مقالات

دينا شرف الدين تكتب: مكارم الأخلاق.. “الأمانة” 6

دينا شرف الدين تكتب: مكارم الأخلاق.. “الأمانة” 6

دينا شرف الدين تكتب: مكارم الأخلاق.. "الأمانة" 6
دينا شرف الدين

وكما ذكر المثل الشعبي المصري العتيق: “من أمنك لم تخونه ولو كنت خاين”.

فلنقف لنتأمل كثيراً أهمية الأخلاق وتأثيراتها القوية علي صلاح العباد و إصلاح البلاد.. فما الذي أصاب مجتمعنا أعزائي بمرض انعدام وتدني الأخلاق، إذ بنا نُفاجأ يومياً بأخبار تقتحم مسامعنا وتؤذي مشاعرنا، وعادة ما تصيبنا بالذهول.

 وسوف نتوقف في مقال اليوم عند القيمة الأخلاقية التي كانت تُعد من أقوى الفضائل التي تحلي بها المصريون وأرسخها علي الإطلاق.

ولكنها أعزائي باتت اليوم ذكرى جميلة نسترجعها عندما كانت، ونتحسر على ضياعها، ونتألم لفقدانها تحت أنقاض الغش والرياء والانحدار الأخلاقي الذي طغى واستوحش بشكل جعل منه أمراً معتاداً مألوفاً، وما دون ذلك تحول إلى مجرد استثناء نادر الوجود! 

 فقد ذكر المولي عز و جل الأمانة في عدد كبير من المواضع، للتأكيد على أهميتها وفضلها الكبير في حسن المعاملات بين البشر.

 قال تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا

بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا” [النساء 58.

 ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: ]٢٧

 ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون ]٨-١١

 ﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾ [القصص: ٢٦

 وعن الأمانة كقيمة أخلاقية كما ذكرت في المقالات السابقة، فهي أيضاً من أهم الفضائل التي عرفها الإنسان منذ قديم الأزل و شرعها ووثقها و عمل بها للوصول إلي مجتمع فاضل يسعي إلي تحقيق المثالية.

على سبيل المثال، فقد وضع المصريون القدماء في قوانين الماعت ال 42 شريعة أمة فجر الضمير :

عدد كبير من تلك القوانين ترسخ قيمة الأمانة مثل:

                                                                    .• )أنا لم أسلب الآخرين ممتلكاتهم بالاكراه 

• ) أنا لم أسرق  

• ) أنا لم أسرق الطعام 

• ) أنا لم اختلس القرابين 

• ) أنا لم أسرق ممتلكات المعبد 

• ) أنا لم أخطف الطعام  

• ) أنا لم أغش (أخدع) أحد 

• ) أنا لم أغتصب أرض أحد 

 فكيف لمجتمع أن ينهض وقد افتقد الأمانة، أي ثقة كل منا في الآخر وائتمانه علي أي شىء بعدما تحول الأمر الواقع إلى كارثة تجعل على كل شخص أن يضع عينيه بوسط رأسه، كما يقولون من باب المبالغة، لأنه لا يثق حتى في من يسير بجانبه أو أمامه أو خلفه، ولا يثق بجاره ولا زميله في العمل!

 ومن أهم الأضرار والسلبيات المدمرة التي تصيب المجتمع نظراً لانعدام الثقة في الآخر غير الأمين، حالة الركود الاقتصادي، وكساد عمليات البيع والشراء، واحتكار السلع والمنتجات، لأن كل مستورد أو تاجر كبير كان أو صغيرا، سيخشي المبادرة بطرح سلعته لتخوفه الأزلي من عدم الحصول على مستحقاته المالية أو تعرضه للنصب من الطرف الآخر والذي بات أمراً متوقعاً في الأغلب الأعم!

 فهل نتذكر أعزائي الماضي السعيد: 

عندما كان هناك أمان وكانت هناك أمانة بين الناس، فمن شعر بحاجة أخيه أو صديقه أو جاره يسعي مهرولاً لاقتسام كل ما يملك معه لفك ضيقه، وهو على ثقة تامة بأنه بعد انفراج أزمته سيسترد ماله مع الشكر والامتنان، وإن شاء القدر وتعرض هو لنفس الموقف فإن قلبه سيكون مطمئناً لأنه سرعان ما سيجد من يقضي حاجته.

وحتى إن لم يمهله القدر لتأدية أمانته فإن أولاده أو ذويه يقومون حتماً برد الأمانة، حيث كان أمراً طبيعياً وعرفاً مجتمعياً وتشريعاً دينياً يحترمه الجميع على حدٍ سواء.

كانت هذه مصر وتلك أخلاق المصريين التي عهدناها، وتربينا عليها، وزرعها أجدادنا منذ آلاف السنوات، وسارت عليها الأمة قبل أن تنهال علينا رمال الزيف والكذب والجشع والغش والفهلوة (النصب) بمعنى أدق و غيرها من الآفات الخلقية الواردة علي مجتمعاتنا حديثاً!

 فقد حثنا صاحب الخلق العظيم نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم كما وصفه الله عز و جل على الالتزام بالأمانة التي إن ضاعت أضاعت كل شىء، حتى إن العلاقات الانسانية بين الناس وبعضها وبين الزوجين وغيرها ترتكز بشكل أساسي على الأمانة والثقة المتبادلة بين الطرفين.

 فمن الأمانة ما يكون بين الإنسان وصاحبه من الأمور الخاصة التي يجب ألا يطلع عليها أحدٌ من الناس، فلا يجوز لأحدهما أن يخبر به، وإلا فإنه مضيع للأمانة، 

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم عد التفات الرجل إذا حدث 

أخاه أنه موجب لحفظ أمانة هذا الحديث، لأنه يدل على أن هذا الرجل يخشى أن يسمعه أحد! قال النبي صلى الله عليه وسلمك: {إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة} رواه أبو داود وحسنه الألباني.

 ومن الأمانة أيضا ما يكون بين الرجل وزوجته من الأشياء الخاصة، فالعلاقة الزوجية من أخص العلاقات الإنسانية، فمن خان هذه الأمانة ونشر سرا مما يكون بينهما، فإنه من أشر الناس منزلة عند الله تعالى يوم القيامة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:

 {إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها} رواه مسلم. 

 فليس من الرجولة أن يفشي الرجل سر امرأته كما يفعل بعض السفهاء، بل الرجولة في أداء الأمانة وحفظ الأسرار.

 وخير ختام لمقال اليوم عن فضيلة الأمانة هي كلمات الصادق الأمين صلى الله عليه و سلم.. عن أبي هريرة قال: بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم 

يحدث إذ جاء أعرابي فقال: 

متى الساعة؟ قال: “إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة”. قال: كيف إضاعتها؟ قال : “إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة” رواه البخاري.

 إلي لقاء مع فضيلة أخلاقية جديدة من مكارم الأخلاق.

نهى مرسي

نائب رئيس تحرير الموقع
شاهد ايضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى