أثار السياسي الإسرائيلي يائير جولان جدلًا واسعًا بعد دعوته إلى تشكيل حكومة جديدة في إسرائيل بالشراكة مع الأحزاب العربية، مستندًا إلى حسابات سياسية تحدثت عن إمكانية حصول معسكر التغيير على 65 مقعدًا مقابل 55 مقعدًا للمعسكر الذي يقوده بنيامين نتنياهو. وتفتح هذه الدعوة الباب أمام تساؤلات عديدة بشأن مستقبل المشهد السياسي الإسرائيلي، ودور الأحزاب العربية في تحديد شكل الحكومة المقبلة، ومدى استعداد قوى المعارضة للتعاون معها من أجل تغيير موازين السلطة.
وتأتي هذه التطورات في أعقاب الانتخابات الإسرائيلية، وسط منافسة سياسية محتدمة وحسابات معقدة تتعلق بتشكيل الحكومة، في ظل صعوبة ضمان أغلبية برلمانية مستقرة دون التوصل إلى تفاهمات بين عدد من القوى السياسية المختلفة.
يائير جولان يدعو إلى تشكيل حكومة بالشراكة مع الأحزاب العربية
طرح يائير جولان، رئيس حزب الديمقراطيين الإسرائيلي، فكرة تشكيل حكومة تغيير بالتعاون مع الأحزاب العربية، داعيًا القوى السياسية المناهضة لنتنياهو إلى التعامل مع أصوات المواطنين العرب باعتبارها جزءًا أساسيًا من المعادلة الانتخابية.
وتقوم فكرته على أن التعاون بين أحزاب معسكر التغيير والأحزاب العربية يمكن أن يتيح تشكيل أغلبية برلمانية تتجاوز عدد المقاعد التي يستند إليها معسكر نتنياهو، وهو ما اعتبره مبررًا للتحرك نحو تشكيل حكومة جديدة بدلًا من استمرار حالة الانقسام السياسي.
وأكد جولان في موقفه أن الحسابات البرلمانية يجب أن تستند إلى عدد المقاعد، مشيرًا إلى أن 65 مقعدًا تتجاوز 55 مقعدًا، في إشارة إلى تقديره لإمكانات المعسكر الذي يدعو إلى تشكيل حكومة بديلة.
لكن هذه الأرقام تعبر عن الحسابات السياسية التي طرحها، ولا تعني وحدها أن تشكيل الحكومة أصبح أمرًا محسومًا؛ إذ يتطلب الأمر اتفاقات واضحة بين الأحزاب المعنية، إلى جانب توافر الدعم البرلماني اللازم.

ماذا تعني معادلة 65 مقعدًا مقابل 55 لنتنياهو؟
تكتسب معادلة 65 مقابل 55 أهمية خاصة في النقاش الدائر حول مستقبل الحكومة الإسرائيلية، لأنها تضع التعاون مع الأحزاب العربية في صدارة الخيارات المطروحة أمام معسكر التغيير.
ويتكون الكنيست الإسرائيلي من 120 مقعدًا، ما يعني أن تشكيل حكومة تحتاج إلى دعم أغلبية برلمانية يتطلب الوصول إلى 61 مقعدًا على الأقل.
ومن هنا، يرى جولان أن جمع القوى المعارضة لنتنياهو مع الأحزاب العربية قد يفتح الطريق أمام تشكيل حكومة جديدة، إذا نجحت الأطراف المعنية في الاتفاق على صيغة سياسية مشتركة.
ومع ذلك، فإن الحسابات المتعلقة بالمقاعد لا تعني بالضرورة وجود اتفاق نهائي بين جميع الأحزاب. فهناك اختلافات سياسية وأيديولوجية بين مكونات المعارضة، كما أن مواقف بعض القوى من مشاركة الأحزاب العربية في الحكومة قد تؤثر على فرص التوصل إلى اتفاق.
وتظل الفجوة بين امتلاك عدد كافٍ من المقاعد والقدرة على تشكيل حكومة مستقرة من أبرز التحديات التي تواجه أي محاولة لتغيير السلطة في إسرائيل.
من هي الأحزاب العربية التي يتحدث عنها جولان؟
لا تتعلق الدعوة بجماعة عربية واحدة أو بفئة اجتماعية بعينها، وإنما تشير إلى الأحزاب السياسية التي تمثل قطاعات من المواطنين العرب داخل إسرائيل، والتي تشارك في الانتخابات البرلمانية وتتنافس على مقاعد الكنيست.
