أخبار عالمية

في مثل هذا اليوم 6 نوفمبر 1956.. وقف العدوان الثلاثي على مصر بعد اتفاق بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على وقف العمليات العسكرية

في مثل هذا اليوم، 6 نوفمبر عام 1956، شهدت مصر والعالم تطورًا تاريخيًا مهمًا خلال أزمة العدوان الثلاثي، بعدما وافقت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على وقف العمليات العسكرية ضد مصر، في خطوة جاءت بعد تصاعد الضغوط الدولية والمقاومة المصرية للعدوان، الذي استهدف الأراضي المصرية عقب قرار الرئيس الراحل جمال عبدالناصر تأميم قناة السويس.

ويُعد هذا اليوم من المحطات البارزة في تاريخ مصر الحديث، إذ ارتبط بأحداث العدوان الثلاثي الذي شنته الدول الثلاث على مصر في أكتوبر 1956، في محاولة للسيطرة على قناة السويس وإجبار القيادة المصرية على التراجع عن قرار التأميم.

ولم تكن المواجهة مجرد عملية عسكرية، بل مثلت اختبارًا كبيرًا للإرادة الوطنية المصرية، كما كشفت عن تحولات مهمة في موازين القوى الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبحت أزمة السويس واحدة من أبرز الأحداث التي أثرت في شكل العلاقات الدولية خلال القرن العشرين.

تأميم قناة السويس.. الشرارة التي سبقت العدوان الثلاثي

بدأت الأزمة في 26 يوليو 1956، عندما أعلن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر تأميم شركة قناة السويس، خلال خطابه الشهير في ميدان المنشية بمدينة الإسكندرية، مؤكدًا أن القناة أصبحت ملكًا للدولة المصرية، وأن عائداتها ستُستخدم في تمويل المشروعات الوطنية، وعلى رأسها مشروع بناء السد العالي.

وجاء القرار بعد رفض الولايات المتحدة وبريطانيا تمويل مشروع السد العالي، وفي ظل رغبة مصر في تعزيز استقلالها الاقتصادي والسياسي، وإنهاء النفوذ الأجنبي على أحد أهم الممرات المائية في العالم.

وأثار قرار التأميم غضب بريطانيا وفرنسا، اللتين كانتا تمتلكان مصالح اقتصادية وسياسية كبيرة في القناة، كما اعتبرته إسرائيل تطورًا يزيد من قوة مصر الإقليمية.

وبعد فشل المحاولات السياسية والدبلوماسية للتراجع عن قرار التأميم، اتجهت الدول الثلاث إلى التخطيط لعمل عسكري مشترك ضد مصر، وهو ما انتهى بالعدوان الذي عُرف تاريخيًا باسم العدوان الثلاثي.

العدوان الثلاثي على مصر.. بداية الهجوم في أكتوبر 1956

في 29 أكتوبر 1956، بدأت القوات الإسرائيلية هجومها على شبه جزيرة سيناء، وتقدمت باتجاه قناة السويس، في إطار خطة عسكرية سرية جرى الاتفاق عليها بين إسرائيل وبريطانيا وفرنسا.

وبعد ذلك، وجهت بريطانيا وفرنسا إنذارًا إلى مصر وإسرائيل للمطالبة بوقف القتال والابتعاد عن منطقة القناة، مع طلب السماح للقوات البريطانية والفرنسية بالتمركز في مواقع استراتيجية داخل الأراضي المصرية.

ورفضت مصر الإنذار، باعتباره تدخلًا في سيادتها الوطنية وذريعة لاحتلال أراضيها، لتبدأ القوات البريطانية والفرنسية في شن غارات جوية على المطارات والمنشآت العسكرية المصرية يوم 31 أكتوبر.

وفي 5 نوفمبر، نفذت القوات البريطانية والفرنسية عمليات إنزال عسكري في منطقة بورسعيد، واستطاعت التقدم في بعض المناطق، وسط مقاومة مصرية ومواجهات عنيفة، خاصة في مدينة بورسعيد التي أصبحت رمزًا للمقاومة الشعبية والوطنية.

