أخبار وتقاريرمحافظات

كشف أثري جديد بالواحات الداخلة.. مقبرة هرمية من العصر الروماني تضم نقوشًا نادرة ومرثية باليونانية القديمة

شهدت منطقة بئر الشغالة بالواحات الداخلة في محافظة الوادي الجديد كشفًا أثريًا جديدًا، بعدما نجحت البعثة الأثرية المصرية العاملة بالمنطقة في العثور على مقبرة هرمية الشكل تعود إلى العصر الروماني، وتتميز بتخطيط معماري فريد ومدخل حجري مزين بنقوش وكتابات جنائزية، من بينها مشهد نادر من كتاب «الإيمي دوات»، إلى جانب لوحة حجرية تحمل مرثية جنائزية مكتوبة باليونانية القديمة.

ويكشف هذا الاكتشاف عن جانب مهم من تاريخ الواحات الداخلة خلال العصر الروماني، كما يبرز طبيعة التداخل الحضاري والفني والديني الذي شهدته المنطقة، من خلال الجمع بين العناصر المعمارية المصرية القديمة والنصوص الجنائزية المرتبطة بالمعتقدات المصرية، إلى جانب التأثيرات اليونانية والرومانية التي ظهرت في المنطقة خلال تلك الفترة.

كشف أثري جديد يكشف أسرار مقبرة هرمية من العصر الروماني

أسفرت أعمال الحفائر في منطقة بئر الشغالة عن الكشف عن مقبرة هرمية الشكل مشيدة من الطوب اللبن، خُصصت لدفن رجل وزوجته، وتتميز بمجموعة من العناصر المعمارية والفنية التي تجعلها من الاكتشافات المهمة في جبانة المنطقة.

وتبدأ المقبرة بسلم مكون من 14 درجة يؤدي إلى مدخلها الرئيسي المشيد من الحجر الرملي، والذي نُفذ على الطراز المصري القديم، وزُين بمجموعة من النقوش والكتابات الهيروغليفية المنفذة بالنحت الغائر.

وتتضمن النقوش الموجودة على المدخل مجموعة من التعاويذ والتلاوات الجنائزية التي ارتبطت بمعتقدات الحماية والعبور إلى العالم الآخر، بما يعكس استمرار حضور التقاليد المصرية القديمة داخل المجتمع المحلي خلال العصر الروماني.

ويتميز المدخل بتكوين معماري فريد، حيث يعلوه كورنيش مصري مزين بالشمس المجنحة وحيتين من الكوبرا، يلي ذلك عنصر معماري يأخذ شكل حزمة من أعواد البوص، في تكوين يجمع بين الرموز والعناصر المعمارية المصرية التقليدية.

كشف أثري جديد بالواحات الداخلة.. مقبرة هرمية من العصر الروماني تضم نقوشًا نادرة ومرثية باليونانية القديمة
الكشف الأثري الجديد

مشهد نادر من كتاب «الإيمي دوات» يظهر داخل المقبرة

ومن أبرز العناصر التي كشفت عنها أعمال الحفائر العتب العلوي لمدخل المقبرة، والذي يحمل منظرًا جنائزيًا نادرًا يظهر للمرة الأولى في مقابر جبانة بئر الشغالة.

ويصور المشهد الساعة السابعة من كتاب «الإيمي دوات»، وهو أحد الكتب المرتبطة بعالم الآخر في مصر القديمة، بينما تمتد النقوش على جانبي المشهد لتضم نصوصًا ومناظر جنائزية مرتبطة بصاحبي المقبرة.

ويكتسب هذا العنصر أهمية خاصة من الناحية الأثرية، لأنه يقدم دليلاً جديدًا على استمرار استخدام وتوظيف النصوص والمعتقدات الجنائزية المصرية القديمة في الواحات خلال العصر الروماني، إلى جانب العناصر التي تعكس التأثيرات الثقافية التي شهدتها مصر في تلك الحقبة.

كما عُثر على المدخل مغلقًا بسدة حجرية تحمل هيئة أوزيرية، وتحيط بها مجموعة من التعاويذ والنصوص التي ارتبطت بمعتقدات الحماية والدفن والحياة الأخرى.

التخطيط المعماري للمقبرة يكشف تفاصيل جديدة

يؤدي مدخل المقبرة إلى صالة مستعرضة مشيدة من الطوب اللبن، ويغطيها سقف مقبب، وقد سقط جزء من الناحية الغربية للسقف، بينما توجد إلى يمين الصالة حجرتان مخصصتان للدفن.

