انعقدت الجلسة العلمية الأولى ضمن فعاليات مؤتمر «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة» بمكتبة الإسكندرية، تحت عنوان «توصيف الوضع الحالي لعناصر الهوية في مصر»، بمشاركة عدد من الخبراء والمتخصصين في مجالات الاقتصاد والعلوم السياسية وعلم الاجتماع، وبحضور المهندس أيمن عطية، محافظ الإسكندرية، حيث تناولت الجلسة واقع الهوية الوطنية في مصر، وأبرز التحولات التي طرأت عليها خلال العقود الماضية، إلى جانب تأثير المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرقمية على ملامح الشخصية المصرية.
مؤتمر الهوية الوطنية يناقش واقع الهوية المصرية
ويقام المؤتمر على مدار ثلاثة أيام بمكتبة الإسكندرية، تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، ويشارك في فعالياته نخبة من المتخصصين والباحثين لمناقشة عدد من القضايا المرتبطة بالهوية المصرية، وسبل الحفاظ على مقوماتها وتعزيز الانتماء الوطني لدى الأجيال الجديدة.
وترأس الجلسة الدكتور علي الدين هلال، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، فيما شارك بها الدكتور حسين عيسى، نائب رئيس مجلس الوزراء للشئون الاقتصادية، والدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، إلى جانب أربعة خبراء قدموا أوراقًا بحثية تناولت أبعادًا مختلفة من واقع الهوية المصرية.
وأكد المشاركون أن الهوية ليست مفهومًا جامدًا، وإنما تتأثر بالتحولات التي يشهدها المجتمع، مع استمرار وجود مجموعة من العناصر الأساسية التي تشكل الشخصية الوطنية وتحافظ على تماسكها عبر الأجيال.

حسين عيسى: الضغوط الاقتصادية أظهرت قوة الهوية المصرية
قال الدكتور حسين عيسى، نائب رئيس مجلس الوزراء للشئون الاقتصادية، إن الهوية الوطنية في مصر تعد هوية راسخة، ولا يمكن وصفها بأنها تعاني أزمة، رغم الضغوط المختلفة التي تعرض لها المجتمع خلال الفترات الماضية.
وأوضح أن مفهوم الهوية يجمع بين الثبات والتغير في الوقت نفسه، مشيرًا إلى أن مصدر الثبات يتمثل في مجموعة من القيم والأفكار المشتركة التي تقوم عليها الهوية المصرية، وما يرتبط بها من مشاعر التشارك والتلاحم والانتماء.
وأضاف أن الهوية تتأثر في المقابل بالظروف المحيطة، سواء كانت اقتصادية أو أمنية أو اجتماعية، وهو ما يؤدي إلى تغير بعض ملامحها من فترة إلى أخرى، دون أن يعني ذلك بالضرورة فقدان جوهرها.
وأشار إلى أن الضغوط الاقتصادية التي تعرضت لها مصر خلال السنوات الماضية أظهرت، بحسب ما طرحه خلال الجلسة، قوة التماسك المرتبط بالهوية المصرية، مستشهدًا بتحويلات المصريين في الخارج خلال فترات شهدت البلاد خلالها تحديات اقتصادية كبيرة.

مايا مرسي: الهوية الوطنية تعرضت لاهتزازات خلال العقود الماضية
من جانبها، أوضحت الدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، أن الهوية الوطنية لا يمكن اختزالها في مفهوم التراث فقط، مشيرة إلى أنها تتشكل وتتطور مع امتداد العصور والحضارة.
وتناولت الوزيرة التحولات التي طرأت على الهوية المصرية خلال العقود الأربعة الماضية، موضحة أن المجتمع شهد عددًا من التأثيرات التي انعكست على بعض مظاهر الهوية، من بينها التأثر بمدخلات غير مصرية على مستوى أنماط الملابس والأفكار وبعض السلوكيات.
وشددت على أهمية تعزيز الوعي بالهوية لدى الأجيال الجديدة، مؤكدة ضرورة تدريس مقدمة الدستور المصري في مختلف المناهج التعليمية، باعتبارها تتضمن مجموعة من مكونات الهوية المصرية.
كما أكدت أهمية دور الأسرة ووسائل الإعلام في دعم الانتماء الوطني، مع ضرورة تقديم الرسائل الموجهة للشباب بصورة قائمة على التوعية والحوار والإقناع، بعيدًا عن أسلوب الأوامر والتوجيه المباشر.

الهوية الوطنية في مصر بين الثابت والمتغير
وفي بداية الجلسة، أوضح الدكتور علي الدين هلال أن الهوية تمثل جوهر الشيء ومعناه، كما أنها الصفة التي تميز كائنًا أو شعبًا عن غيره، وتعد أداة للتعريف والتمييز.
وأشار إلى أن مكونات الهوية ومصادرها تشمل اللغة والتاريخ ومختلف مصادر الإبداع الثقافي، باعتبارها عناصر تربط الإنسان بوطنه والجماعة التي ينتمي إليها.
وتناولت المناقشات طبيعة العلاقة بين العناصر الثابتة والمتغيرة في المجتمع المصري، خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم، وما تفرضه التكنولوجيا ووسائل التواصل الحديثة من أنماط جديدة للتفاعل وتبادل الأفكار.