وشارك أهالي المدينة إلى جانب القوات المصرية في مواجهة قوات الاحتلال، وقدموا نماذج من التضحية والصمود، بعدما تحولت الشوارع والمباني إلى ساحات للمقاومة.

في مثل هذا اليوم 6 نوفمبر 1956.. وقف العدوان الثلاثي على مصر بعد اتفاق بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على وقف العمليات العسكرية
العدوان الثلاثي على مصر

6 نوفمبر 1956.. الضغوط الدولية تفرض وقف إطلاق النار

مع تصاعد العمليات العسكرية، بدأت الضغوط الدولية تتزايد على الدول المعتدية، خاصة من جانب الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، إلى جانب التحركات داخل منظمة الأمم المتحدة لوقف الحرب ومنع اتساع نطاق المواجهة.

وكان للموقف الأمريكي تأثير مهم في دفع بريطانيا وفرنسا إلى قبول وقف العمليات العسكرية، إذ واجهت الحكومة البريطانية ضغوطًا اقتصادية ومالية متزايدة، من بينها أزمة الجنيه الإسترليني، إلى جانب المعارضة الدولية والاحتجاجات الشعبية على الحرب.

وفي 5 نوفمبر، كانت إسرائيل قد أعلنت قبولها وقف إطلاق النار دون شروط، بينما أرسلت بريطانيا وفرنسا في 6 نوفمبر ردودهما إلى الأمين العام للأمم المتحدة داغ همرشولد، معلنتين الاستعداد لوقف العمليات العسكرية بشرط التأكد من قبول مصر وإسرائيل وقف إطلاق النار، ووجود قوة دولية قادرة على متابعة تنفيذ القرار الأممي.

وبالفعل، دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ عند منتصف ليل 6-7 نوفمبر 1956، لتتوقف العمليات العسكرية البريطانية والفرنسية والإسرائيلية في إطار الاتفاق الذي جاء بعد أيام من القتال والهجوم على الأراضي المصرية.

لكن وقف إطلاق النار لم يكن معناه الانسحاب الفوري للقوات المعتدية من مصر، إذ استمرت المفاوضات والترتيبات الدولية الخاصة بإنهاء الاحتلال وتنظيم انسحاب القوات الأجنبية، وهي عملية استغرقت عدة أسابيع وشهورًا بالنسبة للقوات الإسرائيلية.

الأمم المتحدة تتدخل وتؤسس أول قوة طوارئ دولية

كان لأزمة العدوان الثلاثي تأثير كبير على دور الأمم المتحدة، التي تحركت لوقف الحرب بعدما تعذر الوصول إلى قرار داخل مجلس الأمن بسبب استخدام بريطانيا وفرنسا حق النقض ضد مشروعات قرارات تطالب بوقف العدوان.

وانتقلت القضية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي عقدت أول دورة استثنائية طارئة لها في نوفمبر 1956، وأصدرت القرار رقم 997 في 2 نوفمبر، مطالبًا بوقف إطلاق النار وانسحاب القوات الأجنبية من الأراضي المصرية.

كما صدر القرار رقم 998 في 4 نوفمبر، الذي طلب من الأمين العام للأمم المتحدة إعداد خطة لتشكيل قوة طوارئ دولية للإشراف على وقف القتال ومتابعة انسحاب القوات المعتدية.

وكانت هذه الخطوة بداية تأسيس أول قوة طوارئ تابعة للأمم المتحدة، عُرفت باسم «UNEF»، لتصبح سابقة مهمة في تاريخ عمليات حفظ السلام الدولية.

وجاء تشكيل هذه القوة بهدف الإشراف على انسحاب القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية، ثم العمل كقوة فاصلة بين القوات المصرية والإسرائيلية، بما يساعد على منع تجدد المواجهات العسكرية.

انسحاب القوات المعتدية وعودة السيادة المصرية

لم يتوقف الأمر عند إعلان وقف إطلاق النار، بل بدأت مرحلة جديدة من الضغوط والمفاوضات الدولية التي استهدفت إنهاء الوجود العسكري الأجنبي داخل الأراضي المصرية.

وانسحبت القوات البريطانية والفرنسية من منطقة قناة السويس بحلول 22 ديسمبر 1956، بينما استمر الانسحاب الإسرائيلي من سيناء حتى 8 مارس 1957.

