مقالات

في مثل هذا اليوم عام 1961.. قوات سورية تنسف إذاعة سرية مؤيدة لمصر من داخل الأراضي اللبنانية

في 27 أكتوبر عام 1961، شهدت المنطقة الحدودية بين سوريا ولبنان واقعة لافتة في خضم التوترات السياسية التي أعقبت انفصال سوريا عن مصر، بعدما نفذت قوات سورية عملية استهدفت إذاعة سرية مؤيدة لمصر ومعارضة للحكومة السورية الجديدة التي تشكلت عقب الانفصال. وكانت الإذاعة تبث من داخل الأراضي اللبنانية بالقرب من قرية حلوة الحدودية، في وقت كانت فيه الخلافات حول مستقبل الوحدة المصرية السورية تلقي بظلالها على المشهد السياسي في المنطقة.

وجاءت واقعة نسف إذاعة سرية مؤيدة لمصر بعد أقل من شهر على انتهاء تجربة الجمهورية العربية المتحدة، التي جمعت مصر وسوريا في دولة واحدة منذ فبراير 1958، قبل أن ينهي انقلاب عسكري في دمشق هذه الوحدة في سبتمبر 1961. ولم يكن الانفصال مجرد تغيير سياسي داخلي، بل فتح الباب أمام صراع على الشرعية والاتجاه السياسي لسوريا، وامتدت تداعياته إلى دول الجوار، خصوصًا لبنان الذي استُخدمت أراضيه في تلك المرحلة للتحرك الإعلامي والسياسي.

وتشير روايات تاريخية متداولة إلى أن العملية أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص واعتقال سبعة آخرين، بينهم مصري، بينما كان الباقون من لبنان وفلسطين. وتكشف الواقعة عن حجم التوتر الذي رافق الأيام الأولى للحكومة السورية الجديدة، وعن الدور الذي لعبته الإذاعات في الصراع السياسي والإعلامي بين مؤيدي الوحدة ومعارضيها.

الجمهورية العربية المتحدة.. تجربة الوحدة بين مصر وسوريا

بدأت تجربة الجمهورية العربية المتحدة في فبراير 1958، عندما اتفقت مصر وسوريا على إقامة دولة موحدة بقيادة الرئيس المصري جمال عبدالناصر. وجاءت الوحدة في أجواء صعود القومية العربية، التي رأت في التقارب بين الدول العربية خطوة نحو تعزيز التعاون السياسي ومواجهة التحديات الإقليمية.

لكن التجربة واجهت صعوبات متزايدة مع مرور الوقت، بسبب الخلافات بشأن إدارة الدولة وتوزيع السلطات، إلى جانب اعتراضات داخل أوساط سياسية وعسكرية سورية على طبيعة الحكم المركزي من القاهرة. وأثارت هذه المشكلات استياء بعض الضباط والسياسيين الذين رأوا أن سوريا فقدت مساحة من استقلال قرارها داخل الاتحاد.

في مثل هذا اليوم عام 1961.. قوات سورية تنسف إذاعة سرية مؤيدة لمصر من داخل الأراضي اللبنانية
أرشيفية

وفي 28 سبتمبر 1961، تحركت مجموعة من ضباط الجيش السوري في دمشق، وسيطرت على مواقع رئيسية وأعلنت إنهاء الوحدة. وتوالت بعدها الخطوات التي أدت إلى تشكيل حكومة سورية جديدة، بينما تمسكت القاهرة بموقفها من الوحدة في البداية، قبل أن يعلن عبدالناصر قبوله بانفصال سوريا في اليوم التالي.

وبذلك انتهت تجربة سياسية استمرت نحو ثلاث سنوات ونصف، لتعود سوريا إلى وضع الدولة المستقلة، وتبدأ مرحلة جديدة من التنافس بين القوى المؤيدة للانفصال والتيارات التي كانت تطالب باستعادة الوحدة مع مصر.

لماذا ظهرت إذاعة سرية مؤيدة لمصر؟

بعد الانفصال، لم ينتهِ الصراع بين مؤيدي الوحدة ومعارضيها، بل انتقل إلى ساحات متعددة، من بينها الإعلام والإذاعة. فقد كانت الإذاعات في تلك الفترة وسيلة أساسية لنقل الأخبار وتوجيه الخطاب السياسي والتأثير في الرأي العام، خاصة في ظل محدودية وسائل الاتصال مقارنة بالعصر الحالي.

وكانت القاهرة تستخدم بثها الإذاعي لمخاطبة السوريين والتعبير عن موقفها من الانفصال، بينما سعت الحكومة السورية الجديدة إلى تثبيت سلطتها ومواجهة الخطاب الذي اعتبرته تهديدًا لاستقرارها. وأصبحت الإذاعات جزءًا من المواجهة السياسية، إذ لم تقتصر وظيفتها على نقل المعلومات، بل امتدت إلى حشد المؤيدين والتأثير في مواقف الجنود والمواطنين.

وفي هذا السياق، جاءت الإذاعة السرية التي كانت تبث من الأراضي اللبنانية بالقرب من قرية حلوة الحدودية، لتشكل نقطة خلاف بين القوات السورية والجهات التي دعمت استمرار الوحدة مع مصر. واستهدفت العملية التي وقعت في 27 أكتوبر 1961 تدمير المحطة، في خطوة تعكس حساسية الحكومة السورية تجاه النشاط الإعلامي المعارض الذي يجري من خارج حدودها.

