تحل اليوم 19 أكتوبر ذكرى ميلاد الشاعر الغنائي المصري فتحي قورة، الذي وُلد عام 1919 بقرية العلاقمة التابعة لمركز ههيا بمحافظة الشرقية، واستطاع أن يترك بصمة مميزة في تاريخ الأغنية المصرية بفضل كلماته المرحة وأسلوبه الساخر وقدرته على تحويل الكلمات البسيطة إلى أغنيات تعيش في ذاكرة الجمهور. ورغم رحيله في 18 أغسطس 1977، لا تزال أعماله حاضرة بصوت كبار نجوم الطرب، من بينهم عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وشادية وفايزة أحمد.
لم يكن فتحي قورة مجرد شاعر يكتب كلمات الأغاني، بل امتلك أسلوبًا خاصًا جمع بين خفة الظل والبهجة والقدرة على التعبير عن تفاصيل الحياة اليومية بروح قريبة من الناس. وقد ساعده هذا الأسلوب على التعاون مع عدد كبير من المطربين والملحنين، ليصبح واحدًا من أبرز كتاب الأغنية الذين أسهموا في تشكيل ملامح الطرب المصري خلال منتصف القرن العشرين.
البدايات الفنية.. من الكتابة الساخرة إلى عالم الأغنية
بدأ فتحي قورة رحلته الفنية في أربعينيات القرن الماضي، بعدما اتجه إلى كتابة الأغاني للأفلام السينمائية، وكانت بدايته مع فيلم «نور الدين والبحارة الثلاثة» عام 1944، لتتوالى بعدها أعماله التي تنوعت بين الأغاني الكوميدية والعاطفية والاستعراضية.
واستطاع الشاعر الراحل أن يكوّن لنفسه شخصية فنية مختلفة، فلم يعتمد على الكلمات التقليدية، وإنما تميز بالتعبيرات الخفيفة والإيقاع السلس والصور التي تحمل روح الدعابة. وكانت هذه السمات سببًا في انسجام كلماته مع الألحان المرحة التي اشتهر بها عدد من الملحنين، وعلى رأسهم منير مراد.
ومع مرور السنوات، أصبح فتحي قورة من الأسماء التي يحرص المطربون على التعاون معها، خاصة في الأغنيات التي تحتاج إلى كلمات قريبة من الجمهور، تجمع بين البساطة والذكاء وخفة الظل.
أشهر أغاني فتحي قورة التي لا تزال في الذاكرة
ارتبط اسم فتحي قورة بمجموعة من الأغنيات التي حققت شهرة واسعة، وظلت حاضرة في وجدان محبي الطرب حتى بعد مرور عقود على تقديمها.
ومن أبرز هذه الأعمال أغنية «وحياة قلبي وأفراحه» التي غناها عبد الحليم حافظ، وأغنية «دقوا المزاهر» التي قدمها فريد الأطرش، إلى جانب أغنية «الشمس بانت من جديد» لشادية، وأغنية «يا حلاوتك يا جمالك» لفايزة أحمد.
كما كتب قورة أغنيات أخرى ارتبطت بأصوات كبار المطربين، ومن بينها «حلقاتك برجالاتك» لشادية، و«يا سلام على حبي وحبك» التي غناها فريد الأطرش وشادية، و«ألو ألو إحنا هنا» التي قدمتها شادية وفاتن حمامة.
ولم تكن هذه الأغنيات مجرد أعمال ناجحة وقت ظهورها، بل تحولت بعض منها إلى علامات مميزة في تاريخ الأغنية المصرية، بفضل كلماتها التي يسهل تذكرها وألحانها التي بقيت متداولة بين الأجيال.

منير مراد وفتحي قورة.. ثنائي صنع البهجة
شكّل التعاون بين فتحي قورة والملحن منير مراد محطة بارزة في مسيرة الشاعر الغنائي، إذ جمعتهما رؤية فنية تميل إلى المرح والإيقاع الحيوي والكلمات التي تحمل مفارقات طريفة.
وقد ساعد هذا التفاهم على تقديم عدد من الأغنيات التي حققت انتشارًا واسعًا، خاصة أن منير مراد كان يميل إلى الألحان الخفيفة التي تمنح الكلمات مساحة للتعبير عن البهجة والحركة.
وكانت قدرة فتحي قورة على كتابة الأغنيات المناسبة لطبيعة كل مطرب من أهم أسباب استمراره في العمل مع أسماء مختلفة، إذ استطاع أن يكتب للأصوات الرجالية والنسائية، وأن ينتقل بين الأغنيات المرحة والعاطفية والوطنية وفقًا لطبيعة العمل.
ولذلك، لم يرتبط اسمه بلون واحد بصورة جامدة، رغم شهرته الكبيرة بالأغاني ذات الطابع المرح، وهو ما يعكس تنوع تجربته وقدرته على مواكبة متطلبات السينما والغناء في عصره.

