مقالات

نصيحة مقاتل للخليفة أبي جعفر.. حكاية تهز القلوب عن فناء الدنيا وبقاء العمل الصالح

تقدم نصيحة مقاتل للخليفة أبي جعفر واحدة من أكثر الحكايات دلالة على معنى النصح للحاكم، بعيدًا عن التملق والمديح والمبالغة، إذ اختار الواعظ مقاتل بن سليمان أن يواجه الخليفة في بداية حكمه بحقيقة الدنيا ومصير الإنسان، مستشهدًا بمشهدين من وفاة عمر بن عبد العزيز وهشام بن عبد الملك، وما آل إليه حال أبنائهما بعد سنوات من رحيلهما.

                                                           كتب: د. محمد الباز

مقاتل بن سليمان يدخل مجلس الخليفة أبي جعفر

كان القصر الملكي في بغداد يعيش أجواء الاحتفال بتنصيب الخليفة، حيث اجتمع الوجهاء والشعراء ورجال الدولة حول أبي جعفر لتقديم التهاني والتبريكات، في مشهد يغلب عليه الفرح والمباركة، لكنه كان أيضًا مناسبة مناسبة للمديح والتقرب من الحاكم الجديد.

وفي خضم هذه الأجواء، دخل مجلس الخليفة أحد الوعاظ المعروفين في العراق، وهو مقاتل بن سليمان، الذي لم يكن حضوره عاديًا بالنسبة إلى الموجودين، إذ تغيرت ملامح القوم وعبست وجوههم بمجرد رؤيته.

وكان السبب أن أجواء الاحتفال لم تكن تبدو مناسبة للعظة والنصيحة، خصوصًا أن النفس البشرية قد تنفر ممن يذكرها بما عليها من مسؤوليات أو يضع أمامها حقائق قد لا ترغب في سماعها في لحظات الفرح.

دخل مقاتل وألقى السلام، فرد عليه المجلس، وهنا فكر الخليفة أبو جعفر في مباغتته، فقال له: «عظنا يا مقاتل».

لكن مقاتل لم يبدأ حديثه مباشرة، وإنما وجه إلى الخليفة سؤالًا يحمل في داخله معنى كبيرًا، فقال: «أأعظك بما سمعت.. أم بما رأيت؟».

وبدا القلق على وجه الخليفة حتى قبل أن تبدأ الموعظة، ثم أجاب: «بما رأيت»، وكأنه اختار أن يسمع ما عاينه مقاتل بنفسه.

نصيحة مقاتل للخليفة تبدأ من مشهد الوفاة

وقف مقاتل ينظر إلى الخليفة والحاضرين، ثم بدأ حديثه مستعرضًا مشهدين من الوفاة، ليضع أمام أبي جعفر صورة واضحة عن مصير المال والملك عندما تنتهي حياة الإنسان.

قال مقاتل إن هناك مشهدين للوفاة يحضران أمام الخليفة، الأول كان لعمر بن عبد العزيز، الذي توفي وهو حاكم للمسلمين، ولم يترك سوى ثمانية عشر دينارًا.

وأوضح أن خمسة دنانير منها كانت لبيت المال، بينما تم شراء كفن له بأربعة دنانير، ليتبقى تسعة دنانير فقط، وكان لعمر بن عبد العزيز أحد عشر ولدًا، فكان نصيب الواحد منهم أقل من دينار.

ثم انتقل مقاتل إلى المشهد الثاني، وهو وفاة الأمير الأموي هشام بن عبد الملك، مشيرًا إلى أن نصيب كل زوجة من زوجاته الأربع كان ثمانين ألف دينار، لتصل تركة الزوجات وحدهن إلى ثلاثمئة وعشرين ألف دينار، فضلًا عن القصور والضيعات وباقي التركة.

ولم يكتفِ مقاتل بعرض حجم الفارق بين الثروتين، بل أراد أن يلفت انتباه الخليفة إلى النتيجة التي ظهرت بعد مرور السنوات، وهي النتيجة التي تكشف أن كثرة المال عند الموت لا تعني بالضرورة دوام النعمة للأبناء.

نصيحة مقاتل للخليفة أبي جعفر.. حكاية تهز القلوب عن فناء الدنيا وبقاء العمل الصالح
أرشيفية

ماذا حدث لأبناء عمر بن عبد العزيز وهشام بن عبد الملك؟

واصل مقاتل حديثه أمام الخليفة، موضحًا أن السنوات كشفت صورة مختلفة تمامًا عما قد يتوقعه الإنسان من أصحاب الأموال والثروات.

فبعد مرور السنوات، رأى الناس ابن عمر بن عبد العزيز يحمل على أكثر من مئة فرس في سبيل الله، رغم أن ميراثه كان أقل من دينار، بينما وقف ابن هشام بن عبد الملك يسأل الناس في الطرقات، رغم الأموال والثروة الكبيرة التي تركها والده.

وهنا جاءت المفارقة التي أراد مقاتل أن يضعها أمام الخليفة بوضوح: كيف يمكن لمن كان نصيبه من الميراث أقل من دينار أن يصبح صاحب قدرة على تجهيز أكثر من مئة فرس في سبيل الله، بينما يصبح من كان نصيبه من المال آلافًا وملايين محتاجًا إلى سؤال الناس في الطرقات؟

نصيحة مقاتل ورسالة عن حقيقة الدنيا

كانت نصيحة مقاتل أبعد من مجرد سرد قصة عن رجلين من حكام بني أمية، فقد أراد الواعظ أن يضع أمام الخليفة والحاضرين حقيقة تتعلق بالدنيا وتقلباتها.

