في مثل هذا اليوم 29 أكتوبر عام 1956، بدأت القوات الإسرائيلية هجومها على شبه جزيرة سيناء، في خطوة مثّلت بداية العدوان الثلاثي على مصر، الذي شاركت فيه بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، عقب قرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس. وشهدت تلك المرحلة واحدة من أخطر المواجهات العسكرية والسياسية في تاريخ مصر الحديث، بعدما تحولت أزمة القناة إلى عدوان عسكري استهدف الأراضي المصرية ومكانة الدولة في المنطقة.
ويُعد العدوان الثلاثي على مصر من الأحداث المفصلية التي كشفت تمسك المصريين بحقهم في إدارة قناة السويس، وأظهرت حجم الصراع الدولي حول الممر الملاحي الاستراتيجي، كما ارتبطت هذه المواجهة بمقاومة شعبية بارزة، خاصة في مدينة بورسعيد، التي أصبحت رمزًا للصمود في مواجهة القوات المعتدية.
العدوان الثلاثي على مصر.. كيف بدأت المواجهة؟
بدأت أحداث العدوان الثلاثي على مصر في 29 أكتوبر 1956، عندما شنت إسرائيل هجومًا على سيناء، مستهدفة التقدم داخل الأراضي المصرية والوصول إلى مناطق استراتيجية بالقرب من قناة السويس. وجاء الهجوم ضمن خطة اتفقت عليها الدول الثلاث، بهدف خلق مبرر للتدخل البريطاني والفرنسي عسكريًا في منطقة القناة.
وكانت الخطة تقوم على أن يؤدي الهجوم الإسرائيلي إلى مواجهة بين القوات المصرية والإسرائيلية، ثم توجه بريطانيا وفرنسا إنذارًا إلى الطرفين، يتضمن مطالب تتعلق بالابتعاد عن قناة السويس، بما يتيح لهما التدخل العسكري والسيطرة على مناطق حيوية بحجة حماية الملاحة الدولية.
لكن التطورات كشفت أن الأزمة لم تكن مجرد خلاف عسكري على الحدود، بل كانت مواجهة مرتبطة بمستقبل قناة السويس وقرار مصر ممارسة سيادتها على أحد أهم الممرات المائية في العالم.

تأميم قناة السويس.. القرار الذي سبق العدوان
تعود جذور الأزمة إلى 26 يوليو 1956، عندما أعلن جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس خلال خطاب جماهيري ألقاه في الإسكندرية. وكان القرار يعني انتقال إدارة الشركة إلى الدولة المصرية، في إطار توجه الدولة نحو تعزيز استقلالها الاقتصادي والسياسي.
وجاء التأميم بعد سنوات من الجدل حول النفوذ الأجنبي في مصر، وفي ظل رغبة القيادة المصرية في توفير موارد تساعد على تنفيذ مشروعات التنمية، وفي مقدمتها مشروع السد العالي، بعد تعثر ترتيبات التمويل الدولي.
وأثار القرار غضب بريطانيا وفرنسا، اللتين كانتا تنظران إلى قناة السويس باعتبارها ممرًا بالغ الأهمية لمصالحهما التجارية والاستراتيجية. كما كانت إسرائيل تمتلك حساباتها الخاصة المرتبطة بالأمن والحدود والعلاقة مع مصر.
ومن هنا تصاعدت الأزمة السياسية والدبلوماسية، وصولًا إلى التنسيق بين الدول الثلاث، الذي مهّد لاندلاع العدوان الثلاثي على مصر في نهاية أكتوبر من العام نفسه.
لماذا شاركت بريطانيا وفرنسا في العدوان؟
كانت لقناة السويس أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة إلى بريطانيا وفرنسا، إذ تمثل طريقًا رئيسيًا لحركة التجارة والنقل البحري، كما ارتبطت بها مصالح اقتصادية وسياسية واسعة.
ورأت بريطانيا أن تأميم القناة يمثل تراجعًا لنفوذها في مصر والمنطقة، بينما ارتبط الموقف الفرنسي أيضًا بالخلاف مع القاهرة بسبب دعم مصر لحركات التحرر الوطني، وفي مقدمتها الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي.
أما إسرائيل، فقد ارتبطت مشاركتها بأهداف عسكرية وسياسية، من بينها إضعاف القدرات المصرية وتحقيق مكاسب استراتيجية في سيناء وقطاع غزة، في ظل التوترات المتصاعدة بين الجانبين.
واجتمعت هذه المصالح المختلفة في خطة عسكرية واحدة، عُرفت باسم العدوان الثلاثي، لتبدأ إسرائيل الهجوم على سيناء في 29 أكتوبر، ثم تدخلت بريطانيا وفرنسا عسكريًا في الأيام التالية.
من سيناء إلى بورسعيد.. تصاعد العمليات العسكرية
بعد بداية الهجوم الإسرائيلي على سيناء، وجهت بريطانيا وفرنسا إنذارًا إلى مصر وإسرائيل في 30 أكتوبر 1956، وطالبتا الطرفين بالابتعاد عن قناة السويس، مع تضمين الإنذار مطالب كان من شأنها إتاحة التدخل والسيطرة على مواقع استراتيجية في منطقة القناة.
ورفضت مصر الإنذار، لتبدأ بريطانيا وفرنسا في 31 أكتوبر عمليات القصف الجوي والبحري ضد أهداف مصرية، قبل تنفيذ عمليات إنزال في بورسعيد وبورفؤاد يوم 5 نوفمبر.
وشهدت بورسعيد معارك عنيفة بين القوات المعتدية والمقاومة المصرية، وشارك الأهالي إلى جانب القوات المدافعة في مواجهة الهجوم، ما جعل المدينة رمزًا للمقاومة الشعبية في تاريخ مصر الحديث.
كما تعرضت قناة السويس لأضرار جسيمة، وتعطلت الملاحة فيها نتيجة غرق سفن ووحدات بحرية في المجرى الملاحي، الأمر الذي استلزم لاحقًا عمليات واسعة لانتشال الحطام وإعادة فتح القناة أمام حركة السفن.

