مقالات

ضوضاء لم تختفِ من جهاز راديو.. كيف قادت إشارة مزعجة عام 1965 إلى اكتشاف أثر من بدايات الكون؟

لم يكن الباحثان الأمريكيان أرنو بنزياس وروبرت ويلسون يتوقعان أن تتحول ضوضاء مزعجة تصدر من هوائي راديو إلى واحد من أهم الاكتشافات في تاريخ علم الفلك والفيزياء الكونية. ففي عام 1965، وبينما كانا يحاولان التخلص من إشارة غامضة لا تختفي مهما تعددت محاولات ضبط الجهاز وتنظيف الهوائي، اكتشفا أن ما يسمعانه ليس تشويشًا عاديًا، بل إشارة قادمة من أعماق الكون، تحمل أثرًا حراريًا يعود إلى المراحل الأولى من نشأته.

كانت تلك الإشارة هي ما يُعرف باسم إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، وهو أحد أهم الأدلة العلمية التي دعمت نظرية الانفجار العظيم، وفتح نافذة غير مسبوقة أمام العلماء لفهم تاريخ الكون وتطوره منذ مراحله المبكرة وحتى الوقت الحاضر.

وتحمل هذه القصة مفارقة علمية لافتة؛ إذ بدأ الاكتشاف بمحاولة التخلص من ضوضاء غير مرغوب فيها، وانتهى بتقديم دليل مهم على أن الكون نفسه لا يزال يحتفظ بأثر من ماضيه السحيق.

إشارة غامضة أربكت الباحثين في هوائي الراديو

في ستينيات القرن العشرين، كان العالمان أرنو بنزياس وروبرت ويلسون يعملان في مختبرات بيل بالولايات المتحدة الأمريكية، مستخدمين هوائيًا راديويًا كبيرًا من نوع هولمدل هورن، كان مخصصًا لاستقبال الإشارات الراديوية وإجراء القياسات الدقيقة.

وأثناء العمل، لاحظ الباحثان وجود ضوضاء راديوية مستمرة تصل إلى جهاز الاستقبال، ولم يتمكنا من تفسير مصدرها. وكانت المشكلة أن الإشارة ظلت موجودة حتى بعد فحص المعدات ومحاولة استبعاد مصادر التشويش المحتملة.

لم تكن الضوضاء مرتبطة باتجاه معين للهوائي، كما لم تختفِ عند تغيير ظروف الرصد. وهذا ما دفع الباحثين إلى التعامل معها باعتبارها مشكلة تقنية تحتاج إلى تفسير.

فحص بنزياس وويلسون أجزاء الجهاز، وعملا على استبعاد تأثيرات البيئة المحيطة، كما اهتما بالتأكد من أن الإشارة ليست ناتجة عن خلل في المعدات أو مصادر تشويش قريبة.

ومن التفاصيل الشهيرة في القصة أنهما وجدا آثارًا لفضلات الحمام داخل الهوائي، فعملا على تنظيفه وإزالة ما يمكن أن يؤثر في القياسات، لكن الضوضاء استمرت.

وهنا بدأت الحيرة الحقيقية؛ فإذا كانت جميع الأسباب التقنية المحتملة قد خضعت للفحص، فما مصدر الإشارة التي لا تختفي؟

من ضوضاء عشوائية إلى إشعاع كوني يملأ الفضاء

بعد استمرار القياسات، اتضح أن الإشارة الغامضة لم تكن مرتبطة بمشكلة في الهوائي، وإنما كانت موجودة في جميع الاتجاهات تقريبًا، وتتميز بانتظام ملحوظ. والأهم أنها لم تكن تتغير بالطريقة التي يتوقعها العلماء من الإشارات الصادرة عن مصدر أرضي أو جسم فلكي محدد.

في الوقت نفسه، كان هناك فريق علمي آخر في جامعة برينستون بقيادة الفيزيائي روبرت ديك، يبحث في إمكانية رصد الإشعاع الحراري المتبقي من المراحل الأولى للكون.

كان هذا الفريق يعمل على اختبار فكرة علمية ترتبط بنظرية الانفجار العظيم، التي تفترض أن الكون بدأ من حالة شديدة الحرارة والكثافة، ثم أخذ يتمدد ويبرد على مدار مليارات السنين.

وعندما علم فريق برينستون بنتائج بنزياس وويلسون، أدرك أن الإشارة التي رصدها الباحثان قد تكون بالضبط ما كانوا يبحثون عنه.

