مقالات

الكلاب الضالة.. نداء عاجل إلى الحكومة لوضع حلول تحمي المواطنين وتحافظ على الرفق بالحيوان

تتزايد في عدد من المحافظات المصرية شكاوى المواطنين من انتشار الكلاب الضالة، بعدما تحولت الظاهرة في بعض المناطق من مجرد مصدر للإزعاج والخوف إلى مشكلة تمس سلامة المواطنين، خاصة الأطفال وكبار السن، وتسببت في وقوع حالات عقر وإصابات وحوادث أثناء محاولة الهروب من تجمعات الكلاب في الشوارع.

                                                  بقلم : د/ محمد كامل الباز 

وتبدو مشكلة الكلاب الضالة من الظواهر التي بدأت بصورة محدودة في بعض المناطق، ثم أخذت في الاتساع مع مرور الوقت، نتيجة تزايد أعداد الحيوانات في الشوارع وغياب الحلول المستدامة في بعض المناطق، وهو ما دفع مواطنين إلى إطلاق نداءات واستغاثات متكررة مطالبين الجهات المعنية بالتدخل ووضع آلية واضحة للتعامل مع الظاهرة، بما يضمن حماية الإنسان وعدم الإضرار بالحيوان في الوقت نفسه.

الكلاب الضالة تتحول من ظاهرة إلى هاجس يومي للأسر

لم تعد شكاوى المواطنين من الكلاب الضالة مرتبطة فقط بالخوف من التعرض للعقر، وإنما أصبحت مرتبطة بتفاصيل الحياة اليومية داخل العديد من المناطق السكنية.

فبعض الأسر تحاول توفير وسائل انتقال آمنة لأطفالها أثناء الذهاب إلى المدارس والعودة منها، خوفًا من مواجهة تجمعات الكلاب في الشوارع، بينما يفضل بعض أولياء الأمور الاعتماد على سيارات المدارس الخاصة حتى لا يضطر أبناؤهم إلى السير لمسافات طويلة بمفردهم.

وفي بعض المناطق، تشعر فتيات وسيدات بالخوف من السير في الشوارع خلال ساعات الصباح الباكر أو في فترات الليل، خصوصًا عندما تنتشر تجمعات من الكلاب بالقرب من المنازل أو مداخل العقارات.

ولا تقتصر المشكلة على احتمالات الهجوم أو العقر، فنباح الكلاب المستمر خلال ساعات الليل أصبح أيضًا مصدرًا للإزعاج والقلق بالنسبة إلى بعض السكان، خاصة عندما تتجمع أعداد كبيرة منها أمام المنازل أو في الشوارع الجانبية.

الكلاب الضالة.. نداء عاجل إلى الحكومة لوضع حلول تحمي المواطنين وتحافظ على الرفق بالحيوان
الكلاب الضالة

أرقام وحوادث تعيد فتح ملف الكلاب الضالة

خلال الفترة الأخيرة، ارتبط انتشار الكلاب الضالة بعدد من الوقائع المؤلمة التي أثارت حالة من القلق بين المواطنين، من بينها حوادث عقر جماعي وإصابات في عدد من المحافظات.

ومن بين الوقائع التي جرى تداولها خلال سبتمبر 2026، وفاة شاب في بورسعيد عقب تعرضه لمطاردة من مجموعة من الكلاب أثناء قيادته دراجته النارية، حيث فقد السيطرة على الدراجة وسقط أرضًا، ليفارق الحياة متأثرًا بإصاباته.

وفي الواقعة نفسها، تعرضت طفلة تبلغ من العمر 7 سنوات لهجوم من كلاب، ونقلت إلى المستشفى في حالة حرجة، وهو ما أعاد المخاوف بشأن قدرة الأطفال على التعامل مع مثل هذه المواقف، خصوصًا في المناطق التي تنتشر فيها التجمعات الكبيرة من الكلاب.

كما شهدت محافظة البحيرة تسجيل عدد من حالات العقر الجماعي في مناطق وقرى مختلفة، من بينها إصابات طالت عشرات الأشخاص، بينهم أطفال، بينما شهدت منطقة بيانكي بالعجمي في الإسكندرية وقائع متتالية أسفرت عن إصابة عدد من المواطنين خلال فترة زمنية قصيرة.

