في مثل هذا اليوم عام 1956.. فرنسا وبريطانيا تبدآن قصف مصر لإجبارها على فتح قناة السويس.. ومصر تقطع العلاقات الدبلوماسية مع الدولتين.. شهد يوم 31 أكتوبر عام 1956 واحدة من أخطر المحطات في تاريخ مصر الحديث، عندما بدأت القوات الجوية البريطانية والفرنسية شن غارات جوية على الأراضي المصرية، في إطار العدوان الثلاثي الذي استهدف مصر عقب قرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس.
وجاء القصف بعد رفض مصر الإنذار البريطاني الفرنسي الذي طالب بانسحاب القوات المصرية والإسرائيلية من مناطق محددة حول القناة، وهو ما اعتبرته القاهرة تدخلًا سافرًا في سيادتها الوطنية ومحاولة لفرض السيطرة الأجنبية على الممر الملاحي الاستراتيجي.
وفي مواجهة التصعيد العسكري، أعلنت مصر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع بريطانيا وفرنسا، كما اتخذت إجراءات تتعلق باتفاقية الجلاء الموقعة عام 1954، التي كانت تنظم انسحاب القوات البريطانية من منطقة قناة السويس.
وكانت تلك الأحداث بداية مرحلة شديدة الخطورة في تاريخ البلاد، حيث واجه المصريون هجومًا عسكريًا من ثلاث دول، في وقت كانت فيه مصر تتمسك بحقها في إدارة قناة السويس بعد تأميمها، وترفض العودة إلى السيطرة الأجنبية على مقدراتها.
وفي ذكرى هذه الأحداث، نستعيد تفاصيل العدوان الثلاثي على مصر، وخلفيات القصف البريطاني الفرنسي، والمواقف المصرية التي تحولت إلى جزء مهم من تاريخ المقاومة الوطنية.
تأميم قناة السويس.. القرار الذي أشعل الأزمة مع بريطانيا وفرنسا
بدأت جذور الأزمة في 26 يوليو عام 1956، عندما أعلن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس، خلال خطابه الشهير في ميدان المنشية بمدينة الإسكندرية، مؤكدًا أن القناة أصبحت ملكًا للدولة المصرية، وأن عائداتها ستُستخدم في تمويل المشروعات الوطنية، وعلى رأسها مشروع بناء السد العالي.
وكانت قناة السويس قبل التأميم خاضعة لإدارة شركة مساهمة ذات مصالح أجنبية، وكانت بريطانيا وفرنسا تمتلكان نفوذًا كبيرًا فيها، ولذلك أثار القرار غضب حكومتي البلدين، اللتين اعتبرتا أن مصالحهما الاقتصادية والاستراتيجية أصبحت مهددة.
أما مصر، فتمسكت بحقها في إدارة القناة باعتبارها جزءًا من أراضيها، وأكدت أن التأميم لن يمنع حرية الملاحة الدولية، وأن السفن ستواصل عبورها وفق القواعد المنظمة للممر الملاحي.
وتحول الخلاف حول القناة تدريجيًا إلى أزمة دولية، خاصة بعد فشل المحاولات الدبلوماسية في التوصل إلى تسوية ترضي الأطراف المختلفة.
كما كانت هناك دوافع سياسية أخرى لدى فرنسا، من بينها موقف عبد الناصر الداعم لحركات التحرر الوطني في الجزائر، التي كانت تخوض حربًا ضد الاستعمار الفرنسي.
العدوان الثلاثي على مصر.. اتفاق سري سبق الهجوم العسكري
لم يكن الهجوم البريطاني الفرنسي منفصلًا عن التحركات العسكرية الإسرائيلية، فقد كشفت الوثائق التاريخية أن بريطانيا وفرنسا وإسرائيل توصلت إلى تفاهم سري خلال اجتماعات سيفر في فرنسا خلال أكتوبر 1956.