وهكذا التقت ملاحظات فريقين علميين من اتجاهين مختلفين، لتتحول الضوضاء التي حيرت الباحثين إلى اكتشاف يغير فهم البشرية لتاريخ الكون.

ضوضاء لم تختفِ من جهاز راديو.. كيف قادت إشارة مزعجة عام 1965 إلى اكتشاف أثر من بدايات الكون؟
ضوضاء لم تختفِ من جهاز راديو

ما هو إشعاع الخلفية الكونية الميكروي؟

إشعاع الخلفية الكونية الميكروي هو إشعاع كهرومغناطيسي ضعيف يملأ الكون بأكمله تقريبًا، ويُعد بقايا حرارية من مرحلة مبكرة جدًا من تاريخ نشأة الكون.

فبعد الانفجار العظيم، كان الكون في حالة شديدة الحرارة، وكانت المادة والطاقة تتفاعلان بصورة مستمرة، ولم يكن الضوء قادرًا على الانتقال بحرية لمسافات طويلة بسبب كثافة الجسيمات المشحونة.

ومع استمرار تمدد الكون وانخفاض درجة حرارته، حدث تحول مهم بعد نحو 380 ألف سنة من الانفجار العظيم؛ إذ اتحدت الإلكترونات مع نوى الذرات لتكوين ذرات متعادلة، وأصبح الضوء قادرًا على التحرك بحرية عبر الفضاء.

وهذا الضوء القديم هو ما نرصده اليوم في صورة إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، بعد أن تمددت أطوال موجاته نتيجة تمدد الكون، وانخفضت درجة حرارته حتى أصبحت قريبة من 2.7 كلفن فوق الصفر المطلق.

وبعبارة مبسطة، فإن العلماء عندما يرصدون هذا الإشعاع، فإنهم لا يشاهدون الانفجار العظيم نفسه، وإنما يرصدون أقدم ضوء يمكننا مشاهدته مباشرة من الكون، وهو يحمل معلومات مهمة عن الظروف التي سادت في مراحله المبكرة.

كيف دعم الاكتشاف نظرية الانفجار العظيم؟

قبل هذا الاكتشاف، كان العلماء يناقشون نماذج مختلفة لتفسير نشأة الكون وتطوره، ومن بينها نظرية الانفجار العظيم ونموذج الكون المستقر.

وكانت نظرية الانفجار العظيم تتوقع وجود إشعاع حراري متبقٍ من المرحلة المبكرة للكون، لكن رصد هذا الإشعاع بصورة مباشرة كان يمثل تحديًا علميًا كبيرًا.

وعندما اكتشف بنزياس وويلسون الإشارة المستمرة، وجرى تفسيرها باعتبارها إشعاعًا كونيًا متبقيًا، أصبح لدى العلماء دليل رصدي بالغ الأهمية يدعم النظرية.

ولم يكن الأمر مجرد اكتشاف إشارة جديدة في الفضاء، بل كان تأكيدًا على أن الكون مر بمرحلة مبكرة شديدة الحرارة والكثافة، وأنه يتطور ويتغير مع مرور الزمن.

ومن هنا اكتسب إشعاع الخلفية الكونية الميكروي مكانة استثنائية في علم الكونيات، باعتباره أحد الأدلة الأساسية التي يستند إليها العلماء في دراسة تاريخ الكون.

بنزياس وويلسون.. اكتشاف غير متوقع وجائزة نوبل

لم يمر الاكتشاف دون تقدير علمي، فقد حصل أرنو بنزياس وروبرت ويلسون على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1978، تقديرًا لاكتشافهما الإشعاع الكوني الخلفي الميكروي.

وكانت الجائزة اعترافًا بأهمية النتائج التي توصلا إليها، وبالدور الذي لعبته في تطوير علم الفلك الراديوي وفهم المراحل الأولى من تاريخ الكون.

وتظل قصتهما مثالًا مهمًا على قيمة الملاحظة العلمية الدقيقة؛ فالباحث الناجح لا يكتفي بتجاهل الظواهر التي تبدو مزعجة أو غير مفهومة، بل يحاول معرفة أسبابها، حتى لو كانت خارج نطاق التوقعات الأولية.

فلو اعتبر الباحثان الإشارة مجرد خلل تقني عابر، أو توقفا عن محاولة تفسيرها، ربما تأخر التعرف على طبيعتها وأهميتها العلمية.