وتكشف هذه الوقائع أن التعامل مع الكلاب الضالة لم يعد مجرد قضية مرتبطة بنظافة الشوارع أو إزعاج السكان، وإنما أصبح ملفًا يتصل بصورة مباشرة بالسلامة العامة، خاصة في الأماكن التي تتكرر فيها الهجمات.

حوادث الهروب من الكلاب لا تقل خطورة عن العقر

الخطر لا يرتبط دائمًا بالهجوم المباشر، إذ يمكن أن يؤدي الخوف من الكلاب إلى وقوع حوادث أكثر خطورة.

فقد شهدت بعض المناطق وقائع تعرض فيها مواطنون لإصابات نتيجة محاولة الهروب من الكلاب أثناء عبور الطرق، سواء بالسقوط أرضًا أو الاصطدام بالمركبات.

وتكمن خطورة هذه المواقف في أن المواطن الذي يفاجأ بمجموعة من الكلاب أثناء السير قد يتصرف بصورة عشوائية نتيجة الخوف، خصوصًا الأطفال، ما قد يؤدي إلى دخوله طريقًا مزدحمًا أو سقوطه أمام سيارة أو دراجة نارية.

وهنا تظهر الحاجة إلى التعامل مع المشكلة باعتبارها قضية سلامة مجتمعية متكاملة، وليس فقط باعتبارها مشكلة حيوانات في الشوارع.

هجمات الكلاب تمتد إلى محافظات مختلفة

لم تعد شكاوى المواطنين مقتصرة على منطقة جغرافية واحدة، إذ شهدت محافظات مختلفة وقائع عقر وإصابات مرتبطة بالكلاب المنتشرة في الشوارع.

ومن بين الوقائع التي أثارت القلق استقبال أحد المستشفيات في كفر الشيخ عددًا من المواطنين عقب تعرضهم للعقر من كلب مسعور أمام أحد المساجد، إلى جانب تسجيل إصابات أخرى في محافظة سوهاج.

وتؤكد هذه الوقائع أن المشكلة تحتاج إلى خطة تتعامل مع المناطق الأكثر تضررًا وفق طبيعة كل منطقة وأعداد الكلاب الموجودة بها، مع ضرورة وجود استجابة سريعة للبلاغات المتعلقة بالكلاب الشرسة أو المصابة بأمراض خطرة.

ما الحل أمام تزايد أعداد الكلاب الضالة؟

السؤال الأهم الذي يطرح نفسه الآن هو: كيف يمكن التعامل مع الكلاب الضالة بصورة تضمن سلامة المواطنين وتحافظ في الوقت نفسه على مبادئ الرفق بالحيوان؟

هناك عدة مقترحات مطروحة للنقاش، من بينها تنفيذ برامج منظمة للتعقيم للحد من التكاثر، مع التعامل بصورة عاجلة مع الكلاب التي تمثل خطرًا مباشرًا على المواطنين.

كما يمكن العمل على إنشاء منظومة متكاملة لجمع الكلاب من المناطق الأكثر تضررًا، وفحصها بيطريًا، وتحديد الحالات التي يمكن التعامل معها وإعادتها إلى بيئات مناسبة، مع عزل الحيوانات المريضة أو شديدة العدوانية وفق الإجراءات البيطرية والقانونية.

ويحتاج الأمر كذلك إلى وضع خريطة للمناطق التي تشهد أعلى معدلات انتشار، حتى لا تظل حملات التعامل مع الظاهرة عشوائية أو مؤقتة.

الكلاب الضالة بين الرفق بالحيوان وحماية الإنسان

لا يمكن تجاهل أهمية الرفق بالحيوان، كما لا يمكن تجاهل حق المواطنين في الشعور بالأمان داخل مناطقهم السكنية.

والتعامل مع المشكلة لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة بين محبي الحيوانات وبين المواطنين الذين يشعرون بالخوف من انتشار الكلاب، لأن الهدف الأساسي يجب أن يكون الوصول إلى حل متوازن.

