مقالات

صفحات من تاريخ الوطن.. أول شهيدة في ثورة 19

صفحات من تاريخ الوطن.. أول شهيدة في ثورة 19

صفحات من تاريخ الوطن.. أول شهيدة في ثورة 19
د. ماهر جبر

كتب: د. ماهر جبر

عندما نتحدث عن المرأة المصرية ودورها في صنع تاريخ البلاد يقفذ إلى الذهن أسماء بعينها مثل هدى شعراوي، عائشة راتب، سهير القلماوي، صفية زغلول، سيزا نبراوي، ملك حفني ناصف، روزاليوسف، وغيرهم كثير من الأسماء التي تم تسليط الضوء عليها عمداً، فتم تدريسهم لنا في كتب التاريخ، وتحدثت عنهم وسائل الإعلام جميعها، وكأنهن فقط من صنعن التاريخ، دون إنكار أو رفض منا لدورهم الريادي العظيم.

لكن الحقيقة الغائبة أيضاً أن هناك من تم تجهيلهم عن عمد، ذلك أنهم كانوا من عامة الناس فلا حسب لهم ولا نسب، رغم أنهم سطروا في كتب التاريخ أسطر منيرة كتبت بمداد من ذهب، فتواروا متواضعين خلف أحلامهم التي تمثلت فقط في تحرير تراب هذا الوطن، وضحوا بأرواحهم دون طلب لشهرة أو جاه، واستحقوا أن يكونوا أعظم من هذه الأسماء التي لمعت وبقيت إلى الآن، بينما طويت صفحاتهم، ولم يعرفهم أحد، فهل حتى في الثورات لا تذوب الفوارق والطبقات؟.

نعم حتى في الثورات لا تذوب الفوارق والطبقات، فيوم احتفالنا بالمرأة هو ١٦ مارس، وهو اليوم الذي خرجت فيه مظاهرات نسائية عام ١٩١٩م تتقدمها هدى شعراوي، وغيرها من نساء الطبقة الراقية في ذلك الزمان، وقبل ذلك بيومين في يوم ١٤ مارس خرجت مظاهرة نسائية من عامة نساء مصر وسقطت شهيدات في ذلك اليوم، والسؤال ألم يكن من الأولى أن يكون يوم المرأة المصرية هو ذلك اليوم ونعاود الإحتفال به كلما مر علينا؟.

أول شهيدة

دعونا نتحدث عن أول شهيدة سقطت في تظاهرات ثورة 1919، ذلك أنه كان أول خروج للمرأة في ثورة، وكان بمثابة تغير إجتماعي كبير تمثل في مشاركة المرأة في ثورة جنباً الى جنب مع الرجل، فهل يعرف أحد من هي شفيقة محمد، أو حميدة خليل أول شهيدتين سقطتا يوم ١٤ مارس ١٩١٩، بلا شك لا يعرفهم أحد، كما لا نعرف غيرهم كثير من الشهيدات اللاتي سقطت أغلبهن دفاعاً عن أعراضهن، فكل ما ذُكر عن شفيقة محمد هو ما قالته هدى شعراوي في سطرين فقط من مذكراتها، حيث قالت عنها.

لن أنسى الأثر المحزن الذي أحدثه ضرب أول شهيدة مصرية، في نفوس الشعب عامة، وهي السيدة شفيقة بنت محمد، استشهدت في ريعان شبابها، فلم. يتخطى عمرها سوى28 عاماً، وقد شارك في جنازتها جموع الشعب بجميع طوائفه، حتى صارت جنازتها مظهراً من مظاهر الوطنية المشتعلة، ولم يأتي ذكر أي شهيدة أخرى سوى بالإسم فقط رغم أن عدد من استشهد من النساء برصاص الإنجليز بلغ اثنتين وعشرون إمرأة، لذا رأينا من حقهم علينا أن نذكرهم، كي نزيح عنهم هذا الظلم، ونعرف الأجيال الحالية، أن عظماء هذه الأمة ليسوا رجالها فقط، إنما استمد رجالها هذه العظمة من نسائها، فكن وقود الثورة ومشعلات جذوتها، وهكذا دور المرأة المصرية دائماً فهي سند الرجل، وساعده الأيمن.