ومن أبرز هذه القوى القائمة العربية الموحدة، المعروفة باسم «رعم»، إلى جانب القائمة المشتركة التي تضم قوى عربية سياسية.
وتختلف هذه الأحزاب في توجهاتها ومواقفها السياسية، لكنها قد تكتسب أهمية كبيرة عندما تكون المنافسة بين المعسكرات الإسرائيلية متقاربة، ويصبح تشكيل الأغلبية البرلمانية مرتبطًا بضم أصوات إضافية أو الحصول على دعم سياسي من خارج التحالفات التقليدية.
ويجب هنا التمييز بين الأحزاب العربية داخل إسرائيل وبين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية، وكذلك بين المواطنين العرب في إسرائيل والفئات الاجتماعية المختلفة، مثل الدروز أو غيرهم؛ فالتعبير المستخدم في هذا السياق يشير إلى المشاركة السياسية والتمثيل الحزبي داخل النظام البرلماني الإسرائيلي.
وبالتالي، فإن الحديث عن الشراكة مع الأحزاب العربية يرتبط بحسابات تشكيل الحكومة والتمثيل داخل الكنيست، وليس بإعلان اتفاق شامل يمثل جميع العرب أو الفلسطينيين.
لماذا أصبحت أصوات المواطنين العرب محورًا في تشكيل الحكومة؟
تأتي أهمية أصوات المواطنين العرب من دورها المحتمل في ترجيح كفة أحد المعسكرات السياسية، خصوصًا عندما لا يتمكن أي طرف من ضمان أغلبية برلمانية بمفرده.
وفي مثل هذه الحالات، تتحول المقاعد التي تحصل عليها الأحزاب العربية إلى عنصر مؤثر في المفاوضات المتعلقة بتشكيل الحكومة، سواء من خلال المشاركة المباشرة في الائتلاف الحكومي أو عبر أشكال أخرى من الدعم السياسي والبرلماني.
وقد سبق أن شاركت القائمة العربية الموحدة في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي الذي تشكل عام 2021 بقيادة نفتالي بينيت ويائير لابيد، في تجربة أظهرت أن التعاون بين الأحزاب العربية وبعض القوى اليهودية يمكن أن يصبح جزءًا من الحسابات الحكومية، رغم الخلافات السياسية القائمة.
لكن تكرار مثل هذه التجربة لا يعد أمرًا مضمونًا، لأن الظروف السياسية ومواقف الأحزاب والقيادات تتغير من انتخابات إلى أخرى.
كما أن التعاون المقترح يواجه تحديات تتعلق بمدى استعداد الأحزاب المختلفة لتقديم تنازلات متبادلة، والاتفاق على برنامج حكومي، وتحديد شكل العلاقة بين الأطراف المشاركة في أي ائتلاف محتمل.
يائير جولان ينتقد التمييز بين الأصوات العربية واليهودية
ركزت تصريحات جولان على ضرورة التعامل مع أصوات المواطنين العرب باعتبارها مساوية لأصوات المواطنين اليهود في العملية الانتخابية، منتقدًا ما وصفه بالتمييز بين الطرفين في الحسابات السياسية.
ويرى جولان أن استبعاد الأحزاب العربية من معادلة تشكيل الحكومة بسبب هويتها قد يحرم معسكر التغيير من فرصة بناء أغلبية برلمانية، ويمنح خصومه مساحة أكبر للاستمرار في السلطة.
كما انتقد اعتماد معسكر نتنياهو على أحزاب دينية متشددة، معتبرًا أن النقاش بشأن هوية التحالفات السياسية يجب أن يشمل جميع مكوناتها، بدلًا من قصر الجدل على مسألة التعاون مع الأحزاب العربية.
وتعكس هذه التصريحات خلافًا أوسع داخل الساحة السياسية الإسرائيلية بشأن حدود التعاون المقبول بين الأحزاب، ومدى استعداد القوى المختلفة لإشراك الأحزاب العربية في القرارات الحكومية.
ومع ذلك، فإن موقف جولان لا يعني أن جميع أحزاب المعارضة تتبنى الرؤية نفسها، إذ تبقى مسألة تشكيل ائتلاف يضم الأحزاب العربية محل خلاف سياسي يحتاج إلى مفاوضات وتفاهمات بين الأطراف المعنية.
