عرب وعالم

في مثل هذا اليوم عام 2004.. سهى عرفات تتهم قادة فلسطينيين بالتآمر على ياسر عرفات ووراثته قبل وفاته

في مثل هذا اليوم 8 نوفمبر عام 2004، شهدت الساحة الفلسطينية واحدة من أكثر الأزمات السياسية إثارة للجدل، بعدما أطلقت سهى عرفات، زوجة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، تصريحات حادة اتهمت خلالها عددًا من كبار المسؤولين الفلسطينيين بالتآمر على زوجها والسعي إلى وراثة سلطاته قبل وفاته، في الوقت الذي كان يرقد فيه داخل أحد المستشفيات العسكرية بالعاصمة الفرنسية باريس، وسط حالة صحية حرجة وغموض كبير بشأن تطورات وضعه الطبي.

وأثارت تصريحات سهى عرفات حالة واسعة من الجدل داخل الأوساط السياسية والإعلامية، بعدما وجهت اتهامات مباشرة إلى رئيس الوزراء الفلسطيني آنذاك أحمد قريع، ومحمود عباس، ووزير الخارجية الفلسطيني نبيل شعث، معتبرة أن توجههم إلى باريس لزيارة الرئيس الفلسطيني لم يكن مجرد زيارة للاطمئنان على صحته، وإنما محاولة للاستعداد لمرحلة ما بعده والاستحواذ على صلاحياته السياسية.

وجاءت هذه الواقعة في توقيت شديد الحساسية، إذ كانت المؤسسات الفلسطينية تواجه تحديًا كبيرًا بسبب تدهور الحالة الصحية للرئيس ياسر عرفات، الذي مثل لعقود طويلة الشخصية المحورية في القيادة الفلسطينية، وأحد أبرز رموز الحركة الوطنية الفلسطينية.

سهى عرفات تشعل أزمة سياسية بتصريحاتها في 8 نوفمبر 2004

بدأت تفاصيل الأزمة عندما أجرت سهى عرفات اتصالًا هاتفيًا مع قناة الجزيرة من مستشفى بيرسي العسكري في ضاحية كلامار الفرنسية، حيث كان زوجها يتلقى العلاج، ووجهت خلال المكالمة رسالة إلى الشعب الفلسطيني، عبرت فيها عن غضبها من زيارة الوفد الفلسطيني الذي كان يستعد للسفر إلى باريس.

في مثل هذا اليوم عام 2004.. سهى عرفات تتهم قادة فلسطينيين بالتآمر على ياسر عرفات ووراثته قبل وفاته
سهي عرفات

واستخدمت سهى عرفات عبارات شديدة اللهجة، وصفت خلالها المسؤولين المتوجهين إلى باريس بأنهم يسعون إلى وراثة زوجها وهو لا يزال على قيد الحياة، واتهمتهم بمحاولة دفنه سياسيًا قبل إعلان وفاته.

وكانت عبارتها التي تحدثت فيها عن محاولة «دفن عرفات حيًا» من أكثر التصريحات التي أثارت اهتمام وسائل الإعلام العربية والدولية، حيث تحولت المكالمة الهاتفية القصيرة إلى أزمة سياسية وإعلامية تجاوزت حدود الخلاف العائلي، لتفتح الباب أمام الحديث عن صراع محتمل على مستقبل القيادة الفلسطينية.

وأكدت سهى خلال حديثها أن ياسر عرفات لا يزال على قيد الحياة، وأنه سيعود إلى وطنه، في محاولة لطمأنة الفلسطينيين ورفض ما اعتبرته استعجالًا من بعض القيادات للحديث عن مرحلة ما بعد الرئيس.

من هم المسؤولون الذين وجهت إليهم سهى عرفات الاتهامات؟

تضمنت تصريحات زوجة الرئيس الفلسطيني ثلاثة أسماء بارزة في القيادة السياسية الفلسطينية آنذاك، وهم أحمد قريع ومحمود عباس ونبيل شعث.

وكان أحمد قريع يشغل منصب رئيس الوزراء الفلسطيني، بينما كان محمود عباس يشغل منصب أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وكان من أبرز الشخصيات السياسية المرشحة لتولي أدوار قيادية في حال غياب عرفات.

أما نبيل شعث، فكان يشغل منصب وزير الخارجية الفلسطيني، وشارك في التحركات الدبلوماسية المرتبطة بالوضع الصحي للرئيس الفلسطيني.

وكان من المقرر أن يتوجه المسؤولون الثلاثة إلى باريس لزيارة ياسر عرفات داخل المستشفى العسكري، والاطمئنان على حالته الصحية، والاستماع إلى التوضيحات الطبية بشأن تطورات مرضه.

