مقالات

حمدي رزق يكتب: أصوات من السماء

حمدي رزق يكتب: أصوات من السماء

حمدي رزق يكتب: أصوات من السماء
حمدي رزق

فى متوالية حزينة، تعيش البشرية أسوأ كوابيسها على الإطلاق.. وباء كلف البشرية سبعة ملايين من الأرواح، وحرب كونية فى أوكرانيا تستنزف ماء الحياة وتكلف العالم ما لا طاقة من الجوع ونقص فى الأنفس والثمرات، وزلزال مدمر يطبق عاليها واطيها فى بلاد قريبة من القلب قبل الجغرافيا والتاريخ المشترك.

ولله تعالى الحكمة فيما يخلقه ويقدره، وهو الرحيم بعباده، البشرية ممتحنة، متوالية نوائب وكوارث، حكمة الله أنها «لآيَاتٍ لِّأُوْلِى الألْبَابِ»، لآيات لأصحاب العقول الرَّاجحات، يتعرَّفون بها على قُدرته تبارك وتعالى، آيات على إلهيته، وربوبيَّته، وأسمائه، وصفاته، هى آيات على قُدرته، لكن مَن الذى ينتفع بذلك؟ مَن الذى يعتبر؟

هرعت الحكومات جميعًا إلى الغوث، وأمسكت الناس فى مشارق الأرض ومغاربها، قلوبها حذر الموت، وشاهد المؤمنون بأعينهم كيف يأتى الموت بغتة، فصاروا يحوقلون، والحوقلة قول «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله»، ويُقال للدلالة على اعتراف العبد بعجزه أمام قدرته سبحانه وتعالى.

دروس إلهية، البشرية فى امتحان صعيب، فلتثب إلى رشدها، وتُعمل عقلها، وتراجع أولوياتها، تنبذ العنف، وتلجم الحرب، وتصلى من أجل سلامها صلاة مودع، «أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ» (النحل / ١).

الهلع الذى أصاب العالم بأسره من جراء زلزال الفجر الذى أصاب أكبادنا فى سوريا وتركيا، يضعنا فى مواجهة شرور أنفسنا، دعوة من السماء أن انفروا إلى الخيرات، وانبذوا الحروب، وعالجوا النزاعات، وطيّبوا حياتكم القصيرة على هذا الكوكب الموبوء بالآفات والأمراض، المضروب بالحروب والمجاعات.

آلِهة الشر من بنى البشر تقود العالم إلى حتفه، تؤجج الصراعات، وتخوض الحروب، وتهلك الحرث والنسل، آلِهة الخير مدعوة للظهور لتملأ الأرض عدلًا، تطعم الجوعى فى الأدغال، وتطبب المرضى فى الأحراش، وتتوفر على شفاء البشرية مما أصابها من أطماع البشر وطموحاتهم المدمرة.

أصوات من السماء، الوباء إشارة، والحرب إشارة، والزلزال إشارة، تكاثفت الإشارات فى سنوات قلائل «ظَهَرَ الْفَسَادُ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِى عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» (الروم / ٤١ ).

بعد انحسار الوباء، كانت البشرية مؤهلة لدخول عصر الوئام والسلام بعد ما فقدته من أرواح.. وبعد الزلزال، البشرية مؤهلة لعصر من السلام والأمن، البشرية التى سارعت لإنقاذ أرواح بريئة دون حسابات سياسية وأطماع أرضية، عليها أن تعيد الحسابات بعقل.

«وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» (النحل / ١١٨)، البشرية فى شقاء مقيم، ولكلٍّ نصيب، علّها تثوب إلى رشدها، فى الأرض ما يكفى من خيرات، وفيها من الثمرات، ووصلت إلى عنان السماء علمًا وطبًّا وفلكًا، وهندسة، وفنونًا وعمارة، وتملك ذخائر الحضارة جميعا، لماذا تذخر المدافع؟، لماذا تقتل النفس التى حرم الله؟، لماذا تسعى فى خرابها؟!

حالنا، للأسف بأيدى السفهاء، كحال أهل الجنة فى سورة القلم «إنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ» (١٧). امتحناهم فاختبرناهم، (كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ) يقول سبحانه.

كما امتحنا أصحاب البستان (إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ)، حلفوا فيما بينهم ليجذن ثمرها ليلا لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل، ليتوفر ثمرها عليهم ولا يتصدقوا منه بشىء، فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا.. سبحان الله.

نهى مرسي

نائب رئيس تحرير الموقع
شاهد ايضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى