تحل اليوم ذكرى ميلاد الملكة فريدة، الزوجة الأولى للملك فاروق الأول وملكة مصر خلال الفترة من عام 1938 حتى عام 1948، وهي الشخصية التي ارتبط اسمها بواحدة من أكثر الزيجات الملكية شهرة في تاريخ مصر الحديث.
ولدت صافيناز ذو الفقار في 5 سبتمبر عام 1921 بمدينة الإسكندرية، ونشأت في أسرة مصرية عريقة، قبل أن تنتقل من حياة الأسرة السكندرية إلى أجواء القصر الملكي، وتصبح زوجة للملك فاروق وملكة لمصر، ثم تخوض بعد ذلك تجربة مختلفة تمامًا بعيدًا عن الحياة الملكية من خلال الفن التشكيلي.
وتستعيد الأوساط المهتمة بالتاريخ المصري في ذكرى ميلاد الملكة فريدة تفاصيل مسيرتها التي امتدت بين القصر والحياة العامة والفن، خاصة أنها لم تكن مجرد زوجة للملك، وإنما ارتبط اسمها بصورة مختلفة للملكة المصرية، إذ ظهرت في المناسبات العامة وشاركت في عدد من الأنشطة الاجتماعية والخيرية، كما عُرفت لاحقًا باهتمامها بالرسم والفنون التشكيلية.

ذكرى ميلاد الملكة فريدة وبداياتها في الإسكندرية
ولدت صافيناز ذو الفقار في منطقة جاناكليس بمدينة الإسكندرية في 5 سبتمبر 1921، لعائلة ذو الفقار المعروفة، وكان والدها يوسف ذو الفقار باشا قاضيًا، بينما كانت والدتها زينب ذو الفقار من السيدات المقربات من البلاط الملكي، وهو ما جعل الأسرة على صلة بالدوائر الاجتماعية الراقية في مصر خلال تلك الفترة.
تلقت صافيناز تعليمها في مدارس الإسكندرية، وكان من بينها مدرسة نوتردام دي سيون، التي كانت تديرها راهبات فرنسيات.
ونشأت في بيئة اهتمت بالتعليم والثقافة والفنون، وهو ما ساهم في تكوين شخصيتها التي ظهرت فيما بعد بصورة واضحة خلال حياتها داخل القصر وبعد مغادرته.
وكان للفن حضور مبكر في حياتها، خاصة مع وجود صلة عائلية بالفنان التشكيلي السكندري محمود سعيد، الذي كان من أبرز الأسماء في تاريخ الفن التشكيلي المصري.
وقد أصبح الفن لاحقًا أحد أهم المجالات التي وجدت فيها الملكة فريدة مساحة للتعبير عن نفسها بعيدًا عن الأضواء السياسية والحياة الرسمية.
اللقاء بالملك فاروق وبداية قصة الزواج
جاء التعارف بين صافيناز ذو الفقار والملك فاروق خلال الرحلة التي قامت بها الأسرة المالكة إلى أوروبا عام 1937، وكانت تلك الرحلة نقطة تحول أساسية في حياة الشابة السكندرية.
وبعد عودة الأسرة المالكة إلى مصر، أُعلنت الخطوبة الرسمية بين الملك فاروق وصافيناز ذو الفقار، لتبدأ الاستعدادات لحفل زفاف أصبح من أبرز الأحداث الاجتماعية في مصر خلال تلك الحقبة.
وفي 20 يناير عام 1938، تزوج الملك فاروق من صافيناز ذو الفقار في حفل ملكي كبير، وأصبحت منذ ذلك الوقت تحمل لقب الملكة فريدة. وشهد الزواج احتفالات واسعة، كما حظيت الملكة الجديدة باهتمام كبير من المصريين، خاصة أنها كانت شابة مصرية تنتمي إلى أسرة معروفة، وهو ما منحها حضورًا خاصًا في المجتمع المصري.
ويذكر المؤرخون والمصادر الصحفية أن الملكة فريدة كانت تحظى بشعبية بين قطاعات من المصريين، كما ارتبطت صورتها بالبساطة والأناقة والظهور الهادئ مقارنة بصورة الحياة الملكية التي كانت تحيط بالقصر.
الملكة فريدة داخل القصر الملكي
خلال سنوات زواجها من الملك فاروق، تولت الملكة فريدة دورًا عامًا باعتبارها قرينة ملك مصر، وشاركت في عدد من المناسبات الرسمية والأنشطة الاجتماعية والخيرية.
وكان وجودها في الحياة العامة جزءًا من الصورة الحديثة التي حاولت المؤسسة الملكية تقديمها في تلك الفترة، حيث لم تعد الملكة بعيدة تمامًا عن المجتمع، وإنما ظهرت في مناسبات مختلفة وارتبط اسمها بعدد من المؤسسات والأنشطة ذات الطابع الاجتماعي.
كما ساهمت شخصيتها الهادئة واهتمامها بالمظهر والأناقة في انتشار صورها في الصحف والمجلات، وأصبحت واحدة من أبرز الشخصيات النسائية في المجتمع المصري خلال أربعينيات القرن العشرين.
لكن الحياة داخل القصر لم تخل من المشكلات، فقد شهد زواج الملك فاروق والملكة فريدة خلافات عديدة، خصوصًا مع مرور السنوات وعدم إنجاب وريث ذكر للعرش، رغم إنجاب ثلاثة بنات.
أبناء الملكة فريدة من الملك فاروق
أنجبت الملكة فريدة للملك فاروق ثلاث أميرات، هن الأميرة فريال، والأميرة فوزية، والأميرة فادية.
وجاءت الأميرة فريال إلى الحياة في نوفمبر 1938، ثم ولدت الأميرة فوزية، وبعدها الأميرة فادية، لتصبح الأسرة الملكية مكونة من الملك فاروق والملكة فريدة وبناتهما الثلاث.
وكان إنجاب ثلاث أميرات دون وجود وريث ذكر أحد العوامل التي ألقت بظلالها على الحياة الزوجية، خاصة في ظل طبيعة النظام الملكي آنذاك وأهمية وجود وريث للعرش.
وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي مرت بها الأسرة، ظلت الملكة فريدة مرتبطة ببناتها، وأصبح الجانب الأسري من أكثر الجوانب حضورًا في حياتها.
الطلاق عام 1948 ونهاية الحياة الملكية
بعد نحو عشر سنوات من الزواج، انتهت العلاقة بين الملك فاروق والملكة فريدة بالطلاق عام 1948، لتطوى بذلك صفحة مهمة من تاريخ القصر الملكي.
وكان قرار الطلاق من الأحداث التي أثارت اهتمامًا واسعًا في المجتمع المصري، خاصة أن الملكة فريدة كانت تتمتع بشعبية واضحة بين المصريين. وذكرت مصادر تاريخية وصحفية أن الطلاق كان له تأثير على صورة الملك فاروق لدى قطاعات من الشعب.
وبعد الانفصال، ابتعدت الملكة فريدة عن الحياة الملكية، ولم تعد تحمل صفة الملكة بالمعنى الرسمي بعد انتهاء الزواج، إلا أن اللقب ظل مرتبطًا بها في الذاكرة التاريخية والشعبية باعتبارها الملكة الأولى في حياة فاروق.
كما أن انتهاء الزواج لم يكن نهاية ارتباطها بالأسرة الملكية، إذ ظلت أمًا للأميرات الثلاث، واستمرت علاقتها ببناتها رغم التغيرات الكبيرة التي شهدتها حياتها بعد مغادرة القصر.
ذكرى ميلاد الملكة فريدة ورحلتها مع الفن التشكيلي
من أبرز الجوانب التي تميز بها مشوار الملكة فريدة بعد حياتها الملكية اهتمامها بالفن التشكيلي.
فقد وجدت في الرسم مجالًا للتعبير عن رؤيتها ومشاعرها، وتحول الفن مع مرور الوقت إلى جزء أساسي من حياتها.
وكان خالها الفنان محمود سعيد من الشخصيات التي ارتبطت بتكوينها الفني، وقد ساعد وجود الفن داخل محيطها العائلي على تنمية اهتمامها بالرسم.
وبعد سنوات من الابتعاد عن الحياة الملكية، عادت الملكة فريدة إلى ممارسة الرسم بصورة أكثر انتظامًا، وأصبحت أعمالها الفنية تعكس اهتمامًا بالمجتمع المصري والطبيعة والأشخاص البسطاء، إلى جانب مشاهد من الريف والجنوب.
ولم تتعامل مع الرسم باعتباره هواية عابرة، وإنما أصبح مشروعًا فنيًا استمرت فيه لسنوات طويلة، وأقامت عددًا من المعارض داخل مصر وخارجها، لتؤكد أن حياتها بعد القصر لم تكن مجرد مرحلة من العزلة، بل كانت بداية لمسار جديد ارتبط بالفن والإبداع.

أعمال فنية حملت ملامح مصر
تميزت أعمال الملكة فريدة بارتباطها بالبيئة المصرية، حيث ظهرت في لوحاتها مشاهد من الريف والبسطاء والطبيعة المصرية. كما تأثرت بتجارب فنية مختلفة، وواصلت تطوير أسلوبها عبر السنوات.
وأقامت معارض لأعمالها في عدد من المدن والدول، من بينها القاهرة وباريس ومدريد وجنيف، إلى جانب مشاركات ومعارض أخرى خارج مصر.
وأصبحت لوحاتها جزءًا من الجانب الأقل شهرة في شخصيتها، إذ ظل الجمهور يعرفها بالدرجة الأولى باعتبارها زوجة الملك فاروق، بينما تكشف أعمالها الفنية عن جانب مختلف من حياتها وشخصيتها.