قرية حلوة الحدودية.. موقع العملية

تكتسب قرية حلوة أهمية في هذه الواقعة بسبب موقعها القريب من الحدود السورية اللبنانية، وهو ما أتاح للإذاعة العمل من الأراضي اللبنانية مع توجيه رسائلها إلى الجمهور السوري. وقد أوجد هذا الموقع وضعًا معقدًا، إذ ارتبط النشاط الإذاعي بالصراع السياسي داخل سوريا، بينما جرى البث من خارج أراضيها.

وتشير الروايات المتداولة عن الحادثة إلى أن قوات سورية نفذت عملية لتدمير الإذاعة، وأن العملية أسفرت عن سقوط قتلى واعتقال أشخاص كانوا موجودين في الموقع. وتذكر بعض الروايات أن عدد القتلى بلغ ثلاثة، فيما بلغ عدد المعتقلين سبعة، بينهم مصري وآخرون لبنانيون وفلسطينيون.

وتوضح هذه التفاصيل، إذا ما قُرئت في سياقها التاريخي، أن الخلاف حول الوحدة لم يكن محصورًا في البيانات الرسمية أو التصريحات السياسية، بل امتد إلى أنشطة ميدانية عبر الحدود. كما تكشف عن مدى حساسية العلاقة بين الحكومة السورية الجديدة والقوى التي كانت لا تزال تدافع عن مشروع الوحدة مع مصر.

الإعلام في قلب الصراع السياسي بين القاهرة ودمشق

كان للإعلام دور بارز في تطورات الأزمة التي أعقبت الانفصال، إذ استخدمت الأطراف المتنافسة البث الإذاعي لعرض مواقفها والتأثير في اتجاهات الرأي العام. وقد اعتمدت القاهرة على إذاعاتها في توجيه رسائل إلى السوريين، بينما عملت السلطات الجديدة في دمشق على تعزيز سيطرتها على المؤسسات الإعلامية داخل البلاد.

ولم تكن الإذاعات السرية ظاهرة منفصلة عن السياق السياسي في المنطقة؛ فقد كانت وسيلة يمكن من خلالها تجاوز الحدود الجغرافية والوصول إلى جمهور يصعب مخاطبته عبر وسائل الإعلام الرسمية. ولهذا اكتسبت المحطات التي تبث من خارج الأراضي السورية أهمية خاصة في فترة شهدت انقسامًا حول مستقبل العلاقات مع مصر.

وتوضح واقعة نسف الإذاعة أن المواجهة بين مؤيدي الوحدة ومعارضيها اتخذت أبعادًا أمنية وإعلامية، إلى جانب بعدها السياسي. كما تُظهر أن مسألة الانفصال ظلت موضع خلاف بعد إعلانها، وأن تداعياتها تجاوزت المؤسسات الحكومية إلى المجال العام، بما فيه الإعلام العابر للحدود.

ماذا تكشف الواقعة عن مرحلة ما بعد الانفصال؟

لم يكن إنهاء الوحدة المصرية السورية نهاية فورية للتوترات، بل مثّل بداية مرحلة من إعادة ترتيب السلطة والعلاقات الإقليمية. فقد واجهت الحكومة السورية الجديدة تحديات تتعلق بتثبيت مؤسساتها، وإدارة الخلافات الداخلية، والتعامل مع القوى التي عارضت الانفصال أو طالبت بالعودة إلى الوحدة.

وفي المقابل، بقيت الوحدة مع مصر قضية حاضرة في الخطاب السياسي لبعض التيارات السورية، وهو ما ساهم في استمرار التنافس على تفسير ما حدث في سبتمبر 1961 وعلى تحديد مستقبل العلاقات بين البلدين.

وفي هذا المناخ، مثّلت نسف إذاعة سرية مؤيدة لمصر واحدة من الوقائع التي توضح كيف امتد الصراع إلى خارج حدود سوريا، وكيف أصبحت الوسائل الإعلامية جزءًا من المواجهة بين الأطراف المتنافسة. ولم تكن الحادثة مجرد عملية استهدفت محطة بث، بل جاءت في سياق أوسع من التوترات التي رافقت ولادة النظام السياسي الجديد بعد الانفصال.

نسف إذاعة سرية مؤيدة لمصر.. واقعة من ذاكرة التاريخ العربي

تبقى أحداث 27 أكتوبر 1961 جزءًا من مرحلة مهمة في تاريخ العلاقات المصرية السورية، وهي المرحلة التي أعقبت انتهاء الجمهورية العربية المتحدة وعودة سوريا إلى الحكم المستقل. فقد أظهرت الواقعة أن الخلاف حول الوحدة لم ينتهِ بمجرد إعلان الانفصال، بل استمر من خلال النشاط السياسي والإعلامي والتحركات الأمنية.

كما تعكس الحادثة المكانة التي احتلتها الإذاعة في الصراعات السياسية خلال القرن العشرين، عندما كانت وسيلة رئيسية للوصول إلى الجمهور والتأثير في الرأي العام عبر الحدود. وتعيد ذكرى نسف إذاعة سرية مؤيدة لمصر تسليط الضوء على واحدة من الوقائع الأقل تداولًا في تاريخ الانفصال السوري، وعلى المناخ المتوتر الذي رافق تلك المرحلة من العلاقات العربية.

زورونا على صفحة الفيسبوك 👇

https://www.facebook.com/share/1D4HTksdYM/

أماني رضا

محرر صحفي