صمود المصريين والضغوط الدولية لوقف العدوان
لم تقتصر مواجهة العدوان الثلاثي على العمليات العسكرية، بل امتدت إلى الساحة الدولية، حيث تصاعدت الضغوط السياسية المطالبة بوقف القتال وانسحاب القوات المعتدية من الأراضي المصرية.
وكان للموقف الدولي دور مهم في إنهاء العمليات، مع تزايد الضغوط على بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، وصدور قرارات أممية تدعو إلى وقف إطلاق النار والانسحاب.
وفي 6 نوفمبر 1956، بدأ تنفيذ وقف إطلاق النار، بينما اكتمل انسحاب القوات البريطانية والفرنسية من مصر في 22 ديسمبر من العام نفسه. أما القوات الإسرائيلية، فانسحبت من سيناء وقطاع غزة في مارس 1957.
وأظهرت الأزمة حدود قدرة القوى الاستعمارية التقليدية على فرض إرادتها بالقوة، كما عكست أهمية التوازنات الدولية ودور الأمم المتحدة في التعامل مع النزاعات المسلحة.
قناة السويس بعد العدوان الثلاثي
كان من أبرز آثار العدوان الثلاثي على مصر توقف الملاحة في قناة السويس بسبب الأضرار التي لحقت بالمجرى الملاحي وغرق عدد من السفن. وبدأت جهود تطهير القناة وانتشال الحطام تمهيدًا لاستعادة حركة التجارة البحرية.
واستؤنفت الملاحة في القناة في 29 مارس 1957، بعد الانتهاء من جانب من أعمال التطهير وإزالة العوائق التي خلفتها الحرب، لتعود القناة تدريجيًا إلى أداء دورها الحيوي في حركة التجارة العالمية.
ولم تكن عودة الملاحة مجرد خطوة اقتصادية، بل حملت دلالة سياسية مهمة، إذ أكدت استمرار إدارة مصر لقناتها وقدرتها على تجاوز آثار العدوان واستعادة العمل في هذا الممر الملاحي الدولي.

ذكرى العدوان الثلاثي.. محطة بارزة في تاريخ مصر
تبقى ذكرى 29 أكتوبر 1956 مرتبطة ببداية العدوان الثلاثي على مصر، حين اجتاحت القوات الإسرائيلية سيناء ضمن خطة شاركت فيها بريطانيا وفرنسا لاحقًا. وقد كشفت هذه الأحداث عن حجم الصراع على قناة السويس، وعن ارتباط استقلال القرار الوطني بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية للدول الكبرى.
كما تظل مقاومة بورسعيد وصمود المصريين جزءًا بارزًا من الذاكرة الوطنية، بما حملته من تضحيات في مواجهة العدوان والدفاع عن الأراضي المصرية.
وتؤكد دراسة هذه المرحلة أهمية قراءة الأحداث في سياقها التاريخي، بدءًا من تأميم قناة السويس، مرورًا بالهجوم على سيناء والتدخل البريطاني والفرنسي، وصولًا إلى وقف إطلاق النار وانسحاب القوات المعتدية. فقد شكل العدوان الثلاثي منعطفًا مهمًا في تاريخ مصر الحديث، وترك آثارًا سياسية وعسكرية واقتصادية امتدت إلى ما بعد انتهاء العمليات.
زوروا موقعنا على الفيس بوك 👇
https://www.facebook.com/share/1F3VGfJ5K8/?mibextid=wwXIfr




