ارتبط اسم الزعيم سعد زغلول بواحدة من أهم المحطات السياسية في التاريخ المصري الحديث، وهي تشكيل أول وزارة شعبية في مصر يوم 28 يناير عام 1924، عقب فوز حزب الوفد بأغلبية كبيرة في الانتخابات البرلمانية. وجاء هذا الحدث في مرحلة شهدت تحولات واسعة في الحياة السياسية، بعد ثورة 1919 وصدور دستور 1923، ليعكس تطلعات المصريين إلى المشاركة في الحكم وتوسيع دور المؤسسات النيابية في إدارة شؤون البلاد.
ولم يكن تشكيل الوزارة مجرد انتقال للسلطة التنفيذية إلى زعيم سياسي، بل جاء نتيجة سنوات من النضال الوطني والمطالبات بالاستقلال، في ظل استمرار النفوذ البريطاني وتعقيدات العلاقة بين القصر الملكي والحكومة والبرلمان. ولذلك احتلت حكومة سعد زغلول مكانة مهمة في تاريخ التجربة الدستورية المصرية.
سعد زغلول من قيادة الحركة الوطنية إلى رئاسة الحكومة
يُعد سعد زغلول أحد أبرز رموز الحركة الوطنية المصرية في مطلع القرن العشرين، فقد ارتبط اسمه بالدعوة إلى الاستقلال ومقاومة السيطرة البريطانية، كما كان من الشخصيات الرئيسية التي قادت الحراك الشعبي الذي شهدته البلاد عام 1919.
بدأت مرحلة جديدة في مسيرته السياسية مع تصاعد المطالب المصرية بتمثيل البلاد في مفاوضات السلام عقب الحرب العالمية الأولى، والعمل على إنهاء الحماية البريطانية. لكن السلطات البريطانية رفضت السماح للوفد المصري بالسفر لعرض مطالب الاستقلال، ثم اتخذت قرارًا بنفي سعد زغلول وعدد من رفاقه إلى مالطة في مارس 1919.
وأدى نفي الزعيم الوطني إلى اندلاع احتجاجات واسعة امتدت إلى مناطق مختلفة من مصر، وشارك فيها الطلاب والعمال والفلاحون والنساء، لتتحول الأحداث إلى واحدة من أبرز الثورات الشعبية في تاريخ البلاد الحديث.
ومع مرور السنوات، استمر سعد زغلول في العمل السياسي، وأصبح حزب الوفد الذي ارتبط بقيادته قوة رئيسية في الحياة العامة. وبعد عودته إلى مصر عام 1923، استعاد حضوره السياسي، بالتزامن مع تطورات دستورية وانتخابات برلمانية فتحت الطريق أمام وصول الوفد إلى الحكم.
كيف وصل سعد زغلول إلى رئاسة الحكومة؟
جاء تشكيل الحكومة بعد الانتخابات البرلمانية التي أُجريت في ظل دستور 1923، والتي حقق فيها حزب الوفد فوزًا كاسحًا، إذ حصد نحو 90% من مقاعد البرلمان وفقًا لما تذكره الروايات التاريخية المتداولة عن تلك الانتخابات.
وعكست النتيجة الشعبية الواسعة التي حظي بها الحزب بقيادة سعد زغلول، كما منحت الحكومة الجديدة قاعدة برلمانية قوية في مواجهة التحديات السياسية التي كانت تحيط بمصر في ذلك الوقت.
وفي 28 يناير 1924، كُلّف سعد زغلول بتشكيل الحكومة، ليصبح رئيسًا للوزراء في عهد الملك فؤاد الأول. وارتبطت هذه الخطوة ببداية مرحلة جديدة في النظام الدستوري المصري، إذ تولى زعيم منتخب سياسيًا رئاسة الحكومة مستندًا إلى أغلبية برلمانية واضحة.
وتُعرف حكومة سعد زغلول باسم أول وزارة شعبية في مصر، نظرًا إلى ارتباط تشكيلها بنتائج الانتخابات وبالأغلبية التي حققها حزب الوفد. وقد أصبحت هذه التجربة واحدة من المحطات التي يُستشهد بها عند تناول تطور الحياة النيابية في البلاد.

أول وزارة شعبية في مصر.. أبرز الوزراء وتشكيل الحكومة
تكونت حكومة سعد زغلول من 13 وزيرًا، وتولى سعد زغلول رئاسة مجلس الوزراء إلى جانب وزارة الداخلية. وضم التشكيل عددًا من الشخصيات السياسية التي لعبت أدوارًا مهمة في الحياة العامة المصرية خلال تلك المرحلة.
ومن أبرز الأسماء التي شاركت في الحكومة مصطفى النحاس، الذي تولى وزارة المواصلات، وواصف بطرس غالي، الذي تولى وزارة الخارجية، وأحمد ماهر، الذي تولى وزارة المعارف العمومية.
