تحل في الأول من نوفمبر ذكرى ميلاد الفنان رأفت فهيم، صاحب الصوت المميز الذي ارتبط في أذهان الجمهور بشخصية «عم شكشك» في مسلسل الأطفال الشهير «بوجي وطمطم»، ليظل اسمه حاضرًا في ذاكرة محبي الأعمال الكلاسيكية، رغم مرور سنوات على رحيله. واستطاع رأفت فهيم أن يترك بصمة خاصة في عالم الفن، سواء من خلال الأداء الصوتي أو مشاركاته في الإذاعة والتليفزيون والسينما، ليصبح واحدًا من الفنانين الذين نجحوا في الوصول إلى الجمهور بأدوار بسيطة في مساحتها، لكنها كبيرة في تأثيرها.
ومع حلول ذكرى ميلاد رأفت فهيم، تعود إلى الواجهة حكاية فنان لم يكن حضوره مرتبطًا بالأدوار الرئيسية وحدها، بل استطاع أن يصنع لنفسه مكانة مميزة من خلال شخصيات لا تزال عالقة في أذهان المشاهدين، وفي مقدمتها «عم شكشك»، إلى جانب الشخصية الإذاعية الشهيرة التي ارتبطت بعبارة «فوت علينا بكرة يا سيد».
رأفت فهيم.. النشأة والبداية قبل الشهرة الفنية
وُلد الفنان رأفت فهيم عبد النبي في مدينة الإسكندرية يوم الأول من نوفمبر عام 1927، ونشأ بعيدًا عن الصورة التقليدية التي ارتبطت ببعض نجوم الفن الذين اتجهوا إلى التمثيل منذ سنواتهم الأولى.
وحصل رأفت فهيم على بكالوريوس التجارة من جامعة عين شمس عام 1963، وعمل موظفًا في جامعة القاهرة، قبل أن ينتقل بين عدد من الوظائف، ثم يتجه إلى العمل الفني الذي وجد فيه مساحة لإظهار موهبته وقدرته على الأداء والتعبير.
لم تكن رحلة رأفت فهيم الفنية قائمة على الظهور المستمر في أدوار البطولة، لكنه استطاع أن يثبت حضوره من خلال المشاركة في أعمال متنوعة، مستفيدًا من صوته المميز وقدرته على تقديم الشخصيات بصورة تلقائية جعلتها قريبة من الجمهور.
ومع مرور الوقت، أصبح اسمه مرتبطًا بالأعمال الإذاعية، التي كانت تحتل مكانة كبيرة في حياة المصريين قبل انتشار وسائل الترفيه الحديثة، كما شارك في السينما والتليفزيون والمسرح، ليقدم تجربة فنية متعددة الجوانب.

«عم شكشك».. الشخصية التي صنعت ارتباطًا خاصًا بالأطفال
عندما يُذكر رأفت فهيم، تستحضر ذاكرة الكثيرين شخصية «عم شكشك» في مسلسل الأطفال الشهير «بوجي وطمطم»، الذي ارتبط عرضه بشهر رمضان لسنوات طويلة، وأصبح من الأعمال التي احتفظت بمكانة خاصة لدى أجيال مختلفة من المشاهدين.
وجاءت أهمية الشخصية من طبيعتها الكوميدية وطريقة أدائها، إلى جانب الصوت الذي منحها طابعًا مميزًا، وجعل الجمهور يتعرف عليها بسهولة بمجرد سماعها.
وشارك رأفت فهيم بصوته في تقديم شخصية «عم شكشك»، التي عُرفت بعبارتها الشهيرة «هات العصاية يا ولد»، وهي من الجمل التي ارتبطت بالعمل وظلت حاضرة في الذاكرة الشعبية حتى بعد مرور سنوات طويلة على عرضه.
ولم تكن جاذبية الشخصية مرتبطة بالأطفال وحدهم، فقد استطاع العمل أن يجذب الكبار أيضًا، بفضل طابعه الكوميدي والشخصيات التي جمعت بين البساطة وخفة الظل.
