في ذكرى وفاة الأديب المصري كامل كيلاني، الذي رحل عن عالمنا في 9 أكتوبر عام 1959، يستعيد الأدب العربي سيرة واحد من أبرز رواد الكتابة للأطفال، والذي حمل لقب «رائد أدب الطفل في العالم العربي» بعدما كرّس جانبًا كبيرًا من مشروعه الأدبي لتقديم الحكايات والقصص التي تجمع بين المتعة والفائدة والقيم الإنسانية. ولم تكن تجربة كامل كيلاني مجرد مجموعة من القصص الموجهة للصغار، وإنما كانت مشروعًا ثقافيًا متكاملًا آمن من خلاله بأهمية بناء شخصية الطفل منذ سنواته الأولى، وتقديم الأدب له بلغة عربية سليمة وأسلوب جذاب.
رحل كامل كيلاني بعد مسيرة حافلة بالأدب والصحافة والترجمة والتحقيق والعمل الثقافي، تاركًا عشرات المؤلفات والقصص التي عبرت حدود مصر والوطن العربي، وترجمت أعماله إلى عدد من اللغات، لتصل حكاياته إلى أطفال في ثقافات مختلفة، وتظل شخصيات مثل السندباد وعلاء الدين وجحا وغيرها جزءًا من ذاكرة أجيال متعاقبة.
كامل كيلاني.. نشأة صنعت أديبًا واسع الثقافة
وُلد كامل كيلاني إبراهيم كيلاني في 20 أكتوبر 1897 بحي القلعة في القاهرة، ونشأ في منزل كان يطل على جبل المقطم، وسط بيئة اهتمت بالعلم والثقافة.
وكان والده الشيخ كيلاني إبراهيم كيلاني من المهندسين المعروفين في عصره، ويرتبط نسب الأسرة بالشيخ عبد القادر الجيلاني.
حفظ كامل كيلاني القرآن الكريم في الكتاب خلال طفولته، ثم التحق بمدرسة أم عباس عام 1907، وبعد ذلك واصل تعليمه في مدرسة القاهرة الثانوية، وحصل على شهادة البكالوريا.
ومع اتساع اهتماماته، بدأ في دراسة الأدب الإنجليزي والفرنسي، كما التحق بالجامعة المصرية عام 1917، واستمر في دراسته حتى حصل على ليسانس الآداب في قسم اللغة الإنجليزية.
ولم تقتصر ثقافته على التعليم النظامي، فقد حرص أيضًا على حضور دروس في الأزهر الشريف، واهتم بدراسة النحو والصرف والمنطق، وهو ما ساهم في تكوين شخصية أدبية تجمع بين الثقافة العربية الأصيلة والاطلاع على الآداب العالمية.

من التعليم والصحافة إلى العمل الأدبي
بدأ كامل كيلاني حياته العملية في مجال التدريس، حيث عمل في المدرسة التحضيرية مدرسًا للغة الإنجليزية والترجمة، ثم انتقل عام 1920 للعمل مدرسًا في مدرسة الأقباط الثانوية بدمنهور.
وفي عام 1922، انتقل إلى وزارة الأوقاف، حيث تولى مهمة تصحيح الأساليب اللغوية، واستمر في العمل بها حتى عام 1954، وتدرج في المناصب حتى وصل إلى منصب سكرتير مجلس الأوقاف الأعلى.
وبالتوازي مع عمله الحكومي، لم يتوقف نشاطه الأدبي والصحفي، فقد كان حاضرًا في الحياة الثقافية والفنية، وعمل في الصحافة، كما تولى رئاسة نادي التمثيل الحديث عام 1918، وأصبح رئيسًا لجريدة «الرجاء» عام 1922.
كما شغل بين عامي 1929 و1932 منصب سكرتير رابطة الأدب العربي، وهو ما يعكس حجم حضوره داخل الحركة الأدبية في ذلك الوقت.
بداية أدبية لم تقتصر على أدب الطفل
قبل أن يصبح اسمه مرتبطًا بصورة أساسية بأدب الأطفال، خاض كامل كيلاني تجارب متعددة في مجالات الأدب والنقد والتاريخ والترجمة وتحقيق النصوص.
واهتم بالأدب العربي القديم، وكتب في التاريخ، وقدم دراسات وترجمات وتحقيقات أدبية، من بينها «مصارع الخلفاء»، و«مصارع الأعيان»، و«ملوك الطوائف».
كما اهتم بتحقيق الأعمال الأدبية التراثية، فاشتغل على «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري، وشرح ديوان ابن الرومي، واهتم بالأدب الأندلسي، وقدم أعمالًا تناولت التاريخ الإسلامي والأدب العالمي.