وشُيدت حجرات الدفن من الطوب اللبن، وغُطيت بطبقة من الملاط، ويعلو هذه الحجرات الشكل الهرمي للمقبرة، وهو ما يمنح المبنى تكوينًا معماريًا مميزًا يعكس أحد أنماط العمارة الجنائزية التي ظهرت في جبانة بئر الشغالة.

وتشير تفاصيل التخطيط إلى وجود تصور معماري متكامل للمقبرة، يبدأ من المدخل والسلم، مرورًا بالصالة الرئيسية، وصولًا إلى حجرات الدفن، مع وجود الشكل الهرمي في الجزء العلوي، وهو نمط يجمع بين الوظيفة الجنائزية والرمزية الدينية.

مرثية جنائزية باليونانية القديمة تسجل حياة أحد أصحاب المقبرة

ومن أهم نتائج الكشف الأثري الجديد العثور على لوحة حجرية جنائزية مثبتة بالجدار الجنوبي للشكل الهرمي للمقبرة.

وجاءت اللوحة مستطيلة الشكل وتنتهي من أعلى بشكل جمالوني يتوسطه قرص الشمس المنفذ بالنحت البارز، بينما تحمل نصًا مكتوبًا بالمداد الأحمر باللغة اليونانية القديمة.

وتتكون المرثية الجنائزية من 19 سطرًا، وقد خصصت لشخص يدعى «بيسيختيس»، وتشير الدراسة الأولية إلى أنه ربما كان يشغل منصب قاضٍ.

وتؤرخ المرثية إلى أواخر القرن الثالث وبدايات القرن الرابع الميلادي، وهو ما يجعلها شاهدًا مهمًا على جوانب من الحياة الأدبية والثقافية في الواحات خلال العصر الروماني.

كما تكشف هذه المرثية عن جانب من التنوع اللغوي والثقافي الذي شهدته المنطقة، حيث ظهرت اللغة اليونانية إلى جانب استمرار استخدام الرموز والنصوص المصرية القديمة داخل المقابر والمنشآت الجنائزية.

مائدة قرابين وحوض تطهير وعملة للإمبراطور قسطنطين

ولم تقتصر نتائج الحفائر على المقبرة ونقوشها، حيث أسفرت الأعمال أيضًا عن العثور على مائدة قرابين مصنوعة من الحجر الرملي، تعلو حوضًا للتطهير من المادة نفسها.

وتعد هذه العناصر من اللقى التي تساعد في فهم طبيعة الطقوس والممارسات الجنائزية التي كانت مرتبطة بالمقبرة، خاصة في ظل وجود النصوص والمناظر التي تتعلق بالحياة الأخرى ومعتقدات الحماية والعبور.

كما عثرت البعثة على مجموعة متنوعة من الأواني الفخارية، إلى جانب عملة برونزية تحمل نقشًا بارزًا للإمبراطور الروماني قسطنطين.

وتساعد هذه اللقى في وضع إطار زمني وثقافي للموقع، كما تقدم مؤشرات مهمة حول الفترات التي شهدت استخدام المقبرة والأنشطة المرتبطة بها.

دلائل على إعادة استخدام المقبرة في فترة لاحقة

وأظهرت أعمال الحفائر وجود شواهد أثرية تشير إلى احتمال إعادة استخدام المقبرة خلال فترة لاحقة، حيث عُثر في الجزء العلوي منها على مقصورة مشيدة من الطوب اللبن تعلو المدخل الرئيسي.

وأمام هذه المقصورة وُجد مزار جنائزي يضم أربعة أعمدة مربعة مشيدة من الطوب اللبن، وهو ما يضيف عنصرًا معماريًا جديدًا إلى المقبرة ويشير إلى استمرار استخدام الموقع لأغراض مرتبطة بالممارسات الجنائزية.

وتوضح هذه العناصر أن المقابر في منطقة بئر الشغالة لم تكن مجرد أماكن للدفن، وإنما كانت تضم مجموعة من المنشآت والمساحات التي ارتبطت بالطقوس والممارسات الدينية والجنائزية، وهو ما يفسر تنوع عناصرها المعمارية والفنية.

كشف أثري جديد بالواحات الداخلة.. مقبرة هرمية من العصر الروماني تضم نقوشًا نادرة ومرثية باليونانية القديمة
الكشف الأثري الجديد

أهمية منطقة بئر الشغالة في تاريخ الواحات الداخلة

تعد منطقة بئر الشغالة واحدة من المواقع الأثرية المهمة في الواحات الداخلة، حيث تمثل إحدى جبانات مدينة موط، التي كانت عاصمة الواحة خلال العصرين البطلمي والروماني.