كيف واصل العلماء دراسة أقدم ضوء في الكون؟

لم يتوقف الاهتمام بهذا الإشعاع عند اكتشاف عام 1965، بل أصبح موضوعًا رئيسيًا للبعثات الفضائية والمراصد العلمية المتخصصة.

وفي عام 1989، أطلقت وكالة الفضاء الأمريكية ناسا القمر الصناعي «كوبي» (COBE)، بهدف دراسة إشعاع الخلفية الكونية وقياس خصائصه بدقة أكبر.

وقدمت المهمة نتائج مهمة، من بينها تأكيد أن طيف هذا الإشعاع يتوافق بدرجة مذهلة مع طيف الجسم الأسود عند درجة حرارة تقارب 2.725 كلفن، إلى جانب رصد اختلافات طفيفة جدًا في درجة حرارته من منطقة إلى أخرى.

وكان لهذه الاختلافات أهمية كبيرة؛ لأنها تمثل بذور التفاوتات الأولية في توزيع المادة، التي ساهمت الجاذبية في نموها بمرور الزمن، وصولًا إلى تكوين المجرات والتجمعات الكونية.

ثم جاءت مهمة «ويلكنسون» لقياس تباين إشعاع الخلفية الكونية (WMAP)، التي أطلقت عام 2001، لتقدم خرائط أكثر تفصيلًا للإشعاع وتساعد على تحسين تقديرات العلماء لخصائص الكون وعمره ومكوناته.

وفي عام 2009، أطلقت وكالة الفضاء الأوروبية القمر الصناعي «بلانك»، الذي قدم قياسات أكثر دقة لتقلبات الإشعاع، وأسهم في تطوير النموذج الكوني القياسي الذي يستخدمه العلماء لفهم تطور الكون.

وتوضح هذه المهمات كيف تحول اكتشاف بدأ بإشارة راديوية غامضة إلى مجال واسع من الأبحاث العلمية التي لا تزال تقدم معلومات جديدة عن طبيعة الكون.

ضوضاء لم تختفِ من جهاز راديو.. كيف قادت إشارة مزعجة عام 1965 إلى اكتشاف أثر من بدايات الكون؟
ضوضاء لم تختفِ من جهاز راديو

لماذا يُعد هذا الاكتشاف من أعظم إنجازات العلم الحديث؟

تكمن أهمية الاكتشاف في أنه منح العلماء فرصة لدراسة الكون في مرحلة مبكرة للغاية من تاريخه، بدلًا من الاعتماد فقط على النظريات والحسابات الرياضية.

فمن خلال تحليل هذا الإشعاع، يستطيع الباحثون التعرف على توزيع المادة والطاقة في الكون المبكر، ودراسة الظروف التي ساعدت على ظهور البنية الكونية التي نعرفها اليوم.

كما أن القياسات الدقيقة تساعد في اختبار النماذج العلمية المتعلقة بتمدد الكون ومكوناته وتطوره، وتفتح الباب أمام أسئلة جديدة حول طبيعة المادة المظلمة والطاقة المظلمة.

واللافت أن هذا الإشعاع لا يزال موجودًا حتى اليوم، رغم مرور مليارات السنين على انطلاق الضوء الذي يمثله، ليكون بمثابة سجل كوني يحتفظ بآثار مرحلة بعيدة للغاية من تاريخ الوجود.

من تشويش الهوائي إلى رسالة من عمر الكون

تظل قصة بنزياس وويلسون واحدة من أكثر القصص إلهامًا في تاريخ الاكتشافات العلمية؛ لأنها تؤكد أن الأسئلة الكبرى قد تبدأ أحيانًا من ملاحظة صغيرة لم يكن أحد يتوقع أهميتها.

فما اعتقده الباحثان في البداية ضوضاء مزعجة في جهاز راديو، تحول إلى دليل علمي ساعد البشرية على الاقتراب من فهم بدايات الكون.

وهكذا أصبح إشعاع الخلفية الكونية الميكروي شاهدًا على تاريخ كوني يمتد إلى مليارات السنين، وأثبت أن بعض أعظم الاكتشافات لا تأتي دائمًا من البحث عن إجابة محددة، بل قد تبدأ بمحاولة فهم شيء لا نعرف حتى الآن لماذا يحدث.

زوروا صفحتنا على فيسبوك 👇

https://www.facebook.com/share/1MzRgMuL1D/?mibextid=wwXIfr

دنيا أحمد

محرر صحفي