فتحي قورة ونجوم الزمن الجميل
تعاون فتحي قورة مع مجموعة من أبرز نجوم الغناء في مصر، من بينهم عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وشادية وفايزة أحمد ومحمد فوزي وصباح، كما ارتبطت كلماته بأعمال سينمائية قدمها عدد من نجوم تلك المرحلة.
وكانت الأغنية السينمائية مساحة مهمة لإظهار موهبته، إذ أسهمت السينما في انتشار كلماته ووصولها إلى جمهور واسع، خاصة عندما كانت الأغنيات جزءًا أساسيًا من أحداث الفيلم وشخصياته.
وتميّزت تجربته بقدرته على كتابة الأغنية بما يتناسب مع الموقف الدرامي، سواء كان كوميديًا أو عاطفيًا أو استعراضيًا. كما ساعدته خبرته في الكتابة على تقديم تعبيرات قريبة من لغة الناس، دون التخلي عن الإيقاع الفني الذي يجعل الأغنية قابلة للحفظ والترديد.
وهكذا أصبح فتحي قورة أحد الشعراء الذين ارتبطت أسماؤهم بمرحلة ذهبية من تاريخ السينما والغناء المصريين، وهي مرحلة شهدت تعاونًا واسعًا بين الشعراء والملحنين والمطربين.
محنة فقدان البصر.. اختبار صعب في حياة الشاعر
لم تخلُ حياة فتحي قورة من المحن، فقد تعرض لمشكلة صحية أدت إلى فقدانه البصر خلال سنوات حياته الأخيرة، وهو ما مثّل تحولًا قاسيًا في حياته الشخصية والفنية.
ووفقًا لما تناولته السير المنشورة عنه، تدخلت أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب للمطالبة بعلاجه على نفقة الدولة، في محاولة لمساعدته على تجاوز أزمته الصحية، لكن العلاج لم ينجح في إعادة بصره.
وكان فقدان البصر تحديًا كبيرًا لشاعر اعتاد التعامل مع الكلمات والكتابة والعمل الفني، وأثّر في ظروفه خلال السنوات الأخيرة من حياته. ومع ذلك، ظل رصيده الغنائي شاهدًا على موهبته وقدرته على ترك أثر فني تجاوز سنوات عمره.
وفي 18 أغسطس 1977، رحل فتحي قورة عن عمر ناهز 57 عامًا، بعد رحلة حافلة بالأعمال التي تعاون فيها مع كبار نجوم الطرب والسينما.

ذكرى ميلاد فتحي قورة.. لماذا لا تزال أغانيه حاضرة؟
تكشف ذكرى ميلاد فتحي قورة عن قيمة الكلمة الغنائية التي تستطيع البقاء رغم تغير الأذواق والأجيال. فالأغنيات التي كتبها لم ترتبط بمرحلة زمنية واحدة، بل استمر تداول عدد منها بفضل بساطتها ومرحها وارتباطها بأصوات فنية تركت بدورها أثرًا كبيرًا في الذاكرة الموسيقية المصرية.
كما تؤكد تجربته أن نجاح الأغنية لا يعتمد على اللحن والصوت فقط، وإنما تلعب الكلمات دورًا أساسيًا في تشكيل هويتها، ومنحها القدرة على الوصول إلى الجمهور والتعبير عن مشاعره.
وفي ذكرى ميلاده، يستحق فتحي قورة أن نستعيد سيرته بوصفه شاعرًا غنائيًا استطاع أن يصنع البهجة بالكلمات، وأن يترك تراثًا فنيًا لا يزال حاضرًا في وجدان محبي الطرب الأصيل.
زوروا صفحتنا على فيسبوك 👇
https://www.facebook.com/share/1CCqKfDHV3/?mibextid=wwXIfr




