قصص ورواياتمقالات

الأم عند نجيب محفوظ بين “الثلاثية” و”بداية ونهاية”

الأم عند نجيب محفوظ بين “الثلاثية” و”بداية ونهاية”

الأم عند نجيب محفوظ بين "الثلاثية" و"بداية ونهاية"
د. طارق منصـور

كتب/د. طارق منصـور
كاتب وروائي

في روايات الكاتب الكبير نجيب محفوظ، الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1988، تظهر الأم جلية ولها ملامح وسمات محددة في عدد من أعماله الأدبية التي مثلت في السينما المصرية، ونأخذ منها مجموعته أو ثلاثيته المشهورة، بين القصرين (1956)، قصر الشوق (1957)، السكرية (1957)، ورواية بداية ونهاية.
ففي الثلاثية نقابل الحاجة أمينة زوجة سي السيد، ذلك الرجل الشرقي السلطوي، ابن البلد في ذات الوقت، إلا أنه رجل يمشي وراء نزواته وشهواته، وينطبق عليه القول الشائع في “البيت أسد وأمام نزواته نعامة”، فلا يجرؤ أحد في بيته العامر على منازعته أو الوقوف أمامه منحنيا أو متعرجا في قوله. أما صوت سي السيد فهو الصوت الأوحد في المنزل، ولا رأي يسبق رأيه أو يعقبه. فالكل في منزل المعلم سي السيد تم اختزال أصواتهم في صوت واحد، صوت الأب السلطوي، المزدوج الشخصية.
ولعل كل من شاهد الأفلام التي انتجت عن ثلاثية نجيب محفوظ يتذكر توا شخصية الحاجة أمينة، ذات القول الأشهر “الحسين ناداني يا سي سيد”. فقد صور نجيب محفوظ الأم الشرقية في ثلاثيته على أنها امرأة شديدة الطاعة أو منكسرة تخشى غضب زوجها، والتي تؤمن بأن طاعته يجب أن تكون مطلقة، ولا ينازعه في السيادة عليها أحد، ولا حتى أولادها.
ورغم أن الحاجة أمينة هي شريكته في الحياة، إلا أنها لم تكن لتجرؤ على أن تقترب من الطعام قبله أو تجلس معه في ذات الوقت على صينية الطعام، بل تظهر دوما واقفة بجوار أولادها حتى ينتهي سي السيد من طعامه. وإذا همت بالقول عليها أن تفكر مليا في كلماتها وعباراتها خشية أن يخرج من فمها ما يغضبه، فكان عليها إما أن تؤثر السلامة وتصادق الكتمان أو إنها تتوكل على الله وتطلق لسانها وتتحمل عاقبة المغامرة.
وعندما خرجت ذات يوم من بيتها لزيارة ضريح سيدنا الحسين، انزلقت قدمها وكسرت، وهنا الطامة الكبرى، فقد طرأ على جسدها ما سيفضح أمرها وأنها خالفت تعليمات سي السيد بألا تغادر المنزل مهما حدث. فتظهر هنا الحاجة أمينة في صورة المرأة المغلوبة على أمرها، والتي لا يمكن أن تتحرك قيد أنملة إلا بإذن زوجها، وإلا نالت ما لا ترضاه.
أما في رواية “بداية ونهاية” هناك الأم التي تواجه مع أبنائها صدمة الفقد الذي تتعرض له وأبنائها جراء وفاة زوجها، ليتحتم عليها مواجهو أعباء الحياة وتعليم أبنائها وتربيتهم بقدر ما تستطيع.
يشير نجيب محفوظ دائما إلى شخصية الأم المحورية في “بداية ونهاية” بلقبها، وليس باسم معين كما في رواية السراب “زينب”، وفي الثلاثية “أمينة”، فيقول دائما في بداية ونهاية: “واجتمع الأبناء حول أمهم، وهم يشعرون بأنه آن لهم أن يسمعوا لها، وكانت الأم تعلم بأنه ينبغي لها أن تتكلم.”
هكذا يضفي محفوظ طابعا أسطوريا على الأم في “بداية ونهاية” ويضعها في دائرة المركز، التي يجتمع حولها الأبناء، ويجعل صوتها هو المهيمن على هذا المشهد المفجع بينما تزف إليهم خبر إفلاسهم ومعاناتهم المقبلة، ومن بين ما تقوله لهم: “لن يكون في الإمكان إعطاؤكما أي مصروف يومي، ومن حسن الحظ أن المصروف ينفق عادة في وجوه تافهة.”
وفي موضع آخر من نفس المشهد نلاحظ كيف ركز نجيب محفوظ على ألا يذكر الأم وهي تجادل أبنائها على ضرورة تناول الوجبات المدرسية، إلا معرفا بالألف واللام، على حد تعبير وجدي الكومي، كأنه يمنحها صولجانا بأداة التعريف، يقول: “فقالت الأم بامتعاض: “من يدري فلعله لن يتاح للبيت الطعام الذي تحب.”
ثم وهي تخاطب ابنها الأكبر، يصف نجيب محفوظ ببراعة مشاعرها تجاهه” هذا أكبر الأبناء، أول من أيقظ أمومتها. لكنه دليل ملموس على أن الأمومة قد تتأثر بأمور لا تمت للفطرة بسبب.
وتظل الأم هنا في “بداية ونهاية” رمزا لكثير من الأمهات المصريات اللاتي يدبرن شؤون حياتهن اليومية بحكمة واقتدار، وتراقب بعينيها مسارات الحياة في المنزل وتنظم العلاقة بين أبنائها بهدوء وثبات وتسليم للقضاء والقدر. فالأم هنا أيضا يمكن أن نسميها “أما قدرية”، أي تؤمن بقدرها المحتوم وتسلم أمرها لخالقها، وليكن ما يكون في الغد الذي سيهل عليها وعلى أولادها وبيتها خال مما يقتاتون به.
على كل، أظهر نجيب محفوظ الأم في الثلاثية بصورة لا تشكل واقع الأم المصرية المتدفقة حنانا وصبرا وعذوبة، وهي ذات الأم التي تطلق لمشاعرها العنان لتحلق في سماء كل بيت فتشع فيه نورا. لكنه آثر أن يبرز نموذجا كان موجودا في ذلك الزمن المحافظ، الذي يراعي الناس فيه كافة التقاليد والأعراف المتوارثة دون أن يتفكروا في أمرها. بينما جاءت صورتها في رواية بداية ونهاية مثالا حيا لكثير من الأمهات اللواتي نقابلهن صبيحة كل يوم ونقرأ على جباههم طلاسم الأيام التي تنشد من يفكها ويرحمها من حياة بائسة لم تخترها بإرادتها، لكنه القدر ومشيئته التي لا محيص منها.
على أية حال، مهما كانت صورة الأم على صفحات الأدباء فإن الواقع يدعونا أن نفخر بأمهاتنا جميعا، سواء أكانت على هيئة أمينة زوجة سي السيد أم على هيئة أمي التي كانت تؤمن أيضًا بأن أبي هو من يحمل مفتاح الحياة لنا “عنخ” فكل عام وأمهاتنا بخير.

زر الذهاب إلى الأعلى