تحل اليوم ذكرى ميلاد حافظ الأسد، الذي وُلد في 6 أكتوبر 1930 في بلدة القرداحة بمحافظة اللاذقية السورية، ونشأ في أسرة ريفية متواضعة، قبل أن ينتقل إلى اللاذقية لاستكمال تعليمه، ثم يلتحق بالمؤسسة العسكرية ويصعد تدريجيًا داخل الجيش وحزب البعث، حتى أصبح أحد أبرز رجال السياسة والعسكر في سوريا خلال القرن العشرين. وتولى حافظ الأسد رئاسة سوريا عام 1971، واستمر في الحكم حتى وفاته في 10 يونيو 2000، لتبدأ بعد ذلك مرحلة انتقال السلطة إلى نجله بشار الأسد.
حافظ الأسد.. نشأة ريفية وطموح عسكري مبكر
وُلد حافظ الأسد في القرداحة شمال غربي سوريا، لعائلة تنتمي إلى الطائفة العلوية، وكان والده علي سليمان من الشخصيات المحلية المعروفة في المنطقة. تلقى تعليمه الأول في قريته، ثم انتقل إلى مدينة اللاذقية لمواصلة دراسته الثانوية، حيث بدأ اهتمامه بالعمل السياسي والتنظيمي.
وفي سنوات شبابه، انضم إلى حزب البعث، وشارك في النشاط الطلابي، وتولى مسؤوليات داخل الاتحاد الوطني لطلبة سوريا. ومع مرور الوقت، أصبح المسار العسكري هو الطريق الأبرز في حياته، فالتحق بالأكاديمية العسكرية في حمص، ثم بالكلية الجوية، وتخرج ضابطًا طيارًا عام 1955.
وخلال مرحلة مبكرة من مسيرته، تلقى تدريبات عسكرية في مصر والاتحاد السوفيتي، واكتسب خبرة في مجال الطيران، الأمر الذي ساعده لاحقًا على الصعود داخل القوات الجوية السورية. وتشير المصادر التاريخية إلى أنه كان من الضباط البعثيين الذين شاركوا في بناء التنظيم العسكري للحزب، ثم لعب دورًا في الأحداث التي أوصلت البعث إلى السلطة في سوريا عام 1963.

من قائد للقوات الجوية إلى وزير للدفاع
شهدت سوريا خلال الستينيات سلسلة من التحولات والانقلابات داخل المؤسسة العسكرية وحزب البعث، وكان حافظ الأسد أحد أبرز المشاركين في هذه المرحلة.
وفي عام 1963 أصبح قائدًا للقوات الجوية السورية، ثم تولى منصب وزير الدفاع بعد انقلاب فبراير 1966، وهو الموقع الذي عزز من خلاله نفوذه داخل الجيش ومؤسسات الدولة.
وبعد خلافات متزايدة مع صلاح جديد، أحد أبرز قادة حزب البعث في ذلك الوقت، قاد الأسد ما عُرف باسم «الحركة التصحيحية» في نوفمبر 1970، وانتهت هذه الخطوة بإحكام سيطرته على مؤسسات الحكم، ثم توليه رئاسة مجلس الوزراء قبل أن يصبح رئيسًا للجمهورية عام 1971.
حافظ الأسد ورئاسة سوريا
عندما وصل حافظ الأسد إلى الرئاسة، بدأ في إعادة تنظيم مؤسسات الدولة وترسيخ مركزية السلطة في مؤسسة الرئاسة، مع الإبقاء على حزب البعث باعتباره القوة السياسية الرئيسية.
وشهدت سنوات حكمه إنشاء مؤسسات سياسية جديدة، من بينها مجلس الشعب والجبهة الوطنية التقدمية، كما صدر دستور جديد عام 1973. وفي الوقت نفسه، أصبحت الأجهزة العسكرية والأمنية والحزبية عناصر أساسية في تثبيت النظام السياسي الذي استمر في سوريا لعقود.
