عالم الفن

في ذكرى وفاة ناهد صبري.. حكاية الراقصة التي هربت من قريتها بحثًا عن الفن وانتهت رحلتها بالحجاب

تحل اليوم ذكرى وفاة الفنانة والراقصة المصرية ناهد صبري، التي رحلت في 10 أكتوبر عام 1987، بعد رحلة فنية بدأت من حلم بسيط بترك الحياة التقليدية والاقتراب من عالم السينما، وانتهت بمسار مختلف تمامًا بعدما ابتعدت عن الأضواء وأدت فريضة الحج وارتدت الحجاب. وتظل سيرتها واحدة من الحكايات اللافتة في تاريخ الرقص والسينما المصرية، خاصة أنها عاشت مراحل متعددة جمعت بين الرقص والتمثيل والسفر والاستقرار في الولايات المتحدة ثم العودة إلى مصر. 

ناهد صبري.. فتاة صغيرة حلمت بالسينما

ولدت ناهد صبري في 28 ديسمبر عام 1925، في قرية صغيرة بالقرب من مدينة طنطا بمحافظة الغربية. ومنذ سنواتها الأولى لم تكن تشعر بالانتماء إلى الحياة التي تعيشها، وكانت تبحث عن عالم مختلف، جذبها إليه سحر السينما وما كانت تشاهده من صور الفنانين في المجلات والصحف.

وتروي سيرتها أنها اتفقت مع شقيقتها على الهروب إلى القاهرة، حيث كانت تعيش إحدى قريباتهما، لتبدأ هناك مرحلة جديدة من حياتها. وكانت دور العرض السينمائي من الأماكن التي جذبتها بشدة، خاصة بعدما شاهدت نجمات الرقص في ذلك الوقت، وعلى رأسهن تحية كاريوكا وسامية جمال. 

لم تكتفِ ناهد بالمشاهدة، وإنما كانت تحفظ الحركات التي تراها على الشاشة وتحاول تقليدها في المنزل أمام شقيقتها وقريبتها، وهو ما كشف مبكرًا عن موهبة فطرية في الرقص.

من تقليد تحية كاريوكا وسامية جمال إلى الاحتراف

كان انبهار ناهد صبري بتحية كاريوكا وسامية جمال نقطة مهمة في تكوين شخصيتها الفنية، فقد أصبحت متابعة الرقص بالنسبة إليها أكثر من مجرد إعجاب بفنانات شهيرات، وتحول الأمر إلى رغبة حقيقية في احتراف الفن.

ومع الوقت، بدأت خطواتها الفعلية داخل الوسط الفني، وكان المخرج حسين فوزي من الذين اكتشفوا موهبتها، كما درست الباليه على يد الفنانة اليونانية نيللي مظلوم، الأمر الذي ساعدها على تطوير قدراتها في الرقص والحركة والاستعراض. 

وكان دخولها عالم الفن في تلك الفترة أمرًا يحتاج إلى قدر كبير من الجرأة، خصوصًا بالنسبة لفتاة نشأت في بيئة بعيدة عن أجواء السينما، وهو ما يجعل قصة بدايتها واحدة من أكثر تفاصيل سيرتها إثارة للاهتمام.

في ذكرى وفاة ناهد صبري.. حكاية الراقصة التي هربت من قريتها بحثًا عن الفن وانتهت رحلتها بالحجاب
ناهد صبري

ناهد صبري.. من الرقص إلى شاشة السينما

لم تكتفِ ناهد صبري بالعمل كراقصة، وإنما سعت أيضًا إلى دخول عالم التمثيل، وشاركت في مجموعة من الأفلام السينمائية خلال فترة نشاطها الفني.

وتشير قواعد البيانات الفنية إلى أن سنوات نشاطها السينمائي امتدت بصورة أساسية من عام 1959 حتى عام 1970، وقدمت خلالها أكثر من 20 مشاركة سينمائية بين التمثيل والرقص والاستعراض. 

ومن أبرز الأفلام التي ارتبط اسمها بها «صخرة الحب»، و«يوم بلا غد»، و«آه من حواء»، و«القصر الملعون»، و«المصيدة»، و«النشال»، و«الناصر صلاح الدين»، و«ألف ليلة وليلة»، و«المماليك»، و«تفاحة آدم»، بالإضافة إلى «نار الشوق» الذي كان آخر أفلامها وفق البيانات المتاحة. 

ورغم أن معظم أدوارها جاءت في مساحة الرقص والاستعراض، فإن وجودها وسط عدد من نجوم السينما المصرية منحها حضورًا خاصًا، وجعل صورتها جزءًا من أفلام تنتمي إلى مراحل مهمة من تاريخ الشاشة المصرية.

من بين الأعمال التي شاركت فيها ناهد صبري فيلم «الناصر صلاح الدين»، أحد أشهر الأفلام التاريخية في السينما المصرية، كما ظهرت في «تفاحة آدم»، وهو من الأفلام التي ظلت مرتبطة بذاكرة جمهور السينما القديمة.

