبة المسرح التي يعتبرها بيته الأول ومدرسته الكبرى، إلى الدراما التليفزيونية والسينما، خاض جلال العشري رحلة ثرية حملت الكثير من الشخصيات والتجارب والتحديات، وحقق خلالها حضورًا فنيًا لافتًا، إلى جانب حصوله على العديد من التكريمات والجوائز التي جاءت تقديرًا لمسيرة طويلة من الاجتهاد والإخلاص.
وما يميز جلال العشري ليس فقط قدرته على الأداء، وإنما عشقه الحقيقي للفن وإيمانه بأن الفنان يظل تلميذًا طوال حياته، يبحث دائمًا عن شخصية جديدة وتحدٍ مختلف ومساحة أخرى يكتشف من خلالها أدواته.
ورغم سنوات المشوار، لا يزال يتحدث عن الفن بشغف الفنان الذي يقف على بدايات الطريق، لا نهايته، مؤكدًا أنه لم يقدم حتى الآن كل ما بداخله، وأن لديه الكثير من الشخصيات والأحلام التي ينتظر تقديمها.
وفي هذا الحوار الخاص مع جريدة عالم النجوم، يفتح الفنان جلال العشري قلبه ويتحدث عن قيمة التكريم، وعلاقته الاستثنائية بالمسرح، وأحدث أعماله، وتجربته مع جيل الشباب، ورؤيته لمستقبل الفن، كما يكشف عن طموحات لا تزال أكبر من سنوات مشواره.
حاوره: دنيا أحمد

التكريم.. شهادة تقدير لمسيرة من الإخلاص
س: بعد سنوات طويلة من العمل والعطاء، حصلت على العديد من التكريمات والجوائز.. ماذا يعني لك التكريم؟
ج: التكريم طاقة إيجابية عظيمة للفنان، ودليل على أنه كان مخلصًا لحلمه وبذل جهدًا اعترف به الآخر في صورة شكر وتقدير عن مجهود مخلص على مدى السنين.
والحمد لله نلت الكثير من التكريمات وحصلت على الكثير من الجوائز، وكلها تقويني وتجعلني أؤكد لنفسي كل يوم أنني سلكت الطريق الصحيح، برغم طول مسافته وما صادفنا من متاعب وانكسارات ونجاحات.
وفي لحظة التكريم ننسى كل هذه الأشياء للحظة، ونستعذب هذا الشعور الجميل بعد كل ما مررنا به، لأن الإنسان يشعر وقتها أن كل التعب لم يذهب هباءً، وأن هناك من يقدر ما قدمه.
المسرح.. البداية والبيت وأكسجين حياة الفنان
س: المسرح يحتل مكانة خاصة جدًا في رحلتك.. ماذا يمثل لك بعد كل هذه السنوات؟
ج: المسرح هو بداية المشوار وكل المشوار. المسرح إحساس آخر وله طعم مختلف، فيه دفء، ولا يوجد حاجز بين الكلمة والجمهور.
كما أن المسرح يجعل الممثل في حالة تدريب كامل. كنت أقضي الوقت كله فيه، وكان بيتي. وفي حالات الإنتاج كنت أبيت فيه، فكنا نصل الليل بالنهار من أجل خروج أعمالنا للنور ليراها الجمهور.

المسرح عشرة توأمية بيننا، وهو أكسجين حياة الفنان.
بين الخشبة والكاميرا.. لكل تجربة سحرها
س: هل تختلف تجربتك كممثل على خشبة المسرح عن وقوفك أمام كاميرا السينما أو التليفزيون؟
ج: بالتأكيد. التمثيل في السينما أو التليفزيون له سحره وإحساسه الآخر، وله معايشته وأسلوبه، وبالتالي يغرق الممثل أكثر في خيال يساعد على الأداء الأروع.
لكن كل هذا لا يمنع أن المسرح له روحه الخاصة. الممثل أمام الكاميرا يكون أهدأ كثيرًا، وبالتالي تكون الانفعالات أهدأ، بينما المسرح له طعمه والشاشة لها طعمها.
وأجمل متعة يعيشها الفنان هي وجوده على الخشبة أو أمام الكاميرات، لأن كل تجربة لها سحرها وإحساسها الخاص.
أعمال جديدة وشخصيات ينتظرها الجمهور
س: ماذا عن أحدث أعمالك الفنية؟ وما الشخصيات التي قدمتها مؤخرًا؟
ج: الحمد لله والشكر لله، بفضل الله رزقني الله بأدوار أرضتني وأرضت جمهوري في الموسم الرمضاني السابق، وكان آخر أدواري صالح قنصوة في «إفراج».
وبفضل الله انتهيت من تصوير دوري في فيلم «ممسوس»، تأليف صلاح الجهيني وإخراج ياسر الياسري.
وأنتظر عرض الحكاية الثالثة من «القصة الكاملة»، وهي بعنوان «جريمة في الزمالك»، وستعرض في 30 أكتوبر، وهو يوم ميلادي، مما يجعلني مستبشرًا بموعد العرض.
وأنا على يقين أن ربنا سيكرمنا، لأن صناع العمل بذلوا جهدًا كبيرًا وعظيمًا. العمل من إنتاج المخرج والمنتج مجدي الهواري، وتأليف عمرو سمير عاطف، ويتناول جريمة حقيقية حدثت بالفعل، وإخراج محمود عبدالتواب.