وعلى المستوى الاقتصادي، اتجهت الدولة في عهده إلى سياسات اشتراكية مع السماح بدرجات متفاوتة بدور للقطاع الخاص، بينما ركزت الحكومة على الإنفاق العام وتوسيع مؤسسات الدولة والخدمات الأساسية.

السياسة الخارجية والحرب مع إسرائيل
احتلت القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي مكانة بارزة في السياسة الخارجية السورية خلال عهد الأسد.
وكانت سوريا طرفًا في حرب أكتوبر 1973 إلى جانب مصر، كما حافظت دمشق على علاقات قوية مع الاتحاد السوفيتي، خصوصًا في المجال العسكري، في إطار الصراع الدولي خلال فترة الحرب الباردة.
وفي لبنان، تدخلت القوات السورية عسكريًا عام 1976 خلال الحرب الأهلية اللبنانية، واستمر الوجود العسكري السوري هناك لسنوات طويلة، وأصبح الملف اللبناني أحد أبرز الملفات الإقليمية المرتبطة بسياسة دمشق في عهد الأسد.
كما اتسمت علاقة سوريا بإسرائيل بالصراع المستمر حول الجولان والقضية الفلسطينية، مع استمرار المفاوضات والاتصالات غير المباشرة في مراحل مختلفة من فترة حكمه.
حافظ الأسد ومواجهة المعارضة
كان الجانب الداخلي من حكم حافظ الأسد من أكثر الملفات إثارة للجدل، خصوصًا فيما يتعلق بالتعامل مع المعارضة السياسية والإسلامية.
وخلال أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، شهدت سوريا تصاعدًا في المواجهة بين السلطة وتنظيمات إسلامية معارضة، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، إلى جانب أعمال عنف واغتيالات وهجمات استهدفت مؤسسات وأفرادًا مرتبطين بالحكومة.
ووصل الصراع إلى ذروته في مدينة حماة عام 1982، عندما شن الجيش السوري حملة عسكرية واسعة ضد الانتفاضة المسلحة هناك. وأسفرت الأحداث عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى، مع اختلاف التقديرات التاريخية بشأن العدد الدقيق للضحايا. وتُعد أحداث حماة واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ سوريا الحديث، كما أصبحت رمزًا لطبيعة المواجهة بين النظام ومعارضيه في تلك الفترة.
بناء نظام سياسي شديد المركزية
مع مرور السنوات، تمكن حافظ الأسد من تركيز قدر كبير من السلطات في مؤسسة الرئاسة، وأصبح الجيش والأجهزة الأمنية وحزب البعث ركائز أساسية للنظام.
كما برزت مكانة أفراد عائلته داخل مؤسسات الدولة، وهو ما ساهم في تكوين نظام سياسي ارتبط بصورة وثيقة بعائلة الأسد.
وفي الوقت نفسه، سعى النظام إلى تقديم نفسه باعتباره قوة للاستقرار والحفاظ على وحدة الدولة في مواجهة الانقسامات والصراعات الإقليمية، بينما انتقدته قوى سياسية وحقوقية بسبب غياب التعددية السياسية الحقيقية وتقييد الحريات وقمع المعارضة.
وهكذا تشكلت خلال العقود الثلاثة التي قضاها الأسد في الحكم منظومة سياسية شديدة المركزية، أصبح فيها الرئيس الشخصية المحورية في إدارة الدولة واتخاذ القرارات الكبرى.
أزمة الخلافة داخل عائلة الأسد
في السنوات الأخيرة من حياته، بدأ الأسد في التفكير في مسألة خلافته.
وكان نجله الأكبر باسل الأسد هو المرشح الأبرز لخلافته، لكن وفاته في حادث سيارة عام 1994 غيرت حسابات العائلة السياسية، لتتجه الأنظار إلى الابن الأصغر بشار، الذي كان يدرس طب العيون في بريطانيا ولم يكن قد بدأ مسارًا سياسيًا واضحًا.