ومن مؤلفاته أيضًا «نظرات في تاريخ الإسلام»، و«روائع من قصص الغرب»، و«فن الكتابة»، و«موازين النقد الأدبي»، إلى جانب كتاباته في أدب الرحلات، ومنها «ذكريات الأقطار الشقيقة» الذي سجل فيه انطباعاته عن رحلاته إلى فلسطين ولبنان وسوريا.
وهذه المرحلة تكشف أن تجربته لم تكن محدودة في مجال واحد، وإنما سبقتها رحلة طويلة في القراءة والبحث والترجمة والتأليف.
كامل كيلاني ورحلة تأسيس أدب الطفل
في عام 1927، اتجه كامل كيلاني بصورة أكثر وضوحًا إلى أدب الأطفال، وبدأ مشروعه الذي جعله واحدًا من أهم الأسماء في هذا المجال.
وكان يؤمن بأن الطفل يحتاج إلى مكتبة خاصة تناسب مراحل نموه المختلفة، بحيث تبدأ الكتب معه منذ مرحلة القراءة الأولى والتعليم الأساسي، ثم تتطور تدريجيًا مع تقدمه في العمر والتعليم.
ومن هنا ظهرت رؤيته لإنشاء مكتبة للأطفال تضم أعمالًا مناسبة لكل مرحلة عمرية، وصولًا إلى مرحلة الدراسة الجامعية.
ولم يكن اهتمامه بالطفل قائمًا على تقديم القصص للتسلية فقط، بل كان يرى أن الأدب وسيلة لتكوين شخصية الطفل وتنمية خياله وتعليمه القيم والسلوكيات بطريقة غير مباشرة.
وقد بدأ مشروعه بقصة «السندباد البحري»، ثم واصل الكتابة والترجمة والتأليف في مجال قصص الأطفال، حتى أصبح إنتاجه علامة بارزة في تاريخ أدب الطفل العربي.
لماذا لقب كامل كيلاني برائد أدب الطفل؟
اكتسب كامل كيلاني مكانته باعتباره من أوائل الأدباء العرب الذين تعاملوا مع أدب الطفل باعتباره مجالًا أدبيًا مستقلًا يحتاج إلى رؤية خاصة.
فقد اهتم باللغة التي تقدم بها القصة، وكان يرى ضرورة استخدام اللغة العربية الفصحى في حوار قصص الأطفال، مع الحرص على أن تكون القصة ممتعة وقادرة على جذب الطفل.
كما اهتم بالجانب الأخلاقي والتربوي، لكنه لم يكن يريد أن تتحول القصة إلى درس مباشر أو موعظة صريحة، ولذلك كان يقدم القيم من خلال الأحداث والشخصيات والمواقف.
واستفاد في قصصه من مصادر متنوعة، منها الأساطير والأدب العالمي والأدب الشعبي، وأعاد تقديمها بأسلوب يناسب الطفل العربي.
وتشير سيرته إلى أنه كتب وترجم عددًا ضخمًا من القصص، بلغ نحو ألف قصة، طُبع منها خلال حياته نحو مائتي قصة، بينما استمر نجله رشاد كيلاني بعد رحيله في نشر جانب من تراثه.
السندباد وعلاء الدين وجحا.. حكايات صنعت ذاكرة أجيال
ارتبط اسم كامل كيلاني بمجموعة كبيرة من الحكايات والشخصيات التي ظلت حاضرة في ذاكرة الأطفال.
ومن أشهر الأعمال التي ارتبطت بتجربته «السندباد البحري»، و«مصباح علاء الدين»، و«روبنسون كروزو»، و«حي بن يقظان»، و«نوادر جحا»، و«شهرزاد»، و«ألف ليلة».
وقد استطاع من خلال هذه الأعمال أن ينقل الطفل إلى عوالم مختلفة مليئة بالمغامرات والخيال والحكايات الشعبية والأساطير.
وكانت أهمية هذه التجربة في قدرته على إعادة صياغة الحكايات بما يتناسب مع عقل الطفل واحتياجاته، دون أن يفقد العمل عنصر التشويق والمتعة.
كامل كيلاني واللغة العربية في قصص الأطفال
كان الاهتمام باللغة من أبرز ملامح مشروع كامل كيلاني، إذ كان حريصًا على أن يتلقى الطفل قصصه باللغة العربية الفصحى.
وكان يرى أن الطفل قادر على فهم اللغة العربية واكتسابها من خلال الحكاية إذا قُدمت له بصورة مناسبة وجذابة.
كما استخدم الشعر في بعض أعماله، فكان يقدم به القصص أو يختم بها الأحداث، وكتب قصائد تهدف إلى غرس الصفات الحميدة في نفوس الأطفال، وتهذيب السلوك بصورة غير مباشرة.
وبذلك جمع بين الأدب والتربية دون أن يجعل القصة تبدو كدرس تعليمي مباشر.