فالثروة التي تبدو عظيمة في حياة الإنسان قد تنتهي بانتهاء صاحبها، والقصور والضيعات والأموال لا تضمن لأصحابها بقاء النعمة في أبنائهم أو استمرار أثرها بعد الرحيل.

وفي المقابل، فإن العمل الصالح يمكن أن يظل أثره قائمًا، حتى إذا كان صاحبه قد رحل ولم يترك وراءه أموالًا طائلة.

ولهذا جاءت المقارنة بين عمر بن عبد العزيز وهشام بن عبد الملك لتقدم معنى واضحًا عن اختلاف مآلات المال والعمل، فالأول ترك القليل من المال، لكن أثر ورعه وعدله ظل حاضرًا، بينما ذهبت ثروة الثاني وقصوره وضيعاته مع مرور الزمن.

نصيحة مقاتل للخليفة أبي جعفر.. حكاية تهز القلوب عن فناء الدنيا وبقاء العمل الصالح
أرشيفية

رسالة مقاتل بعيدًا عن التملق والمديح

لم يختر مقاتل بن سليمان أن يستغل لحظة تنصيب الخليفة في تقديم كلمات المديح أو عبارات التملق، ولم يقف أمامه ليؤكد أن الأمة محظوظة بوصوله إلى الحكم، وإنما اختار طريقًا أكثر صعوبة، وهو قول ما يراه حقًا وتقديم النصيحة التي يعتقد أنها تنفع الخليفة.

وتكشف القصة أن الواعظ لم ينظر إلى المناسبة باعتبارها فرصة لكسب ود الحاكم، وإنما باعتبارها لحظة مهمة يمكن أن يسمع فيها الخليفة كلامًا قد يساعده على النظر إلى الحكم باعتباره مسؤولية، وليس مجرد مكانة أو سلطة.

فالحاكم الجديد، في بداية عهده، يحتاج إلى من يذكره بمصير الإنسان، بدلًا من أن يحيط به من يكتفون بالثناء والمديح.

وهذه هي القيمة الأساسية التي تحملها نصيحة مقاتل، فهي لم تكن موجهة إلى الخليفة وحده، بل كانت رسالة إلى كل من حضر المجلس، بل وإلى كل إنسان ينشغل بالدنيا ويظن أن ما يملكه اليوم سيظل معه إلى الأبد.

العمل الصالح هو الاستثمار الأبقى

تحمل الحكاية كذلك رسالة واضحة بشأن قيمة العمل الصالح، إذ إن الإنسان قد يترك وراءه أموالًا كثيرة، لكن المال وحده لا يضمن بقاء أثره، بينما يمكن للعمل الصالح أن يتحول إلى أثر مستمر بعد رحيل صاحبه.

ومن هنا تظهر المفارقة بين أبناء الرجلين؛ فابن عمر بن عبد العزيز، الذي لم يحصل إلا على أقل من دينار، ظهر بعد سنوات وهو يحمل على أكثر من مئة فرس في سبيل الله، بينما وجد ابن هشام بن عبد الملك نفسه يسأل الناس في الطرقات.

ولا تتوقف الرسالة عند المقارنة بين الثروة والفقر، وإنما تمتد إلى معنى أعمق، وهو أن ما يراه الإنسان مكسبًا في الدنيا ليس بالضرورة هو المكسب الحقيقي، وأن المال والملك يمكن أن يزولا، بينما يبقى ما قدمه الإنسان من عمل صالح.

وتقدم القصة درسًا للخليفة والحاضرين بأن العاقل هو من يدرك أن الدنيا مرحلة مؤقتة، وأن السعي الحقيقي ينبغي ألا يقتصر على جمع المال أو تثبيت النفوذ، وإنما يشمل أيضًا العمل لما بعد الحياة.

خاتمة: الدنيا فانية والأثر الصالح باقٍ

في النهاية، تظل نصيحة مقاتل للخليفة أبي جعفر مثالًا على قيمة الكلمة الصادقة في وقت يكثر فيه المديح والتملق، فقد اختار مقاتل أن يذكر الخليفة بحقيقة الدنيا من خلال مصير عمر بن عبد العزيز وهشام بن عبد الملك، ليؤكد أن القصور والثروات لا تبقى لأصحابها، وأن ما يظل هو أثر الإنسان وعمله.

وتلخص الحكاية معنى بالغًا في أن الدنيا قد تتغير في لحظات، وأن ما يراه الإنسان اليوم من مال أو ملك قد يصبح من الماضي، بينما يمكن للورع والعدل والعمل الصالح أن يظل أثره ممتدًا، لتصبح الرسالة الأهم أن الاستثمار الحقيقي هو فيما يبقى للإنسان عند الله، لا فيما يفنى بانتهاء العمر.

زوروا صفحتنا على فيسبوك 👇

https://www.facebook.com/share/1DNMkygHxu/?mibextid=wwXIfr

دنيا أحمد

ناشرة وعضو مجلس إدارة بجريدة عالم النجوم وموقعها الإلكتروني