كما شاركت في «المماليك» و«ألف ليلة وليلة» و«هل أنا مجنونة» و«اللهب»، وهي أعمال تعكس تنوع الإنتاج السينمائي خلال فترة الستينيات، وهي الفترة التي شهدت حضورًا قويًا للرقص والاستعراض داخل الأفلام المصرية.

وكانت طبيعة السينما في ذلك الوقت تتيح للراقصات مساحة واضحة داخل الأحداث، سواء من خلال تقديم وصلات استعراضية أو المشاركة في بعض المشاهد، وهو ما منح ناهد صبري فرصة للوجود في عدد كبير من الإنتاجات خلال فترة زمنية ليست طويلة.

«نار الشوق».. آخر محطة سينمائية

يُعد فيلم «نار الشوق» عام 1970 آخر الأفلام المسجلة في مسيرتها الفنية، وشارك في بطولته عدد كبير من النجوم، من بينهم صباح ورشدي أباظة وحسين فهمي وهويدا وعبد المنعم إبراهيم.

وجاء الفيلم ليكون نهاية مرحلة مهمة من مشوار ناهد صبري، التي ابتعدت بعد ذلك عن السينما ولم تعد إلى نشاطها الفني بالصورة السابقة. 

وبذلك انتهت واحدة من المراحل الفنية التي شهدت وجودها على الشاشة، بعد أكثر من عقد من الحضور في السينما المصرية.

في ذكرى وفاة ناهد صبري.. حكاية الراقصة التي هربت من قريتها بحثًا عن الفن وانتهت رحلتها بالحجاب
ناهد صبري

رحلة إلى أمريكا وإنشاء مدرسة للرقص

لم تتوقف حياة ناهد صبري عند حدود السينما المصرية، فقد سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأقامت هناك فترة، وأنشأت مدرسة لتعليم الرقص.

وتكشف هذه المرحلة عن جانب مختلف من شخصيتها؛ فهي لم تعتمد على الظهور أمام الكاميرا فقط، وإنما استطاعت تحويل خبرتها في الرقص إلى مجال للتعليم والتدريب، لتصبح صاحبة مشروع خاص بعيدًا عن الاستوديوهات وشاشات السينما. 

وكان السفر إلى الولايات المتحدة في تلك الفترة تجربة جديدة بالنسبة لها، قبل أن تعود مرة أخرى إلى مصر وتبدأ مرحلة أكثر هدوءًا بعيدًا عن الوسط الفني.

الاعتزال بعد الحج وارتداء الحجاب

من أكثر المحطات اختلافًا في حياة ناهد صبري قرارها الابتعاد عن الفن، حيث تشير المصادر الفنية إلى أنها اعتزلت عام 1987 بعد أدائها فريضة الحج.

وبعد عودتها إلى مصر، ارتدت الحجاب وابتعدت بصورة نهائية عن الأضواء، لتغلق بذلك صفحة طويلة من حياتها ارتبطت بالسينما والرقص والاستعراض. 

وكان قرار الاعتزال مختلفًا تمامًا عن الصورة التي عرفها بها الجمهور، إذ اختارت في سنواتها الأخيرة حياة أكثر هدوءًا بعيدًا عن الشهرة والعمل الفني.

ذكرى وفاة ناهد صبري وتاريخ فني لا يزال حاضرًا

توفيت ناهد صبري في 10 أكتوبر عام 1987، عن عمر ناهز 61 عامًا وفق قواعد البيانات الفنية التي تؤرخ لحياتها، لتتزامن ذكرى رحيلها مع واحدة من المراحل المهمة في تاريخ السينما المصرية. 

ورغم أن سنوات نشاطها الفني لم تكن طويلة مقارنة بفنانات أخريات، فإنها تركت حضورًا واضحًا من خلال عشرات المشاركات السينمائية، خاصة في الأفلام التي جمعت بين الدراما والرقص والاستعراض.

وتبقى حكاية ناهد صبري مختلفة لأنها لم تكن مجرد قصة فنانة ظهرت على الشاشة، وإنما رحلة إنسانة بدأت بحلم طفولي، وخاضت من أجله صعوبات كبيرة، وانتقلت من قرية صغيرة إلى القاهرة، ثم إلى عالم السينما، وبعدها إلى الولايات المتحدة، قبل أن تختار في النهاية الابتعاد عن الأضواء.

وفي ذكرى وفاة ناهد صبري، تستعيد السينما المصرية واحدة من الوجوه التي عاشت عصرًا ذهبيًا للرقص والاستعراض، وشاركت في عدد من الأفلام التي لا تزال تعرض حتى اليوم، بينما تظل تفاصيل حياتها، من الهروب بحثًا عن الفن إلى الاعتزال والحجاب، جزءًا من الحكايات الإنسانية التي صاحبت نجوم الزمن الجميل.

زوروا صفحتنا علي الفيس بوك👇

https://www.facebook.com/share/1F3VGfJ5K8/?mibextid=wwXIfr