بعد وفاة باسل، عاد بشار إلى سوريا وبدأ تدريجيًا في الظهور داخل الحياة العامة، وتولى عددًا من المسؤوليات التي مهدت له الطريق ليصبح وريثًا سياسيًا لوالده.
وبذلك أصبح انتقال السلطة داخل العائلة مشروعًا سياسيًا واضحًا، قبل أن تتوج هذه العملية بعد وفاة الأسد الأب عام 2000 بتولي بشار رئاسة الجمهورية.
وفاة حافظ الأسد وانتقال السلطة إلى بشار
توفي حافظ الأسد في 10 يونيو 2000 عن عمر ناهز 69 عامًا، بعد فترة طويلة من الحكم امتدت قرابة ثلاثة عقود.
وبعد وفاته، أُجريت تعديلات دستورية خفضت الحد الأدنى لسن الترشح للرئاسة، بما سمح لنجله بشار، الذي كان يبلغ 34 عامًا آنذاك، بتولي المنصب.
وأصبح بشار الأسد رئيسًا لسوريا في يوليو 2000، لتنتقل السلطة للمرة الأولى في سوريا من رئيس إلى نجله داخل العائلة نفسها، وهو ما جعل الخلافة السياسية العائلية سمة أساسية في قراءة تاريخ النظام السوري خلال تلك المرحلة.

إرث حافظ الأسد بعد رحيله
يمثل إرث حافظ الأسد موضوعًا شديد التعقيد في التاريخ السوري الحديث؛ فمؤيدوه نظروا إلى فترة حكمه باعتبارها مرحلة تمكنت فيها الدولة من تحقيق قدر من الاستقرار السياسي بعد سنوات من الانقلابات والصراعات، كما عزز خلالها الجيش السوري ووسع علاقات دمشق الإقليمية والدولية.
في المقابل، ارتبط عهده بتركيز السلطة، وقمع المعارضة، وأحداث حماة، وتوسيع نفوذ الأجهزة الأمنية، وهي ملفات ظلت حاضرة في النقاش حول طبيعة النظام السوري.
وبعد أكثر من عقد على وفاته، دخلت سوريا مرحلة جديدة مع اندلاع الاحتجاجات عام 2011 وتحولها إلى حرب أهلية واسعة، ثم انتهى حكم نجله بشار الأسد في ديسمبر 2024 بعد هجوم عسكري للمعارضة أدى إلى سقوط النظام وفرار بشار من البلاد. وبذلك انتهت أكثر من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد لسوريا.
في ذكرى ميلاده.. شخصية تركت أثرًا عميقًا في تاريخ سوريا
تظل ذكرى ميلاد حافظ الأسد مناسبة لاستعادة واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في التاريخ السوري المعاصر؛ فقد انتقل من قرية القرداحة إلى المؤسسة العسكرية، ثم إلى قيادة القوات الجوية ووزارة الدفاع، وصولًا إلى رئاسة الجمهورية التي ظل فيها حتى وفاته عام 2000.
وقد تركت سياساته الداخلية والخارجية آثارًا امتدت إلى أجيال لاحقة، سواء على مستوى بناء مؤسسات الدولة، أو العلاقات الإقليمية، أو الصراع مع إسرائيل، أو طبيعة النظام السياسي والأمني.
ومهما اختلفت القراءات التاريخية حول تجربته، فإن اسم حافظ الأسد يظل حاضرًا بقوة عند تناول تاريخ سوريا السياسي والعسكري خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
الخاتمة
في ذكرى ميلاده، يستعاد تاريخ حافظ الأسد بوصفه أحد أبرز القادة السوريين في القرن العشرين، وهي شخصية ارتبطت بثلاثة عقود من التحولات السياسية والعسكرية والإقليمية، وبنظام ترك أثرًا عميقًا في تاريخ سوريا الحديث، واستمر تأثير إرثه السياسي حتى بعد وفاته وانتقال السلطة إلى نجله.
زورونا على صفحة الفيسبوك 👇
https://www.facebook.com/share/1D4HTksdYM/