ما العقبات التي تواجه تشكيل حكومة جديدة؟
رغم أن الحسابات التي طرحها جولان تشير إلى إمكانية جمع أغلبية برلمانية، فإن تحويل هذه الإمكانية إلى حكومة فعلية يتطلب تجاوز عدد من العقبات.
أولى هذه العقبات تتمثل في ضرورة الاتفاق بين الأحزاب التي يُفترض أن تشكل معسكر التغيير، خصوصًا أن اختلاف التوجهات السياسية قد يجعل التوصل إلى برنامج مشترك أمرًا معقدًا.
أما العقبة الثانية فتتعلق بموقف الأحزاب العربية نفسها، ومدى استعدادها للمشاركة في حكومة جديدة أو تقديم الدعم لها، وفقًا لشروطها وأولوياتها السياسية.
وتتمثل العقبة الثالثة في طبيعة التفاهمات التي يمكن أن تجمع الأحزاب العربية بالقوى الإسرائيلية الأخرى، وما إذا كانت ستشمل المشاركة في الحكومة أو تقتصر على ترتيبات برلمانية أخرى.
كما أن أي حكومة جديدة تحتاج إلى قدر من الاستقرار يسمح لها بالاستمرار، وهو ما يتطلب تفاهمات لا تقتصر على تأمين الأصوات اللازمة عند تشكيلها، بل تمتد إلى إدارة الخلافات خلال فترة عملها.
ولهذا، فإن إعلان وجود أغلبية محتملة لا يكفي وحده للقول إن نتنياهو فقد السلطة بصورة نهائية، كما لا يعني أن البديل أصبح جاهزًا لتولي الحكم.
هل تنجح الأحزاب العربية في تغيير موازين السياسة الإسرائيلية؟
يتوقف تأثير الأحزاب العربية على قدرتها على تحويل تمثيلها البرلماني إلى دور سياسي مؤثر في المفاوضات المتعلقة بتشكيل الحكومة.
فإذا نجحت القوى المعارضة لنتنياهو في التوصل إلى اتفاق معها، فقد تصبح هذه الأحزاب عنصرًا حاسمًا في بناء أغلبية جديدة، وهو ما يفسر أهمية الدعوة التي أطلقها جولان.
أما إذا استمرت الخلافات بين مكونات المعارضة، أو تعثرت المفاوضات بشأن شروط التعاون، فقد تظل الأرقام المطروحة مجرد حسابات سياسية لا تتحول إلى ائتلاف حكومي فعلي.
ويعتمد السيناريو المقبل أيضًا على النتائج البرلمانية المعتمدة والمواقف النهائية للأحزاب، وليس فقط على تصريحات القيادات السياسية أو التقديرات الأولية لتوزيع المقاعد.
وتبقى مشاركة الأحزاب العربية في الحكومة من أكثر الملفات حساسية في السياسة الإسرائيلية، بسبب ارتباطها بقضايا الهوية والتمثيل السياسي والتحالفات الحزبية.

الخلاصة: هل تفتح دعوة يائير جولان الباب أمام تغيير الحكومة الإسرائيلية؟
تضع دعوة يائير جولان إلى تشكيل حكومة بالشراكة مع الأحزاب العربية مسألة التحالفات السياسية في قلب المشهد الإسرائيلي، وتطرح تساؤلًا أساسيًا حول قدرة معسكر التغيير على توحيد صفوفه وتجاوز خلافاته.
فمعادلة 65 مقعدًا مقابل 55 التي استند إليها جولان تعبر عن رؤيته لإمكانية بناء أغلبية بديلة، لكنها لا تمثل وحدها ضمانًا لتشكيل الحكومة، إذ يتوقف الأمر على الاتفاقات السياسية ومواقف الأحزاب المعنية.
وفي ظل استمرار التنافس على السلطة، تبقى الأحزاب العربية أحد العوامل التي قد تؤثر في اتجاه المفاوضات المقبلة، بينما يظل السؤال الأهم: هل تتحول الدعوة إلى شراكة سياسية فعلية، أم تصطدم بالخلافات التي تفصل بين أطراف معسكر التغيير؟
وتتابع «عالم النجوم» تطورات المشهد السياسي الإسرائيلي، وما قد تحمله المفاوضات من تغيرات في خريطة التحالفات وفرص تشكيل الحكومة المقبلة.
زوروا موقعنا على الفيس بوك 👇
https://www.facebook.com/share/1F3VGfJ5K8/?mibextid=wwXIfr