أول من خاطب الأطفال عبر الإذاعة
لم يقتصر اهتمام كامل كيلاني بالأطفال على الكتب المطبوعة، وإنما امتد إلى الإذاعة، حيث كان من أوائل من خاطبوا الأطفال عبر هذا الوسيط الإعلامي.
وكانت الإذاعة في ذلك الوقت وسيلة جماهيرية مهمة تصل إلى الأسر في مختلف أنحاء مصر، وهو ما منح قصص الأطفال فرصة للوصول إلى جمهور أكبر.
كما ارتبط اسمه بفكرة تأسيس مكتبة للأطفال في مصر، وهي الفكرة التي تعكس مدى إيمانه بأهمية توفير محتوى ثقافي مناسب للطفل.
ومن خلال هذه الجهود، ساهم في تحويل أدب الأطفال من مجرد حكايات عابرة إلى مشروع ثقافي له أهداف تربوية وأدبية واضحة.

انتشار أعماله خارج العالم العربي
لم تتوقف أهمية تجربة كامل كيلاني عند حدود مصر، فقد ترجمت قصصه إلى عدد من اللغات، من بينها الصينية والروسية والإسبانية والإنجليزية والفرنسية.
ويكشف هذا الانتشار عن قدرة الحكاية التي قدمها على تجاوز الحدود والثقافات، خاصة أن قصص الأطفال تعتمد في كثير من الأحيان على المغامرة والخيال والقيم الإنسانية المشتركة.
وقد ساهمت الترجمة في تعريف قراء من ثقافات مختلفة بجانب من الأدب العربي الموجه للأطفال، وأصبح اسم كيلاني مرتبطًا بتاريخ تطور هذا النوع من الأدب.
حياته الخاصة وأسرته
كان لكامل كيلاني خمسة أبناء هم مصطفى وكمال وسعاد ورشاد وأمين.
واستمر بعض أفراد أسرته في الاهتمام بتراثه الأدبي، وكان ابنه رشاد كيلاني من أبرز من حملوا مسؤولية مواصلة نشر جانب من أعماله بعد وفاته، حيث نُشرت أعمال وقصص إضافية من تراث والده.
وقد ساعد ذلك على استمرار حضور مشروعه الأدبي ووصوله إلى أجيال لاحقة لم تعاصره شخصيًا.
رحيل كامل كيلاني في 9 أكتوبر 1959
توفي كامل كيلاني مساء يوم 9 أكتوبر 1959، بعد حياة حافلة بالعلم والأدب والعمل الثقافي.
وكان رحيله خسارة كبيرة للحركة الأدبية العربية، خاصة أنه ترك وراءه مشروعًا متكاملًا في أدب الطفل، إلى جانب مؤلفات في التاريخ والنقد والترجمة وتحقيق التراث.
ومن أكثر ما يعبر عن رؤيته الإنسانية والأخلاقية ما أوصى بأن يُكتب على قبره، في أبيات تلخص الفكرة التي عاش من أجلها، وهي أن تكون حياة الإنسان قائمة على نفع الآخرين.
وبذلك ارتبطت نهايته بنفس الفكرة التي ميزت مشروعه الأدبي، وهي أن المعرفة والأدب يجب أن يكون لهما أثر نافع في حياة الإنسان.

كامل كيلاني.. إرث لا يزال حاضرًا
بعد مرور عقود على رحيله، ظل اسم كامل كيلاني حاضرًا في تاريخ أدب الطفل العربي، واستمرت قصصه في الوصول إلى القراء، سواء من خلال الطبعات الجديدة أو الدراسات التي تناولت تجربته ومشروعه.
وتكمن أهمية إرثه في أنه تعامل مع الطفل باعتباره قارئًا يستحق أدبًا حقيقيًا، وليس مجرد متلقٍ لحكايات بسيطة.
كما أن تنوع مصادره بين التراث العربي والأدب العالمي والأساطير والحكايات الشعبية جعل مكتبته الأدبية غنية ومتنوعة، وقابلة لإعادة القراءة من أجيال مختلفة.
الخاتمة
في ذكرى وفاة كامل كيلاني، يبقى إرثه شاهدًا على تجربة أدبية آمنت بأن الطفل يستحق المعرفة والخيال والجمال في آن واحد. فمن «السندباد البحري» إلى «مصباح علاء الدين» و«نوادر جحا» وغيرها من الحكايات، نجح في تأسيس مشروع ترك أثرًا ممتدًا في أدب الطفل العربي، وظل اسمه حاضرًا باعتباره أحد أبرز رواد هذا المجال، وصاحب رسالة أدبية جعلت من القصة وسيلة للمتعة والتعلم وبناء الشخصية.
زوروا موقعنا على الفيس بوك 👇
https://www.facebook.com/share/1F3VGfJ5K8/?mibextid=wwXIfr




