عاجلعالم الفن

في ذكرى وفاته.. محمود مرسي أسطورة الأداء الصادق و«عتريس» الذي خلد تاريخ السينما المصرية

تحل اليوم ذكرى وفاة الفنان الكبير محمود مرسي محمد (24 أبريل 2004)، أحد أبرز عمالقة الفن في مصر والعالم العربي، الذي ترك بصمة لا تُنسى في تاريخ السينما والدراما المصرية. فقد استطاع خلال مسيرته الفنية أن يجمع بين القوة والهدوء في الأداء، وأن يقدم شخصيات ما زالت محفورة في ذاكرة الجمهور حتى اليوم، وعلى رأسها شخصية “عتريس” في فيلم “شيء من الخوف”، التي أصبحت علامة فارقة في تاريخ السينما.

النشأة والبدايات

وُلد محمود مرسي في 7 يونيو 1923 بمدينة الإسكندرية، ونشأ في بيئة تعليمية وثقافية متميزة ساعدته على تكوين شخصية فكرية عميقة. التحق بالمدرسة الثانوية الإيطالية، ثم واصل دراسته الجامعية بكلية الآداب – قسم الفلسفة بجامعة الإسكندرية.

لم يكن طريقه إلى الفن مباشرًا، حيث بدأ حياته المهنية مدرسًا، قبل أن يقرر تغيير مساره والسفر إلى فرنسا لدراسة الإخراج السينمائي في معهد الدراسات العليا السينمائية بباريس، وهو ما منحه رؤية فنية مختلفة ومتفردة.

في ذكرى وفاته.. محمود مرسي أسطورة الأداء الصادق و«عتريس» الذي خلد تاريخ السينما المصرية
محمود مرسي

رحلة علمية وفنية بين أوروبا ومصر

أمضى محمود مرسي خمس سنوات في فرنسا، قبل أن يواجه صعوبات مالية أجبرته على الانتقال إلى لندن، حيث عمل في هيئة الإذاعة البريطانية “BBC”. وبعد العدوان الثلاثي عام 1956، عاد إلى مصر ليبدأ مرحلة جديدة في حياته.

عمل في الإذاعة المصرية، ثم مخرجًا في التلفزيون المصري، كما عمل مدرسًا للتمثيل بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وهو ما ساهم في تكوين جيل جديد من الممثلين المتأثرين بأسلوبه الأكاديمي في الأداء.

بداية المشوار السينمائي

دخل محمود مرسي عالم السينما عام 1962 من خلال فيلم “أنا الهارب”، ليبدأ بعدها رحلة فنية غنية امتدت لعقود، جمع فيها بين التمثيل والإخراج والأداء الصوتي.

تميز بأدائه الهادئ والعميق، وقدرته على تجسيد الشخصيات المركبة نفسيًا، سواء في أدوار الخير أو الشر، لكنه برع بشكل خاص في أدوار الشر المركب الذي يحمل أبعادًا إنسانية.

“شيء من الخوف”.. علامة لا تُنسى

يُعد فيلم “شيء من الخوف” عام 1969 نقطة تحول كبرى في مسيرته، حيث جسد شخصية “عتريس”، التي أصبحت واحدة من أشهر الشخصيات في تاريخ السينما المصرية.

قدّم محمود مرسي من خلال هذا الدور أداءً استثنائيًا جمع بين القوة والرمزية، حتى أصبحت الشخصية تُستخدم كرمز للديكتاتورية والخوف في الثقافة العربية، وما زالت تُدرس حتى اليوم كنموذج فني فريد.

أهم أعماله السينمائية

قدّم محمود مرسي خلال مشواره الفني عددًا كبيرًا من الأفلام المهمة، من أبرزها:

شيء من الخوف (1969) – عتريس

السمان والخريف (1967) – عيسى الدباغ

زوجتي والكلب (1971) – مرسي

أغنية على الممر (1972) – شاويش محمد

ليل وقضبان (1973) – اللواء توفيق

أبناء الصمت (1974) – رئيس التحرير

طائر الليل الحزين (1977) – حازم المغربي

من يدفع الثمن؟ (1980) – شريف الهواري

سعد اليتيم (1985) – بدران الجمال

 

في ذكرى وفاته.. محمود مرسي أسطورة الأداء الصادق و«عتريس» الذي خلد تاريخ السينما المصرية
محمود مرسي

وقد تميزت أعماله بالعمق الفكري والطرح الإنساني الذي يتجاوز حدود الترفيه.

المسيرة التلفزيونية

لم يقتصر نجاح محمود مرسي على السينما فقط، بل قدم أيضًا مجموعة من الأعمال الدرامية المهمة، أبرزها:

 

بين القصرين (1987)

 

قصر الشوق (1988)

 

العائلة (1994)

 

أبو العلا 90 (1996)

 

لما التعلب فات (1999)

في ذكرى وفاته.. محمود مرسي أسطورة الأداء الصادق و«عتريس» الذي خلد تاريخ السينما المصرية
محمود مرسي 

كما شارك في أعمال إذاعية ومسلسلات صوتية أثبتت قدرته الكبيرة على التعبير بالصوت فقط.

حياته الشخصية

تزوج الفنان محمود مرسي من الفنانة الكبيرة سميحة أيوب، وأنجب منها ابنه الوحيد علاء. وقد شكل هذا الزواج أحد أبرز الزيجات الفنية في الوسط الثقافي المصري، حيث جمع بين اثنين من أهم رموز الفن في مصر.

وفاته وإرثه الفني

رحل الفنان محمود مرسي في 24 أبريل 2004 بمدينة الإسكندرية، إثر أزمة قلبية مفاجئة أثناء تصوير مسلسل “وهج الصيف”، عن عمر ناهز 80 عامًا.

ورغم رحيله، إلا أن إرثه الفني ما زال حاضرًا بقوة، حيث يُعتبر واحدًا من أهم الممثلين الذين قدموا الأداء الواقعي العميق في السينما المصرية، وترك بصمة لا تُنسى في تاريخ الفن العربي.

ختام

يبقى محمود مرسي حالة فنية فريدة لا تتكرر، استطاع أن يجمع بين الفكر والفن، وأن يقدم أعمالًا خالدة تعكس قوة الأداء وصدق الإحساس. وفي ذكرى وفاته، يستعيد الجمهور مشاهد من أعماله التي لا تزال تُدرس وتُشاهد حتى اليوم، تأكيدًا على أن الفن الحقيقي لا يموت.