وقضى التفاهم بأن تبدأ إسرائيل هجومًا عسكريًا على سيناء يوم 29 أكتوبر، ثم توجه بريطانيا وفرنسا إنذارًا إلى مصر وإسرائيل يطالبهما بالابتعاد عن قناة السويس، مع السماح للقوات البريطانية والفرنسية بالتمركز في مواقع استراتيجية داخل الأراضي المصرية.
وكان الرفض المصري المتوقع للإنذار سيُستخدم ذريعة لبدء التدخل العسكري البريطاني الفرنسي.
وبالفعل، بدأت القوات الإسرائيلية هجومها على سيناء يوم 29 أكتوبر 1956، ثم أصدرت لندن وباريس إنذارهما يوم 30 أكتوبر، مطالبتين الطرفين بوقف القتال والابتعاد عن القناة، وقبول وجود قواتهما في مدن بورسعيد والإسماعيلية والسويس.
ورفضت مصر الإنذار، لأنه تضمن شروطًا تمس سيادتها على أراضيها وتسمح لقوات أجنبية باحتلال مواقع استراتيجية داخل البلاد.
وفي صباح 31 أكتوبر، بدأت القوات الجوية البريطانية والفرنسية تنفيذ عملياتها العسكرية ضد مصر، تحت اسم عملية «موسكتير»، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة من المواجهة المسلحة.

قصف المطارات المصرية.. بداية العمليات الجوية
ركزت المرحلة الأولى من الهجوم على تدمير أو تحييد القوة الجوية المصرية، حيث شنت الطائرات البريطانية والفرنسية غارات على عدد من المطارات والقواعد العسكرية في منطقة القناة والدلتا.
وشاركت في العمليات قاذفات بريطانية من طراز كانبيرا وفاليانت، إلى جانب طائرات مقاتلة وقاذفات فرنسية، وانطلقت بعض الطلعات من قواعد عسكرية في قبرص ومالطا.
واستهدفت الغارات المطارات والمنشآت العسكرية، في محاولة لإضعاف قدرة القوات الجوية المصرية على التصدي للهجوم، وتمهيد الطريق أمام العمليات البرية والبحرية اللاحقة.
ولم تقتصر المواجهة على العمليات الجوية، فقد تزامن القصف مع تحركات سياسية ودبلوماسية واسعة، حيث لجأت مصر إلى مجلس الأمن، مطالبة بوقف العدوان واحترام سيادتها وسلامة أراضيها.
وشهد مجلس الأمن مناقشات حادة يوم 31 أكتوبر، لكن بريطانيا وفرنسا استخدمتا حق النقض ضد مشروع قرار يتعلق بالأزمة، الأمر الذي دفع إلى نقل القضية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة.
مصر تقطع العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا وفرنسا
في مواجهة الهجوم العسكري، اتخذت مصر قرارًا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا وفرنسا، بعد أن تحولت الأزمة إلى عدوان عسكري مباشر على أراضيها.
وكان القرار رسالة سياسية واضحة برفض استمرار العلاقات الطبيعية مع الدولتين في ظل مشاركتهما في العمليات العسكرية ضد مصر.
كما شهدت البلاد إجراءات استثنائية لحماية المنشآت الحيوية وتأمين المرافق الاستراتيجية، في الوقت الذي كانت فيه القوات المصرية تواجه الهجوم على أكثر من جبهة.
وأصبح قطع العلاقات الدبلوماسية أحد أبرز المواقف المصرية خلال الأزمة، حيث عكست الخطوة حجم التصعيد الذي وصلت إليه المواجهة بين القاهرة وكل من لندن وباريس.
أما اتفاقية الجلاء الموقعة عام 1954، فقد أصبحت من الملفات التي تأثرت مباشرة بالعدوان، إذ اتجهت مصر إلى إلغائها في يناير 1957، ردًا على المشاركة البريطانية في الهجوم، وليس في يوم بدء القصف نفسه.
وكانت الاتفاقية قد نظمت انسحاب القوات البريطانية من منطقة قناة السويس، ومثلت إحدى أهم نتائج المفاوضات المصرية البريطانية بعد ثورة يوليو 1952.