وكان «بوجي وطمطم» من الأعمال التي أسهمت في تشكيل ذكريات رمضانية لدى كثير من الأسر المصرية، إذ اعتاد الجمهور متابعة مغامرات شخصياته، التي قدمها عدد من الفنانين أصحاب البصمات المميزة في الأداء الصوتي.
وهنا تظهر خصوصية تجربة رأفت فهيم؛ إذ استطاع أن يجعل شخصية كرتونية تحتفظ بحضورها لدى الجمهور، رغم أن كثيرين ربما لم يكونوا يعرفون اسم الفنان الذي يقف وراء صوتها.
رأفت فهيم و«همسة عتاب».. حكاية أشهر جملة إذاعية
لم تقتصر شهرة رأفت فهيم على شخصية «عم شكشك»، فقد ارتبط اسمه أيضًا بالبرنامج الإذاعي «همسة عتاب»، الذي تناول مشكلات الناس اليومية وقدمها في قالب إذاعي يعتمد على الأداء التمثيلي.
واشتهر الفنان الراحل من خلال البرنامج بعبارة «فوت علينا بكرة يا سيد»، التي أصبحت واحدة من أشهر الجمل المرتبطة بالروتين الحكومي وتعطيل مصالح المواطنين.
وكانت العبارة جزءًا من شخصية الموظف الذي يتعامل مع أصحاب المصالح بطريقة تعكس التعقيدات والبيروقراطية، وهو ما جعلها قريبة من الواقع الذي يعيشه كثير من الناس.
واستطاع رأفت فهيم أن يقدم هذه الشخصية بطريقة تركت أثرًا واضحًا لدى المستمعين، حتى إن بعضهم ارتبط بالصوت والأداء أكثر من ارتباطه بمعرفة صاحب الدور نفسه.
وتكشف تجربة «همسة عتاب» عن أهمية الإذاعة في تشكيل الوعي الفني والاجتماعي لدى الجمهور، فقد كانت البرامج الإذاعية وسيلة أساسية للتواصل مع الناس، ونقل مشكلاتهم، وتقديم نماذج تمثيلية تعكس تفاصيل الحياة اليومية.
وبفضل هذا الحضور، امتلك رأفت فهيم مساحة خاصة في ذاكرة المستمعين، وأصبح مثالًا للفنان الذي يستطيع أن يحقق تأثيرًا واسعًا من خلال الصوت وحده، دون الحاجة إلى الظهور الدائم أمام الكاميرا.
من «بوجي وطمطم» إلى «رأفت الهجان».. محطات في مشواره الفني
قدم رأفت فهيم مجموعة متنوعة من الأعمال الفنية، شملت السينما والتليفزيون والإذاعة، وشارك في أعمال درامية وكوميدية ودينية، ما يعكس تنوع تجربته وقدرته على التعامل مع أنماط مختلفة من الأداء.
ومن بين الأعمال التي شارك فيها مسلسل «رأفت الهجان»، الذي يُعد من أبرز المسلسلات المصرية التي تناولت عالم الجاسوسية، إلى جانب مسلسل «ساكن قصادي» و«القضاء في الإسلام» و«فوازير زي النهاردة» و«عمو فؤاد رئيس تحرير».
كما ظهر في عدد من الأفلام السينمائية، من بينها «أهل القمة» و«أمير الانتقام»، وشارك في أعمال أخرى تنوعت موضوعاتها بين الدراما والكوميديا والقضايا الاجتماعية.
وتُظهر هذه المشاركات أن مسيرة رأفت فهيم لم تعتمد على شخصية واحدة، رغم أن «عم شكشك» ظلت من أبرز الشخصيات التي ارتبط بها الجمهور.
كما ساعدت مشاركاته المتعددة في تكوين رصيد فني متنوع، جمع بين الأعمال التي تعتمد على الصورة والأداء الجسدي، والأعمال التي تمنح الصوت والحوار الدور الأكبر في التأثير.