وترجع التسمية الحديثة للمنطقة إلى وجود بئر للمياه كان يعرف باسم «بئر الشغالة»، بينما بدأت أعمال الحفائر الأثرية بالمنطقة عام 2002، وشهدت المواسم المتعاقبة الكشف عن عدد كبير من المقابر ذات التخطيطات والطرز المعمارية المتنوعة.

وتكشف هذه المقابر عن نمط معماري يجمع بين العناصر المصرية القديمة والتأثيرات التي ظهرت خلال العصرين البطلمي والروماني، بما يعكس طبيعة الحياة في الواحات خلال تلك المرحلة التاريخية.

وتتميز بعض المقابر بوجود فناء مكشوف، وقد يتحول في بعض الحالات إلى سلم تحيط به مذابح، ويرجح ارتباط هذه العناصر بإقامة طقوس جنائزية في الهواء الطلق.

مزيج مصري ويوناني وروماني داخل جبانة بئر الشغالة

تكشف المقابر المكتشفة في المنطقة عن مزيج واضح بين التقاليد المصرية القديمة والتأثيرات اليونانية والرومانية، وهو ما يظهر في التخطيط المعماري والنقوش والمناظر والنصوص.

وتضم بعض المقابر طابقًا علويًا يحتوي على مزار جنائزي يعلوه شكل هرمي، بينما تتكون المخططات الداخلية لعدد من المقابر من صالة أمامية تؤدي إلى حجرات للدفن.

وعُثر داخل بعض هذه الحجرات على توابيت حجرية وفخارية، كما اتخذت الأسقف في عدد من الحجرات الشكل المقبى، وشُيدت إما من الحجر الرملي أو من الطوب اللبن المصنوع من الطفلة المحلية.

وتزين جدران وأسقف عدد من الحجرات مناظر ونصوص جنائزية مستمدة من كتب العالم الآخر في مصر القديمة، إلى جانب عناصر يونانية ورومانية، في صورة تعكس طبيعة المعتقدات والعادات والتقاليد التي عرفها سكان مدينة «موثيس» القديمة، وهي موط الحالية، خلال تلك الفترة.

كشف أثري جديد بالواحات الداخلة.. مقبرة هرمية من العصر الروماني تضم نقوشًا نادرة ومرثية باليونانية القديمة
الكشف الأثري الجديد

دلالة الكشف على الحياة الثقافية والدينية في الواحات

يمثل الكشف الأثري الجديد إضافة مهمة إلى سجل الاكتشافات التي تساعد على فهم تاريخ الواحات الداخلة خلال العصرين البطلمي والروماني، خاصة أنه يجمع بين عناصر معمارية مصرية قديمة ونصوص جنائزية باللغة اليونانية.

وتقدم المرثية الجنائزية المكتوبة باليونانية القديمة معلومات مهمة عن الحياة الأدبية والثقافية، بينما تكشف النصوص الهيروغليفية ومشهد كتاب «الإيمي دوات» عن استمرار حضور المعتقدات المصرية المرتبطة بالعالم الآخر.

كما أن وجود العملة البرونزية والأواني الفخارية ومائدة القرابين وحوض التطهير يضيف مجموعة من الأدلة المادية التي تساعد على دراسة الحياة اليومية والطقوس والممارسات التي ارتبطت بسكان المنطقة.

خاتمة

يؤكد الكشف الأثري الجديد في بئر الشغالة بالواحات الداخلة أن المنطقة لا تزال تحمل العديد من الأسرار الأثرية والتاريخية، خاصة في ظل تنوع المقابر والمنشآت والنقوش واللقى التي تكشف عن تفاعل الحضارات والثقافات المختلفة في الواحات عبر العصور.

وتبرز المقبرة الهرمية المكتشفة بما تضمه من مدخل حجري فريد، ونقوش هيروغليفية، ومشهد من كتاب «الإيمي دوات»، ومرثية جنائزية باللغة اليونانية القديمة، ومجموعة من اللقى الأثرية، أهمية الواحات الداخلة كموقع يحمل شواهد مهمة على تطور الممارسات الجنائزية والحياة الدينية والثقافية في مصر خلال العصر الروماني.

زوروا موقعنا على الفيس بوك 👇 

https://www.facebook.com/share/1F3VGfJ5K8/?mibextid=wwXIfr