بورسعيد.. مدينة واجهت العدوان الثلاثي
مع استمرار العمليات العسكرية، انتقل الهجوم إلى مرحلة جديدة تمثلت في الإنزال الجوي والبحري، حيث بدأت القوات البريطانية والفرنسية تنفيذ عملياتها في منطقة بورسعيد يوم 5 نوفمبر 1956.
وفي اليوم التالي، نزلت القوات البريطانية والفرنسية إلى المدينة، لتبدأ مواجهات عنيفة مع المقاومة المصرية والقوات المدافعة.
وسجلت بورسعيد واحدة من أبرز صفحات المقاومة الشعبية في التاريخ المصري، حيث شارك الأهالي في مواجهة القوات المعتدية، وقدموا نماذج من التضحية والصمود دفاعًا عن مدينتهم ووطنهم.
ولم تكن المقاومة مقتصرة على القوات النظامية، بل شارك المواطنون في تنظيم عمليات الدفاع والإمداد والمساندة، وأصبح أبناء بورسعيد جزءًا أساسيًا من المواجهة.
وتحولت المدينة إلى رمز للصمود الوطني، وظلت أحداث نوفمبر 1956 حاضرة في الذاكرة المصرية باعتبارها واحدة من أهم المحطات التي جسدت تلاحم الشعب مع قواته المسلحة.
الضغط الدولي يجبر القوات المعتدية على وقف القتال
لم يستمر العدوان طويلًا أمام الضغوط الدولية المتزايدة، فقد واجهت بريطانيا وفرنسا انتقادات واسعة داخل الأمم المتحدة، كما تعرضتا لضغوط سياسية واقتصادية، خاصة من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
وفي الأول من نوفمبر، بدأت الجمعية العامة للأمم المتحدة مناقشة الأزمة خلال دورة استثنائية طارئة، وطالبت بوقف إطلاق النار وانسحاب القوات الأجنبية من الأراضي المصرية.
كما تقرر إنشاء أول قوة طوارئ تابعة للأمم المتحدة، بهدف الإشراف على وقف القتال والمساعدة في ضمان انسحاب القوات المعتدية.
وفي 6 نوفمبر 1956، وافقت بريطانيا وفرنسا على وقف إطلاق النار، بعد أن أصبحت كلفة استمرار العمليات العسكرية مرتفعة في ظل الضغوط الدولية.
وانسحبت القوات البريطانية والفرنسية من الأراضي المصرية خلال ديسمبر 1956، بينما استمرت المفاوضات بشأن انسحاب القوات الإسرائيلية من سيناء وقطاع غزة، حتى اكتمل انسحابها في مارس 1957.

العدوان الثلاثي على مصر.. درس تاريخي في السيادة الوطنية
مثّل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 نقطة تحول مهمة في تاريخ المنطقة، ليس فقط بسبب المواجهة العسكرية، ولكن أيضًا لما كشف عنه من تشابك المصالح الدولية والصراعات السياسية حول الممرات الملاحية الاستراتيجية.
فقد تمسكت مصر بحقها في إدارة قناة السويس، ورفضت الإنذار البريطاني الفرنسي الذي طالب بوجود قوات أجنبية على أراضيها، واتخذت موقفًا سياسيًا واضحًا بقطع العلاقات مع الدولتين المعتديتين.
كما أثبتت أحداث بورسعيد أن المقاومة الشعبية كان لها دور بارز في مواجهة الاحتلال، وأن الدفاع عن السيادة الوطنية لم يكن مسؤولية القوات المسلحة وحدها، بل شارك فيه أبناء الشعب المصري بمختلف فئاته.
وفي ذكرى هذه الأحداث، تبقى قصة تأميم القناة والعدوان الثلاثي وما أعقبهما من مواقف سياسية وعسكرية جزءًا أساسيًا من تاريخ مصر الحديث، وشاهدًا على مرحلة واجهت فيها البلاد تحديات دولية وعسكرية كبرى.
زوروا صفحتنا على فيسبوك 👇
https://www.facebook.com/share/1J9GtPmBsZ/?mibextid=wwXIfr