سعيد المصري يناقش مفارقات الهوية الوطنية
وقدم الدكتور سعيد المصري، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، ورقة بحثية بعنوان «مفارقات الهوية الوطنية في مصر»، تناول خلالها أبعاد الهوية الاجتماعية والثقافية، مع التركيز على العلاقة بين قوة الشعور بالانتماء وبين انعكاساته على الحياة الاجتماعية والمدنية.
واستندت الورقة إلى التمييز بين المحتوى الثقافي للهوية والحدود التي تحدد الانتماء إلى الجماعة الوطنية، حيث تناولت طبيعة المشاعر المرتبطة بالانتماء ومدى تحولها إلى سلوك ومشاركة في المجال العام.
وخلصت الورقة إلى أن الهوية المصرية تمتلك رصيدًا شعوريًا مرتفعًا، لكنها تواجه عددًا من الإشكاليات المرتبطة بعلاقتها بالتاريخ، إضافة إلى محدودية نطاق الثقة الاجتماعية والقدرة على ترجمة مشاعر الانتماء إلى فاعلية مدنية ومشاركة عامة.

البعد السياسي في الهوية المصرية
كما قدم الدكتور مازن حسن، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، ورقة بحثية بعنوان «البعد السياسي في الهوية المصرية»، تناول خلالها نتائج عدد من البحوث المسحية المتعلقة بمستوى قوة البعد السياسي للهوية الوطنية.
وأوضحت النتائج التي عرضها عدم وجود أزمة تتعلق بقوة هذا البعد، مشيرًا إلى أن المصريين لا يعانون من انقسامات حادة فيما يتعلق بانتمائهم الوطني.
وأشار إلى وجود مشاعر واضحة بالفخر بالانتماء إلى الوطن والرغبة في الدفاع عنه، إلى جانب وجود اعتقاد مشترك بشأن مصادر الخطر الخارجي.
وتناول كذلك وجود صورتين لتجلي الهوية، إحداهما تظهر بصورة واضحة خلال فترات الأزمات، والأخرى تظهر في الظروف والأوقات الطبيعية.

الشباب وجيل زد أمام تحولات جديدة
وفي السياق ذاته، ركز الدكتور يوسف ورداني، مدير مركز تواصل مصر للدراسات والاستشارات ومساعد وزير الشباب والرياضة السابق، على تحولات الهوية الوطنية لدى النشء والشباب، مع اهتمام خاص بجيل زد.
وتناولت ورقته تأثير التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتسارعة على الأجيال الجديدة، إلى جانب الانتشار الواسع للفضاء الرقمي وتغير مصادر المعرفة وأساليب التواصل والتعبير والمشاركة.
وأكد ورداني أن السياسات الأكثر فاعلية في تعزيز الانتماء لدى الأجيال الجديدة هي التي تمنح الشباب مساحة حقيقية للفهم والمشاركة والإسهام في صناعة القرار، بما يساعد على بناء الإنسان المصري ودعم قدرته على المشاركة في مسيرة التنمية.

الأسرة المصرية ودورها في حماية الهوية
وفي الورقة الرابعة، التي حملت عنوان «الأسرة المصرية وتحولات الهوية في عصر الثورة الرقمية.. قراءة سوسيولوجية في جدلية الثابت والمتغير»، أكدت الدكتورة منى الحديدي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة العاصمة، أن الأسرة المصرية تمثل الحاضنة الثقافية الأولى للفرد.
وأوضحت أن الأسرة تعد كذلك خط الدفاع الأخير عن الخصوصية الحضارية للمجتمع، في ظل التدفقات المتسارعة الناتجة عن العولمة والتغيرات الرقمية.
وخلصت الورقة إلى أن تراجع الدور التربوي للأسرة يمكن أن يمثل تهديدًا لأمن المجتمع، واقترحت استراتيجية متكاملة تهدف إلى ترميم النسيج الداخلي للأسرة، واستعادة الحوار المباشر بين أفرادها، وتقليل العزلة التي قد تفرضها البيئات الرقمية.
كما دعت إلى بناء عقلية نقدية لدى الأجيال الجديدة، قادرة على تحقيق التوازن بين الأصالة والمعاصرة، إلى جانب توفير الحماية التشريعية والاقتصادية للمرأة لدعم دورها في بناء الإنسان والأسرة والمجتمع.

الهوية الوطنية في مصر ومسؤولية الأسرة والإعلام
وشهدت الجلسة نقاشًا واسعًا حول المسؤولية المشتركة في الحفاظ على مقومات الهوية، خاصة في ظل سرعة التغيرات التي يشهدها المجتمع، حيث تتداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية ورقمية في تشكيل وعي الأجيال الجديدة.
وأكدت المناقشات أهمية تكامل أدوار الأسرة والمدرسة والإعلام ومؤسسات المجتمع في تقديم محتوى يساعد الشباب على فهم تاريخهم وثقافتهم، ويمنحهم القدرة على التعامل مع التأثيرات الخارجية بصورة واعية.
كما برزت أهمية الحوار باعتباره وسيلة للتواصل مع الأجيال الجديدة، خاصة في ظل اختلاف مصادر المعرفة ووسائل التعبير مقارنة بالأجيال السابقة.
خاتمة
وتواصل فعاليات مؤتمر «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة» مناقشة القضايا المرتبطة بمقومات المجتمع المصري والتحولات التي يمر بها، في إطار البحث عن آليات عملية للحفاظ على عناصر الهوية الوطنية في مصر وتعزيزها لدى الأجيال الجديدة، مع تحقيق التوازن بين الثوابت التاريخية والثقافية وبين المتغيرات التي يفرضها التطور الاجتماعي والاقتصادي والرقمي.
زوروا موقعنا على الفيس بوك 👇
https://www.facebook.com/share/1F3VGfJ5K8/?mibextid=wwXIfr