ولعل ما يميز تجربة الفنان الراحل أنه استطاع أن يترك بصمته في أعمال تختلف في طبيعتها وجمهورها، بداية من البرامج الإذاعية التي استمع إليها الكبار، وصولًا إلى المسلسلات الكرتونية التي تابعها الأطفال.
لماذا بقيت شخصيات رأفت فهيم حاضرة في ذاكرة الجمهور؟
يرتبط بقاء بعض الفنانين في الذاكرة بقدرتهم على تقديم شخصيات تصبح جزءًا من الحياة اليومية للجمهور، وهو ما حدث مع رأفت فهيم، الذي ارتبط اسمه بعبارتين شهيرتين، لكل منهما سياق مختلف.
فعبارة «هات العصاية يا ولد» أعادت إلى الأذهان أجواء «بوجي وطمطم» وشخصية «عم شكشك»، بينما ارتبطت عبارة «فوت علينا بكرة يا سيد» بمواقف الانتظار والروتين وتعطيل المصالح.
ورغم اختلاف الشخصيتين، فإنهما تكشفان عن قدرة الفنان على توظيف صوته وأدائه في تقديم نماذج واضحة الملامح، يسهل على الجمهور تذكرها وتداول عباراتها.
كما أن ارتباط أعماله بفترات مهمة من تاريخ الإذاعة والتليفزيون المصري ساهم في استمرار حضورها، خاصة أن بعض هذه الأعمال ظل يُستعاد مع الحديث عن ذكريات الطفولة والبرامج الرمضانية القديمة.
ولا يتوقف تأثير الفنان عند عدد مرات ظهوره أو مساحة الدور الذي يؤديه، بل يمتد إلى قدرته على ترك أثر طويل لدى المشاهدين والمستمعين. وقد امتلك رأفت فهيم هذه الميزة، فبقيت شخصياته معروفة حتى لدى أجيال لم تعاصر بدايات مشواره الفني.

رحيل رأفت فهيم وبقاء أعماله في الذاكرة
رحل الفنان رأفت فهيم في 28 فبراير عام 2011، عن عمر ناهز 83 عامًا، بعد مسيرة فنية امتدت لسنوات وشارك خلالها في أعمال متعددة تركت أثرًا لدى الجمهور.
ورغم رحيله، لم تختفِ الشخصيات التي قدمها من الذاكرة، إذ لا تزال مشاركته في «بوجي وطمطم» حاضرة كلما عاد الحديث عن أشهر الأعمال الكرتونية المصرية، كما تستعيد أجيال من المستمعين عبارته الشهيرة في «همسة عتاب».
وتحمل ذكرى ميلاد رأفت فهيم فرصة لاستعادة مشوار فنان لم يعتمد على البطولة المطلقة حتى يثبت موهبته، بل استطاع أن يصنع مكانته من خلال تفاصيل صغيرة تحولت مع الوقت إلى علامات مميزة في تاريخ الفن المصري.
وتبقى تجربة رأفت فهيم دليلًا على أن الصوت قد يكون أحيانًا أقوى من الصورة في صناعة الارتباط بين الفنان والجمهور، وأن الشخصيات التي تُقدم بصدق وموهبة تستطيع تجاوز حدود زمن عرضها لتعيش في الذاكرة سنوات طويلة.
وفي ذكرى ميلاد رأفت فهيم، يظل «عم شكشك» وصاحب عبارة «فوت علينا بكرة يا سيد» حاضرًا في وجدان محبيه، بوصفه فنانًا استطاع أن يترك بصمة خاصة في الإذاعة والتليفزيون والسينما، وأن يجعل من أدواره جزءًا من ذكريات أجيال متعاقبة.
زوروا موقعنا على الفيس بوك 👇
https://www.facebook.com/share/1F3VGfJ5K8/?mibextid=wwXIfr