فمن حق من يحب الحيوانات أن يدافع عن حمايتها، وفي الوقت نفسه من حق الأسرة أن تطمئن إلى أن طفلها يستطيع الذهاب إلى المدرسة والعودة إلى المنزل دون التعرض للخطر.

كما أن المطالبة بحلول للظاهرة لا تعني بالضرورة الدعوة إلى إيذاء الحيوانات أو التخلص العشوائي منها، وإنما تعني ضرورة وجود سياسة واضحة ومدروسة تضع سلامة المواطنين والحفاظ على الحيوان ضمن إطار واحد.

مسؤولية الحكومة في مواجهة ظاهرة الكلاب الضالة

مع تزايد البلاغات والحوادث، يصبح تدخل الجهات الحكومية أمرًا ضروريًا من أجل وضع استراتيجية طويلة المدى للتعامل مع الكلاب الضالة.

وتتطلب هذه الاستراتيجية تعاون الجهات المحلية والبيطرية والصحية، إلى جانب حملات التوعية للمواطنين حول الطريقة الصحيحة للتعامل مع الكلاب وتجنب استفزازها، وكذلك كيفية التصرف عند التعرض للعقر وضرورة التوجه الفوري للحصول على الرعاية الطبية اللازمة.

كما يمكن أن تساهم حملات التوعية في الحد من ظاهرة إلقاء الحيوانات في الشوارع، والتعريف بمسؤولية أصحاب الحيوانات الأليفة وضرورة عدم التخلي عنها بطريقة تؤدي إلى زيادة أعداد الحيوانات بلا مأوى.

الكلاب الضالة.. الحل في خطة متكاملة لا في ردود الأفعال

إن استمرار التعامل مع الكلاب الضالة من خلال ردود أفعال مؤقتة لن يؤدي إلى إنهاء المشكلة، لأن التكاثر المستمر ووجود مصادر للطعام في الشوارع يمكن أن يعيدا الظاهرة إلى النقطة نفسها بعد انتهاء أي حملة.

ولهذا فإن الحل الحقيقي يحتاج إلى خطة مستمرة تتضمن الحصر، والتعقيم، والرعاية البيطرية، والسيطرة على بؤر التجمع، والتعامل الفوري مع الحالات الخطرة، إلى جانب تشديد الرقابة على ممارسات إلقاء الحيوانات في الشوارع.

وفي الوقت نفسه، يجب أن تكون هناك آليات واضحة لاستقبال شكاوى المواطنين وسرعة التعامل معها، خصوصًا عندما يتعلق البلاغ بكلاب تهاجم المارة أو تتجمع بأعداد كبيرة بالقرب من المدارس والمنازل والمساجد ومناطق تجمع الأطفال.

الكلاب الضالة.. نداء عاجل إلى الحكومة لوضع حلول تحمي المواطنين وتحافظ على الرفق بالحيوان
الكلاب الضالة

حماية الإنسان والرفق بالحيوان مسؤولية مشتركة

الحفاظ على حياة الإنسان وسلامته يجب أن يكون أولوية، وفي الوقت نفسه فإن معالجة ظاهرة الكلاب الضالة يمكن أن تتم بأساليب منظمة وإنسانية بعيدًا عن العنف أو التعامل العشوائي.

المطلوب اليوم ليس إشعال خلاف بين الإنسان والحيوان، وإنما البحث عن حلول واقعية تمنع تحول المشكلة إلى مزيد من الحوادث، وتضمن للمواطن حقه في الأمان، وتحافظ على الحيوانات من المعاملة القاسية.

وفي النهاية، فإن الكلاب الضالة أصبحت قضية مجتمعية تستحق الدراسة الجادة والتحرك المنظم، بعدما تجاوزت في بعض المناطق حدود الإزعاج لتصل إلى تهديد مباشر لسلامة المواطنين. ويبقى الأمل في وضع خطة واضحة ومستدامة تحقق التوازن بين حماية الإنسان والرفق بالحيوان، وتضع حدًا لهذه الأزمة قبل أن تتسبب في مزيد من الضحايا.

زوروا موقعنا على الفيس بوك 👇 

https://www.facebook.com/share/1F3VGfJ5K8/?mibextid=wwXIfr