شهيدات من النساء

غير أنه قد وقع الخلاف بين من كتبوا عن ذلك اليوم، يوم 14 مارس 1919م، وهو يوم سقوط شهيدات من النساء في شتى ربوع مصر، وكان الخلاف حول أول شهيدة سقطت، هل هي شفيقة محمد، أم حميدة خليل، وأرى أن ذلك لا يجب أن يكون نقطة خلاف تستغرق جهد الباحثين، إنما يجب تسليط الضوء على حياتهم، بل وعلى حياة كل شهيدات ذلك اليوم، فنحن لا نعرف عنهم شيئاً فيما يتعلق بحياتهم الخاصة، أو لأي التنظيمات ينتمون؟، فهل تحركوا وتظاهروا بتحريض من الجهاز السري للثورة وقائده عبد الرحمن فهمي، أم كانت تظاهرتهم من تلقاء أنفسهم.

على أن الكشف عن الجوانب الإنسانية في حياة هؤلاء الفدائيات سيقودنا حتماً الى تخليدهم، ويحتم علينا ذكرهم وتعريف الأجيال الحالية بهم، حتى يكونوا نبراساً وسراجاً منيراً نهتدي به في هذا الظلام الحالك الذي نعيش فيه، لربما تنقشع عن بصيرتنا هذه السحب القاتمة، وهذا الضباب الكثيف الذي حجب عنا الرؤيا فأصبحنا لا نرى بأعيننا ولا بقلوبنا، هذا هو ما يجب البحث والتنقيب عنه، لا أن نختلف حول أيهما سقطت شهيدة أولاً، كلهن فدائيات ضحوا بأرواحهم من أجلنا، كلهن تاج فوق روؤسنا، وكلهن دولت فهمي التي لا يعرفها أحد، لذا سأذكر لكم أسمائهم الآن، ثم سأبحث عن الجوانب الشخصية والإنسانية في حياة كل هؤلاء الشهيدات، وسأقدمهم تباعاً إنشاءالله في مقالات واحدة تلو الأخرى.

أسماء فدائيات

أسماء فدائيات سقطن شهداء وجاء ذكرهم في كتاب أسرار ثورة 19 للكاتب الكبير مصطفى أمين وهن، حميدة خليل من الجمالية واستشهدت فى 14 مارس، سيدة حسن من المناصرة بحى عابدين استشهدت يوم 18 مارس، شفيقة محمد من حى الخليفة استشهدت فى 11 أبريل، سيدة بدران من كفر الوزير، ميت القرشى مركز ميت غمر، دقهلية، واستشهدت فى 23 مارس، رقية أحمد متولى استشهدت فى 27 مارس من تفهنا الأشراف، حنيفة أم عجوة استشهدت فى 28 مارس، من بلدة دنديط، ميت غمر، أم محمد جاد، ويمنى صبيح من منيا القمح، سقطتا يوم 16 مارس، وفى 19 مارس فى الفيوم استشهدت حميدة سليمان وفاطمة محمود ونعمات محمد، وفى 24 مارس فى أسيوط استشهدت أختان هما فائقة عبدالله الشامى ونجية عبدالله الشامى.

نعيمة عبد الحميد

وفى 15 مارس بالجيزة استشهدت نعيمة عبدالحميد محمد، وفى قرية العزيزية فى 25 مارس استشهدت السيدة عالية، زوجة الشيخ حسن الجزار، وهى تدافع عن عرضها ضد سفالة الجنود الإنجليز، وفى 30 مارس فى نزلة الشوبك استشهدت زوجة سليمان محمود الفوال وهى تدافع عن عرضها أيضاً، وفى 10 أبريل بالقاهرة سقطت؛ عائشة عمر بالسروجية ببولاق، والسيدة فهيمة رياض فى الدرب الأحمر، وبالإسكندرية استشهدت الآنسة فهيمة دهمان يوم 24 أكتوبر، ونعيمة على فى 31 أكتوبر، ومن عابدين بالقاهرة استشهدت السيدة عائشة محمد، عاشت مصر حرة مستقلة برجالها ونسائها.
تحية إجلال وتعظيم لكل إمرأة مصرية على مر التاريخ، ليس في يوم محدد فقط، بل في كل لحظة ، فكل الأيام أيامها أينما نزلت أو حلت.

مايسة عبد الحميد

نائب رئيس مجلس إدارة الموقع
زر الذهاب إلى الأعلى