وجاء اختيار الوزراء في سياق محاولة إدارة شؤون الدولة في مرحلة سياسية دقيقة، كانت فيها الحكومة مطالبة بالتعامل مع قضايا الاستقلال والعلاقة مع بريطانيا، إلى جانب ملفات التعليم والإدارة والاقتصاد.
ولم تكن مسؤوليات الوزارة سهلة، إذ واجهت قيودًا سياسية ودستورية، فضلًا عن استمرار النفوذ البريطاني في عدد من الملفات المهمة. كما كانت العلاقة بين الحكومة والقصر الملكي من العوامل المؤثرة في قدرة السلطة التنفيذية على تنفيذ توجهاتها.
ورغم قصر عمر الحكومة، فإن تشكيلها مثّل تجربة مهمة في تاريخ مصر، وأظهر حجم التأثير الذي يمكن أن تحدثه الانتخابات البرلمانية في تشكيل السلطة التنفيذية.
ثورة 1919 ودورها في الوصول إلى الحكم
لا يمكن فهم تشكيل حكومة سعد زغلول بمعزل عن ثورة 1919، التي مثّلت نقطة تحول في الحركة الوطنية المصرية. فقد كشفت الثورة عن اتساع المطالبة الشعبية بالاستقلال، وأظهرت قدرة قطاعات مختلفة من المجتمع على المشاركة في العمل السياسي.
وكان سعد زغلول أحد أبرز الوجوه التي ارتبطت بهذه الحركة، واستفاد حزب الوفد من الرصيد الشعبي الذي اكتسبه خلال سنوات النضال الوطني.
ومع صدور دستور 1923، دخلت مصر مرحلة دستورية جديدة، رغم أن النظام السياسي ظل محاطًا بتحديات مرتبطة بصلاحيات الملك والتدخل البريطاني. وأتاحت الانتخابات التي أعقبت ذلك لحزب الوفد تحقيق أغلبية كبيرة، ما مهّد الطريق لتشكيل الحكومة.
وهكذا لم يكن وصول سعد زغلول إلى رئاسة الوزراء حدثًا منفصلًا عن سياقه، بل جاء نتيجة تفاعل طويل بين الحركة الوطنية والضغط الشعبي والتطورات الدستورية التي شهدتها البلاد.
المفاوضات مع بريطانيا والتحديات السياسية
واجهت حكومة سعد زغلول ملف العلاقة مع بريطانيا باعتباره أحد أهم التحديات أمامها. فقد كانت مسألة الاستقلال الكامل، إلى جانب الوجود البريطاني في مصر والسودان، من القضايا التي أثارت خلافات مستمرة بين الجانبين.
ودخل سعد زغلول في مفاوضات مع رئيس الوزراء البريطاني رامزي ماكدونالد، في محاولة لمعالجة الخلافات المتعلقة بمستقبل العلاقات بين البلدين. لكن المفاوضات لم تحقق النتائج التي كان الجانب المصري يسعى إليها، وظلت قضايا السيادة والاستقلال موضع خلاف.
وزادت الضغوط السياسية على الحكومة مع تصاعد التوتر بين مصر وبريطانيا، خصوصًا بعد اغتيال السير لي ستاك، سردار الجيش المصري والحاكم العام للسودان، في القاهرة في نوفمبر 1924.
وأعقب الحادث تصعيد بريطاني ومطالب شديدة للحكومة المصرية، وهو ما وضع سعد زغلول أمام أزمة سياسية كبيرة. وانتهت الأزمة باستقالة حكومته في نوفمبر 1924، لتطوى بذلك صفحة قصيرة لكنها مهمة في تاريخ الحياة السياسية المصرية.

لماذا تظل حكومة سعد زغلول علامة بارزة في التاريخ المصري؟
تنبع أهمية حكومة سعد زغلول من ارتباطها بتجربة انتخابية شهدت فوزًا واسعًا لحزب الوفد، ومن كونها جاءت في مرحلة كانت فيها مصر تحاول ترسيخ مؤسساتها الدستورية وتوسيع المشاركة السياسية.
كما أظهرت التجربة أن الحصول على أغلبية برلمانية لا يعني بالضرورة القدرة على تجاوز جميع القيود السياسية، خصوصًا في ظل الصراع على الصلاحيات بين الحكومة والقصر الملكي، واستمرار التدخل البريطاني في شؤون البلاد.
وعلى الرغم من انتهاء الحكومة بعد أقل من عام، بقيت تجربتها حاضرة في دراسة تطور النظام النيابي المصري، والعلاقة بين الإرادة الشعبية والسلطة التنفيذية، والتحديات التي واجهت محاولات بناء دولة دستورية مستقلة.
وفي النهاية، تمثل أول وزارة شعبية في مصر محطة مهمة في مسيرة سعد زغلول والحركة الوطنية، وذكرى تاريخية تعكس مرحلة سعى فيها المصريون إلى ترجمة مطالب الاستقلال والمشاركة السياسية إلى مؤسسات دستورية وحكومة تستند إلى أغلبية برلمانية.
زوروا صفحتنا علي الفيس بوك 👇
https://www.facebook.com/share/1E3qQqMXoL/