لكن تصريحات سهى أثارت أزمة مفاجئة، ووضعت الزيارة أمام عقبة سياسية وإعلامية، بعدما اعتبرتها محاولة للتدخل في شؤون الرئيس الفلسطيني خلال فترة مرضه.

في مثل هذا اليوم عام 2004.. سهى عرفات تتهم قادة فلسطينيين بالتآمر على ياسر عرفات ووراثته قبل وفاته
ياسر عرفات

لماذا كانت زيارة باريس محل خلاف؟

لم تكن زيارة الوفد الفلسطيني إلى باريس مجرد تحرك بروتوكولي، بل جاءت في ظل حالة من الغموض بشأن الحالة الصحية لياسر عرفات، وتزايد التساؤلات حول طبيعة مرضه ومدى خطورته وإمكانية عودته إلى ممارسة مهامه السياسية.

وكان عرفات قد نُقل إلى فرنسا في أواخر أكتوبر 2004 لتلقي العلاج داخل مستشفى بيرسي العسكري، بعد تدهور حالته الصحية خلال وجوده في مقره بمدينة رام الله.

ومع استمرار تدهور وضعه الطبي، بدأت القيادات الفلسطينية في عقد اجتماعات لمناقشة كيفية إدارة المؤسسات الرسمية وضمان استمرار عمل السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير في حالة غياب الرئيس.

وأراد أحمد قريع ومحمود عباس ونبيل شعث الاطلاع على حقيقة الوضع الصحي للرئيس بأنفسهم، خاصة مع تضارب بعض المعلومات التي كانت تصل إلى المسؤولين الفلسطينيين بشأن حالته.

لكن سهى عرفات كانت ترفض، وفق ما ظهر في تصريحاتها، ما اعتبرته محاولات للتعامل مع زوجها باعتباره غائبًا عن المشهد السياسي قبل إعلان وفاته رسميًا.

رد فعل القيادة الفلسطينية على تصريحات سهى عرفات

أحدثت تصريحات سهى عرفات ارتباكًا واضحًا داخل القيادة الفلسطينية، وتسببت في تأجيل سفر الوفد إلى باريس في البداية، وسط حالة من الغضب والاستياء من الاتهامات التي وجهتها إلى كبار المسؤولين.

وأعرب أحمد قريع عن أسفه للتصريحات التي صدرت عن زوجة الرئيس، مؤكدًا أن ما حدث كان أمرًا مؤسفًا في توقيت تحتاج فيه الساحة الفلسطينية إلى التماسك والتنسيق بين مؤسساتها وقياداتها.

كما أثارت التصريحات نقاشًا واسعًا حول طبيعة العلاقة بين سهى عرفات وعدد من المسؤولين الفلسطينيين، خاصة فيما يتعلق بإدارة المعلومات الخاصة بالحالة الصحية للرئيس وإمكانية زيارة الشخصيات السياسية له داخل المستشفى.

وبعد حالة الجدل التي صاحبت الأزمة، تقرر استئناف التحرك نحو باريس، حيث توجه المسؤولون الفلسطينيون للوقوف على تطورات الحالة الصحية لعرفات والتواصل مع الأطباء والمسؤولين الفرنسيين.

الحالة الصحية لياسر عرفات كانت محور الأزمة

في ذلك الوقت، كان ياسر عرفات يعاني من حالة صحية خطيرة، وأكدت التصريحات الرسمية الفرنسية أن وضعه كان بالغ الخطورة ومعقدًا، رغم وصف حالته في بعض التصريحات بأنها مستقرة نسبيًا.

وكانت المعلومات الطبية المتاحة تشير إلى دخوله في غيبوبة، مع استمرار الأطباء في إجراء الفحوص والتحاليل اللازمة لمعرفة أسباب التدهور الصحي.

وفي المقابل، حاول نبيل شعث تقديم تطمينات بشأن بعض المؤشرات الطبية، وأوضح في تصريحات إعلامية أن عددًا من الوظائف الحيوية لأعضاء الجسم لا يزال يعمل، وأن الأطباء كانوا يتابعون تطورات الحالة.

وأصبح غياب المعلومات التفصيلية بشأن الحالة الصحية للرئيس أحد أبرز أسباب التوتر بين زوجته وعدد من المسؤولين الفلسطينيين، خصوصًا أن عرفات لم يكن مجرد رئيس للسلطة، بل كان رمزًا سياسيًا ارتبط اسمه بمراحل طويلة من تاريخ القضية الفلسطينية.

صراع الخلافة الفلسطينية يظهر إلى العلن

كشفت أزمة سهى عرفات عن حجم التحديات التي كانت تواجه القيادة الفلسطينية في تلك المرحلة، إذ كان غياب ياسر عرفات المحتمل يفتح الباب أمام تساؤلات كبيرة بشأن مستقبل السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية.

وكان أحمد قريع ومحمود عباس من أبرز الشخصيات الموجودة في دائرة القيادة الفلسطينية، وهو ما جعل اسميهما حاضرين بقوة في النقاشات المتعلقة بترتيبات المرحلة التالية.

ولم تكن القضية مرتبطة فقط بمنصب الرئيس، بل امتدت إلى مستقبل المؤسسات السياسية والأمنية والتنظيمية، وكيفية توزيع الصلاحيات وضمان عدم حدوث فراغ في القيادة.

وفي ظل هذه التطورات، بدأت المؤسسات الفلسطينية اتخاذ إجراءات للحفاظ على الاستقرار الداخلي، حيث عقدت اجتماعات سياسية وأمنية لمناقشة الأوضاع في الضفة الغربية وقطاع غزة، والعمل على منع حدوث اضطرابات في حالة غياب الرئيس.

وأصبحت الأزمة التي فجرتها سهى عرفات واحدة من أبرز اللحظات التي ظهر فيها الخلاف السياسي إلى العلن، بعدما كانت كثير من النقاشات حول مستقبل القيادة تدور بعيدًا عن وسائل الإعلام.

في مثل هذا اليوم عام 2004.. سهى عرفات تتهم قادة فلسطينيين بالتآمر على ياسر عرفات ووراثته قبل وفاته
سهي عرفات

ماذا حدث بعد تصريحات 8 نوفمبر 2004؟

لم تنته الأزمة بمجرد سفر الوفد الفلسطيني إلى باريس، بل استمرت تداعيات التصريحات خلال الأيام التالية، خاصة مع تزايد الاهتمام الإعلامي بوضع ياسر عرفات ومستقبل القيادة الفلسطينية.

وفي 11 نوفمبر 2004، أُعلن رسميًا عن وفاة الرئيس الفلسطيني داخل مستشفى بيرسي العسكري في فرنسا، عن عمر ناهز 75 عامًا، بعد أسابيع من تدهور حالته الصحية.

وشكل رحيله نهاية مرحلة مهمة في تاريخ القيادة الفلسطينية، وبداية مرحلة سياسية جديدة تولى خلالها محمود عباس دورًا قياديًا بارزًا، وسط ترتيبات دستورية وسياسية لإدارة المؤسسات الفلسطينية.

أما تصريحات سهى عرفات، فقد ظلت واحدة من أكثر الوقائع المثيرة للجدل المرتبطة بالأيام الأخيرة في حياة الرئيس الفلسطيني، واستُعيدت كثيرًا عند الحديث عن الظروف السياسية التي أحاطت بمرضه ووفاته.

ذكرى الواقعة.. يوم كشف الخلافات داخل القيادة الفلسطينية

تظل واقعة 8 نوفمبر 2004 محطة لافتة في التاريخ السياسي الفلسطيني الحديث، لأنها كشفت بصورة علنية عن التوترات التي صاحبت مرض ياسر عرفات، وأظهرت حجم القلق بشأن مستقبل القيادة في مرحلة كانت فيها القضية الفلسطينية تمر بظروف شديدة التعقيد.

كما سلطت تصريحات سهى عرفات الضوء على الخلافات المتعلقة بإدارة المعلومات الطبية وحق المسؤولين في زيارة الرئيس، إلى جانب التساؤلات حول ترتيبات انتقال السلطة والصلاحيات.

وفي استعادة هذه الواقعة، لا يمكن التعامل مع الاتهامات التي أطلقتها سهى باعتبارها حقائق مثبتة، بل باعتبارها تصريحات سياسية صدرت في لحظة استثنائية، وأثارت ردود فعل واسعة داخل فلسطين وخارجها.

وتبقى قصة سهى عرفات واتهاماتها لأحمد قريع ومحمود عباس ونبيل شعث واحدة من أبرز الأحداث التي شهدها يوم 8 نوفمبر عام 2004، بعدما تحولت أزمة زيارة مستشفى إلى مواجهة سياسية وإعلامية كشفت جانبًا من صراعات المرحلة التي سبقت رحيل ياسر عرفات.

زورونا على صفحة الفيسبوك 👇

https://www.facebook.com/share/1D4HTksdYM/

أماني رضا

محرر صحفي