وكان انتقالها من القصر إلى عالم الفن تحولًا لافتًا في مسيرتها، فقد عاشت فترة طويلة بعيدًا عن السلطة والأجواء الملكية، وركزت على الرسم باعتباره وسيلة للتعبير عن الذات واستعادة الاستقلال الشخصي.
حياة جديدة بعيدًا عن القصر
بعد ثورة يوليو 1952 وإلغاء النظام الملكي، أصبحت حياة الملكة فريدة مختلفة بصورة كاملة عن السنوات التي عاشتها داخل القصر.
وعاشت لفترات خارج مصر، قبل أن تعود إليها في السنوات الأخيرة من حياتها.
ومع مرور الوقت، أصبحت أكثر ارتباطًا بالفن، وابتعدت عن الحياة السياسية والأضواء، بينما ظلت أخبار الأسرة الملكية تحظى باهتمام الصحافة والجمهور.
وفي عام 1982، عادت للإقامة في مصر، واستقرت في المعادي خلال السنوات الأخيرة من حياتها، وواصلت نشاطها الفني.
وكانت تلك المرحلة مختلفة عن حياتها الأولى التي عاشتها كزوجة للملك، لكنها حملت جانبًا إنسانيًا وفنيًا أكثر وضوحًا، حيث كرست جزءًا كبيرًا من وقتها للرسم وإقامة المعارض والتواصل مع الوسط الفني.
مكانة خاصة في ذاكرة المصريين
رغم مرور عقود طويلة على انتهاء زواجها من الملك فاروق، لا يزال اسم الملكة فريدة حاضرًا في الكتب والدراسات والمواد الصحفية التي تتناول تاريخ مصر الملكي.
ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، في مقدمتها أنها كانت الزوجة الأولى للملك فاروق، وأن زواجهما جاء في فترة شهدت أحداثًا سياسية واجتماعية مهمة، فضلًا عن ارتباط اسمها بثلاث أميرات من الأسرة الملكية.
كما أن قصتها تحمل تحولًا واضحًا من حياة القصر إلى حياة مختلفة تمامًا اعتمدت فيها على الفن، وهو ما جعل سيرتها تتجاوز حدود الحياة الملكية التقليدية.
وتظل شخصيتها محل اهتمام الباحثين والمهتمين بتاريخ مصر في القرن العشرين، خصوصًا أن حياتها عكست جانبًا من التحولات التي شهدها المجتمع المصري قبل ثورة يوليو وبعدها.
رحيل الملكة فريدة
رحلت الملكة فريدة عن عالمنا في أكتوبر عام 1988، بعد حياة امتدت لنحو 67 عامًا، قضت جزءًا منها داخل القصر الملكي، ثم عاشت سنوات طويلة بعيدًا عن السلطة والأضواء، قبل أن تختار الفن طريقًا رئيسيًا في حياتها.
وبوفاتها انتهت رحلة شخصية جمعت بين الملكية والفن والحياة الأسرية، لكنها تركت خلفها إرثًا من الصور واللوحات والذكريات المرتبطة بواحدة من أكثر الفترات إثارة في تاريخ مصر الحديث.
وظلت علاقتها بالملك فاروق جزءًا أساسيًا من سيرتها التاريخية، إلا أن مسيرتها الفنية منحتها مساحة أخرى للتعريف بها بعيدًا عن كونها زوجة ملك مصر.
وفي ذكرى ميلاد الملكة فريدة، يعود الاهتمام بسيرتها من جديد، ليس فقط باعتبارها ملكة مصر وزوجة الملك فاروق الأولى، وإنما باعتبارها أيضًا فنانة تشكيلية خاضت تجربة حياة استثنائية، بدأت من الإسكندرية وانتقلت إلى القصر الملكي، ثم انتهت بالعودة إلى مصر والعيش بعيدًا عن أجواء الحكم، مع استمرار شغفها بالفن حتى سنواتها الأخيرة.
وتبقى قصة الملكة فريدة واحدة من الصفحات اللافتة في تاريخ مصر الحديث، لأنها تجمع بين تفاصيل الحياة الملكية والتحولات الاجتماعية والسياسية والفنية، وتقدم نموذجًا لشخصية استطاعت أن تبدأ حياة جديدة بعد انتهاء تجربتها داخل القصر. ولذلك تظل ذكرى ميلاد الملكة فريدة مناسبة لاستعادة تفاصيل حياتها ومسيرتها، والتوقف أمام ما تركته من حضور في الذاكرة المصرية، سواء بصفتها ملكة سابقة أو فنانة عاشت للفن والرسم.
زوروا صفحتنا الرسمية على فيسبوك 👇
جريدة عالم النجوم
متابعة ليصلكم كل جديد
https://www.facebook.com/share/1JbMYHoH2N/?mibextid=wwXIfr




