تحل في 14 أكتوبر ذكرى ميلاد المطربة والممثلة اللبنانية نازك، صاحبة الصوت الرقيق الذي عرفه الجمهور المصري من خلال أغنية «كل دقة في قلبي» مع الفنان محمد فوزي، في تجربة فنية جمعت بين الغناء والتمثيل، لكنها لم تستمر طويلًا على شاشة السينما. ورغم قصر مشوارها السينمائي، استطاعت أن تترك بصمة في ذاكرة محبي الأغنية القديمة، بفضل صوتها المميز وأدائها الذي جمع بين الرومانسية والإحساس الهادئ.
وتحمل حكاية المطربة نازك جانبًا مختلفًا من قصص الفنانات اللاتي امتلكن الموهبة، لكن مسيرتهن لم تمتد بالقدر الذي يسمح لهن بتحقيق الانتشار الذي يستحقه صوتهن. فقد ارتبط اسمها بفيلم واحد في السينما المصرية، بينما امتد نشاطها الغنائي إلى الإذاعة والحفلات والأعمال الغنائية المتنوعة، قبل أن تبتعد عن الساحة الفنية وتختار حياة أكثر هدوءًا بعيدًا عن الأضواء.
نازك.. من هي صاحبة أغنية «كل دقة في قلبي»؟
اسمها الحقيقي هيبة مدقة الحسيني، وهي مغنية وممثلة لبنانية تنتمي أسرتها إلى أصول ليبية، واستقرت في بيروت. وُلدت عام 1928، ونشأت في بيئة ارتبطت فيها حياتها المبكرة بلبنان، قبل أن تنتقل إلى مصر في بداية الخمسينيات بحثًا عن فرصة فنية أوسع.
وكانت نازك تتمتع بصوت طربي مميز، وبدأت خطواتها الأولى في المجال الغنائي من خلال الإذاعة، بعدما اكتشف موهبتها الموسيقار والملحن اللبناني حليم الرومي عام 1946. وتعلمت أصول الغناء على يديه، وشاركت في البداية ضمن الكورال، قبل أن تتقدم تدريجيًا نحو الغناء بصورة مستقلة.
ومع انتقالها إلى القاهرة، وجدت نفسها أمام فرصة للتعامل مع أسماء بارزة في الوسط الفني المصري، في وقت كانت فيه السينما الغنائية تحتل مكانة مهمة لدى الجمهور، وكانت الأغنية السينمائية إحدى الوسائل الأساسية التي تساعد المطربين على الانتشار والوصول إلى مستمعين جدد.
وكانت هذه المرحلة نقطة مهمة في مسيرة المطربة نازك، التي امتلكت صوتًا لافتًا، لكنها عُرفت أيضًا بشخصيتها الخجولة، وهي السمة التي تكررت في الحكايات التي تناولت تجربتها الفنية وكواليس عملها مع الفنانين.
محمد فوزي يقدم نازك للجمهور المصري
كانت المحطة الأبرز في تجربة نازك السينمائية مشاركتها أمام الفنان محمد فوزي في فيلم «كل دقة في قلبي»، الذي عُرض عام 1959، وارتبط اسمها من خلاله بالأغنية التي حملت عنوان الفيلم وأصبحت أشهر ما يتذكره الجمهور من تجربتها الفنية.
وجاءت مشاركتها في العمل فرصة للظهور أمام جمهور السينما المصرية، خاصة أن محمد فوزي كان من أبرز نجوم الغناء والتمثيل في ذلك الوقت، وتميز بقدرته على الجمع بين الأداء التمثيلي والغنائي في أعماله.
وقدمت نازك في الفيلم شخصية مدرسة تقع في الحب، وارتبطت كواليس العمل بحكاية طريفة عن خجلها الشديد أثناء تصوير أحد المشاهد الرومانسية. وتناقلت الكتابات الصحفية عن سيرتها أنها واجهت صعوبة في أداء مشهد تعترف فيه الشخصية بحبها، حتى إن التصوير احتاج إلى محاولات متكررة.
وعكست هذه الحكاية جانبًا من شخصيتها التي وُصفت بالخجل، وهو ما جعل تجربتها مختلفة عن كثير من الفنانات اللاتي اعتدن الظهور أمام الكاميرا وأداء المشاهد العاطفية بسهولة.
ورغم أن تجربتها السينمائية اقتصرت على هذا الفيلم، فإن الأغنية المرتبطة به ظلت حاضرة في ذاكرة محبي الأغنيات القديمة، وأصبح اسم نازك مرتبطًا بها حتى بعد ابتعادها عن السينما.