وكان لهذا الانسحاب أهمية كبيرة في تثبيت الموقف المصري، إذ احتفظت مصر بسيادتها على قناة السويس، ولم تنجح الدول المعتدية في تحقيق هدفها المتمثل في إجبار الرئيس جمال عبدالناصر على التراجع عن قرار التأميم.

كما أعيد فتح قناة السويس أمام الملاحة الدولية في أبريل 1957، بعد إزالة آثار الحرب والعوائق التي تسببت في إغلاق الممر الملاحي.

في مثل هذا اليوم 6 نوفمبر 1956.. وقف العدوان الثلاثي على مصر بعد اتفاق بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على وقف العمليات العسكرية
العدوان الثلاثي على مصر

بورسعيد رمز الصمود والمقاومة الشعبية

احتلت مدينة بورسعيد مكانة خاصة في تاريخ العدوان الثلاثي، بعدما تحولت إلى ساحة للمقاومة المصرية، وقدم أبناؤها نموذجًا للتكاتف الشعبي في مواجهة القوات البريطانية والفرنسية.

وشارك المواطنون في أعمال المقاومة، وساندوا القوات المصرية، وساهموا في نقل المعلومات والإمدادات، كما واجهوا محاولات السيطرة على المدينة بكل ما امتلكوه من إمكانات.

وأصبحت بورسعيد رمزًا وطنيًا للصمود، وارتبط اسمها ببطولات شعبية لا تزال حاضرة في الذاكرة المصرية، خاصة أن المعركة لم تكن مواجهة بين جيوش فقط، وإنما كانت أيضًا اختبارًا لإرادة شعب تمسك باستقلال بلاده وسيادته على مقدراته.

النتائج السياسية للعدوان الثلاثي على مصر

كان لأزمة السويس تأثيرات تجاوزت حدود مصر، إذ كشفت عن تراجع النفوذ التقليدي لبريطانيا وفرنسا في منطقة الشرق الأوسط، وأظهرت تنامي دور الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في إدارة الأزمات الدولية.

كما تعرضت الحكومة البريطانية لضغوط سياسية كبيرة، وانتهت الأزمة لاحقًا باستقالة رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن في يناير 1957، بعد تراجع مكانة حكومته نتيجة تداعيات العدوان.

وعلى المستوى المصري، عززت الأزمة مكانة جمال عبدالناصر عربيًا ودوليًا، وأصبحت مصر رمزًا لحركات التحرر الوطني ومقاومة الاستعمار، خاصة في الدول التي كانت تسعى إلى التخلص من السيطرة الأجنبية.

كما أثبتت الأزمة أهمية قناة السويس باعتبارها أحد أهم الممرات البحرية والاستراتيجية في العالم، وأكدت أن السيطرة عليها ترتبط بمصالح اقتصادية وسياسية دولية واسعة.

في مثل هذا اليوم.. 6 نوفمبر ذكرى محطة فارقة في تاريخ مصر

يبقى يوم 6 نوفمبر 1956 واحدًا من التواريخ المهمة في سجل التاريخ المصري الحديث، إذ ارتبط بقبول بريطانيا وفرنسا وقف العمليات العسكرية ضد مصر، بعد العدوان الذي شاركت فيه إسرائيل، وفي ظل ضغوط دولية متزايدة ومقاومة مصرية صلبة.

ولم يكن وقف إطلاق النار نهاية الأزمة بشكل فوري، لكنه فتح الطريق أمام انسحاب القوات المعتدية، وعودة الأوضاع تدريجيًا، واستعادة السيطرة المصرية الكاملة على قناة السويس.

وتظل ذكرى هذا اليوم مناسبة لاستعادة واحدة من أهم صفحات التاريخ الوطني، واستحضار تضحيات أبناء مصر، وخاصة أهالي بورسعيد، الذين واجهوا العدوان بإرادة قوية، ليظل العدوان الثلاثي شاهدًا على تمسك المصريين بسيادة وطنهم واستقلال قراره الوطني.

زوروا صفحتنا على فيسبوك 👇

https://www.facebook.com/share/1G5bHEPSDo/?mibextid=wwXIfr

دنيا أحمد

محرر صحفي