عام حافل بالنجاحات وطموحات لا تنتهي
س: كيف تصف حصادك الفني خلال الفترة الماضية؟ وماذا تتمنى في المرحلة المقبلة؟
ج: الحمد لله كان عامًا رائعًا مليئًا بالنجاحات، وأتمنى أن يرزقني الله هذا الموسم بأعمال تشبعني وترضي جمهوري العظيم.
الفنان دائمًا لديه رغبة في تقديم المزيد، لأن الفن بالنسبة له ليس مجرد عمل ينتهي بانتهاء التصوير، وإنما رحلة مستمرة من البحث والتجربة والتعلم.
الفن بالنسبة للفنان ليس مهنة فقط
س: تحدثت عن علاقتك العميقة بالفن.. إلى أي مدى يمثل التمثيل ضرورة حقيقية في حياة الفنان؟
ج: الفنان يمرض بدون تمثيل، والفن دواء الفنان وليس الأطباء.
لذلك أتمنى أن ينتبه أبناؤنا المخرجون الشباب إلى هذا الأمر، وأن يعرفوا أنه لولا هؤلاء الأساتذة ما أحبوا هم أنفسهم الفن ولا تمنوا أن يمتهنوه.
والحقيقة أن فرصتي كانت رائعة في التعامل مع الشباب، وكان هذا العام مميزًا بالنسبة لي بالتعامل مع كل الشباب النجوم، وكنت سعيدًا بهم إلى أبعد درجة، وفرحان بهم وبنجاحهم.
جلال العشري: تواصل الأجيال يولد فنًا طازجًا
س: كيف ترى أهمية التواصل بين الأجيال داخل الوسط الفني؟
ج: تواصل الأجيال يولد فنًا طازجًا.
التعامل بين أصحاب الخبرة والشباب مهم جدًا، لأن لكل جيل رؤيته وطريقته وأفكاره. والشباب لديهم طاقة كبيرة وأفكار جديدة، بينما يمتلك أصحاب الخبرة سنوات طويلة من التجربة، وعندما يلتقي الطرفان يمكن أن ينتج عن ذلك شيء جميل ومختلف.
وأنا سعيد جدًا بتجربتي مع الشباب، وسعيد بنجاحهم، وأشعر أن التعامل معهم منحني طاقة إيجابية كبيرة.

«لسه لم أمثل بعد».. طموح فنان لا يعرف الاكتفاء
س: بعد هذه السنوات الطويلة والعديد من الشخصيات والتجارب، هل تشعر أنك قدمت كل ما لديك فنيًا؟
ج: الحقيقة أنا لسه لم أمثل بعد، فلم أقدم كل ما بداخلي من فن، ولم أستغل بعد كل أدواتي، فلا زلت بحاجة إلى تقديم شخصيات كثيرة.
الفنان لا يشبع، كالنار لا تشبع من الحطب.
وهذا هو جمال الفن، أن الفنان مهما قدم يظل لديه إحساس بأن هناك شيئًا آخر ينتظره، وشخصية جديدة يريد أن يعيش تفاصيلها، وتجربة يتمنى أن يخوضها.
رسالة خاصة إلى جمهور «عالم النجوم»
س: في ختام هذا الحوار، ماذا تقول لجمهورك، ولجريدة «عالم النجوم»؟
ج: شكرًا إلى عالم النجوم، وإلى الدكتورة دعاء نصر، وشخصك الكريم، وكل القائمين على عالم النجوم.
كل عام والجميع بخير، وأتمنى أن تظل علاقتنا قائمة على الحب والفن والاحترام، وأن تكون الأيام المقبلة مليئة بالأعمال والنجاحات.

جلال العشري.. فنان لا يزال في بداية الحلم
من خلال هذا الحوار، يتضح أن جلال العشري لا ينظر إلى سنوات مشواره باعتبارها رصيدًا وصل به إلى محطة النهاية، وإنما يراها خبرة تمنحه القدرة على مواصلة الحلم بشكل أعمق وأكثر نضجًا.
فهو الفنان الذي يرى في التكريم اعترافًا بمجهود سنوات، لكنه لا يسمح لهذا التقدير بأن يتحول إلى حالة من الاكتفاء، بل يستخدمه كوقود للاستمرار. وهو أيضًا الفنان الذي يحتفظ بعلاقة استثنائية مع المسرح، ذلك العالم الذي يعتبره بيته وأكسجين حياته، والذي منحه الكثير من الخبرات التي انعكست على أدائه أمام الكاميرا.
وفي حديثه عن الشباب، تظهر واحدة من أهم ملامح شخصيته الفنية؛ إيمانه بأن الفن لا يعيش إلا بتواصل الأجيال، وأن خبرة الكبار وطاقة الشباب يمكن أن تصنعا معًا حالة فنية أكثر ثراءً وتجددًا.
أما أكثر ما يلفت في حديثه، فهو إصراره على أن رحلته لم تكتمل بعد، وأنه لم يقدم حتى الآن كل ما بداخله، وهي الجملة التي تختصر فلسفة جلال العشري تجاه الفن؛ فالفنان الحقيقي لا يعرف كلمة «اكتفيت».
وبين «إفراج» و«ممسوس» و«جريمة في الزمالك»، يواصل جلال العشري رحلته، حاملًا معه سنوات من الخبرة وشغف البدايات، وطموحًا لا يزال مفتوحًا على شخصيات وأدوار جديدة.

وفي النهاية، يبقى جلال العشري نموذجًا للفنان الذي اختار أن يجعل الفن رحلة عمر، لا مجرد محطة عابرة، وأن يظل دائمًا في حالة بحث عن الدور الذي يضيف إليه، ويضيف بدوره إلى ذاكرة الجمهور.
زوروا صفحتنا على فيس بوك 👇
https://www.facebook.com/share/1CvDaPHBad/?mibextid=wwXIfr