أشهر أغاني نازك ومحطاتها الغنائية
لم يقتصر مشوار نازك على أغنية «كل دقة في قلبي»، فقد قدمت مجموعة من الأغنيات التي تنوعت بين الطابع الرومانسي والأغنيات الخفيفة، ومن بينها «متقولش كنا»، التي ارتبطت باسمها في الذاكرة الغنائية.
كما تعاونت خلال مسيرتها مع عدد من الملحنين المعروفين، واستفادت من وجودها في مصر، التي كانت آنذاك مركزًا مهمًا للإنتاج السينمائي والغنائي في العالم العربي.
وكانت الإذاعة وسيلة أساسية لوصول صوتها إلى الجمهور، في زمن كانت فيه الأغنيات الإذاعية تحظى بمكانة كبيرة، قبل انتشار التلفزيون على نطاق واسع وتغير وسائل الاستماع إلى الموسيقى.
وتميز صوت نازك بالنعومة والإحساس، الأمر الذي دفع بعض النقاد إلى مقارنتها بالمطربة أسمهان، سواء من ناحية طبيعة الصوت أو أسلوب الأداء. وأطلق عليها الناقد كمال النجمي لقب «توأمة أسمهان»، في إشارة إلى التشابه الذي رآه بينهما.
لكن هذه المقارنات لم تكن كافية لضمان استمرار حضورها الفني، إذ لم تتحول إلى نجمة سينمائية ذات رصيد كبير من الأفلام، وظلت تجربتها مرتبطة بصورة أساسية بالغناء والإذاعة والأعمال المحدودة التي قدمتها.
لماذا ابتعدت نازك عن الأضواء؟
تثير قصة نازك تساؤلًا حول الأسباب التي جعلت فنانة تمتلك صوتًا مميزًا لا تستمر طويلًا في دائرة الشهرة. وتشير الكتابات التي تناولت سيرتها إلى أن الخجل الشديد، إلى جانب الصعوبات التي واجهتها في تجربتها السينمائية، كانا من الجوانب التي أثرت في مسارها الفني.
وبعد تجربتها في مصر، عادت إلى لبنان، ثم ارتبطت حياتها لاحقًا بالابتعاد عن الوسط الفني، مع اتجاهها إلى الغناء الديني والإنشاد بعيدًا عن الظهور المعتاد على المسارح والشاشات.
وتشير روايات صحفية إلى أنها مرت بظروف صعبة في سنواتها الأخيرة، وأنها ابتعدت تدريجيًا عن الحياة الفنية، واختارت نمط حياة أكثر خصوصية.
وتكشف هذه التجربة أن النجاح الفني لا يرتبط بالموهبة وحدها؛ فهناك عوامل عديدة قد تؤثر في استمرار الفنان، من بينها الظروف الاجتماعية والشخصية، وطبيعة الفرص المتاحة، والقدرة على التكيف مع متطلبات الوسط الفني.
ولذلك تظل حكاية المطربة نازك واحدة من القصص التي تستحق الاستعادة عند الحديث عن الفنانات اللاتي مررن بالسينما المصرية، وتركْن أثرًا في الذاكرة رغم قصر تجاربهن.

رحيل نازك وبقاء أغنياتها في الذاكرة
ابتعدت نازك عن الأضواء خلال سنواتها الأخيرة، وظل حضورها الفني مرتبطًا بالأغنيات التي قدمتها وبالفيلم الذي جمعها بمحمد فوزي. وتوفيت عام 1999 وفقًا لعدد من السير المنشورة عنها، بعد حياة شهدت انتقالها بين لبنان ومصر وتجربة فنية لم تدم طويلًا.
ورغم محدودية رصيدها السينمائي، فإن اسمها لا يزال يظهر في الكتابات التي تستعيد تاريخ الأغنية العربية والسينما الغنائية المصرية، خصوصًا عند الحديث عن فيلم «كل دقة في قلبي» والأصوات النسائية التي شاركت في تلك المرحلة.
وفي ذكرى ميلادها، تعود قصة نازك لتذكر الجمهور بأن تاريخ الفن لا تصنعه أسماء النجوم الأكثر حضورًا فقط، بل يضم أيضًا أصواتًا وتجارب تستحق إعادة الاكتشاف، حتى إن لم تحظَ بالشهرة الواسعة التي نالتها أسماء أخرى.
وتبقى المطربة نازك صاحبة تجربة فنية مختلفة، ارتبطت بصوت رقيق وأغنية شهيرة وحكاية إنسانية عن فنانة لم تستمر طويلًا تحت الأضواء، لكنها احتفظت بمكانها في ذاكرة محبي زمن الفن الجميل.
زوروا موقعنا على الفيس بوك 👇
https://www.facebook.com/share/1F3VGfJ5K8/?mibextid=wwXIfr




