الكاتب والشيف المصري: هاني أمين قنديل
في زمن أصبح فيه الشكل أحيانًا أهم من المضمون، تحولت عقدة الـ«شو» إلى ظاهرة نراها في تفاصيل حياتنا اليومية، من التعليم والخدمات إلى الأكل والمطاعم وحتى طريقة اختيارنا لمن نثق بهم. لم يعد السعر وحده مجرد مقابل للخدمة، بل أصبح عند البعض دليلًا على الجودة، كما أصبحت الشهرة وعدد المتابعين وطريقة تقديم الشخص لنفسه عوامل تؤثر في حكمنا على قيمته الحقيقية. قد يملك شخص علمًا وخبرة حقيقية لكنه لا يجيد الاستعراض، بينما ينجح آخر في جذب الأنظار بالكلام والثقة والمظاهر، فنمنحه ثقتنا وأموالنا قبل أن نسأل أنفسنا: هل ما نحصل عليه يستحق فعلًا ما ندفعه؟

إحنا بقينا نعيش في زمن غريب.
ممكن حد يقول لك الحقيقة ببساطة ومن غير فزلكة، فتشك فيه وتقول: «أكيد وراه حاجة!»
لكن لو واحد لبس بدلة شيك، واتكلم بثقة، وحط شوية مصطلحات إنجليزي في كلامه، وعمل نفسه خبير، تلاقي الناس صدقته من غير ما تسأل: هو فعلًا فاهم؟ ولا بس بيعرف يبيع نفسه؟
المشكلة إننا ساعات بنربط بين السعر والقيمة.
لو دكتور محترم أو حد عنده خبرة حقيقية نصحك من غير مقابل، ممكن تلاقي حد يقول: «لو كان شاطر كان خد فلوس!»
لكن لو واحد باع لك دورة بكام ألف، عشان يقول لك كلام أنت أصلًا عارف جزء كبير منه، فجأة يبقى «خبير» و«فاهم».
ومش معنى ده إن كل خدمة غالية نصب، ولا إن الحاجة الرخيصة أحسن. الناس اللي عندها علم وخبرة من حقها تاخد مقابل تعبها.
المشكلة لما السعر يبقى هو الدليل الوحيد على القيمة، والاستعراض يبقى أهم من المحتوى.
عقدة الـ«شو» لما تتحول الشهرة إلى قيمة
ونفس الحكاية وصلت للأكل.
تلاقي أكلة معمولة كويس وطعمها حلو، فتقول: «أكل عادي».
لكن لو شيف مشهور بيصرخ قدام الكاميرا، ويرش الملح بحركات استعراضية، ويغرق الطبق جبنة وصوصات، تلاقي الطوابير واقفة بالساعات!
وساعتها نسأل:
إحنا رايحين ناكل… ولا رايحين نصور إننا أكلنا؟
الحكاية مش في الأكل والتعليم بس.
إحنا ساعات بقينا ندور على الحاجة اللي شكلها حلو قدام الناس، مش الحاجة اللي قيمتها حقيقية.
مش كل مشهور شاطر.
مش كل غالي ممتاز.
مش كل حد بيتكلم بثقة فاهم.
ومش كل حاجة عليها طوابير تستاهل.
عقدة الـ«شو» ومسؤولية الجمهور
والحقيقة إن المشكلة مش في اللي بيبيع الوهم بس…
إحنا كمان لينا دور.
لأن مفيش سوق للاستعراض من غير ناس تشتريه.
لما ندي اهتمامنا للمظهر أكتر من الجوهر، بنشجع المظهر.
ولما ندفع للي بيعرف يعمل «شو» أكتر من اللي بيعرف يعمل شغله، بنقول له: كمّل… إحنا عاجبنا.
عشان كده، قبل ما تدفع فلوسك، اسأل نفسك:
أنا بدفع في قيمة حقيقية؟
ولا بدفع عشان أشتري إحساس إني اشتريت حاجة مهمة؟
الوعي مش كورس غالي.
والخبرة مش بعدد المتابعين.
والنجاح مش في البدلة.
والشيف الشاطر مش اللي الناس تتصور معاه…
الشيف الشاطر هو اللي تفضل فاكر طعم أكله بعد ما تروح.
وفي النهاية، عقدة الـ«شو» ممكن تخلي الوهم يلمع ويتصور ويتعمل له دعاية، لكن الحقيقة في الآخر بتبان.

بين الاستعراض والمحتوى الحقيقي
اللي بيحصل حوالينا مش مجرد حكاية عن شخص بيبيع خدمة أو منتج بسعر مرتفع، ولا عن شيف مشهور أو دورة تدريبية مكلفة، لكنه في الأساس انعكاس لطريقة تعاملنا مع القيمة.
لما يبقى الشكل هو أول حاجة بنحكم عليها، ممكن نتجاهل المضمون.
ولما تتحول الشهرة إلى معيار وحيد للثقة، ممكن ننسى إن الخبرة الحقيقية محتاجة دليل وتجربة ومحتوى، مش مجرد حضور قوي أمام الكاميرا.
عقدة الـ«شو» بتكبر لما نسمح للاستعراض إنه ياخد مساحة أكبر من الإنجاز الحقيقي.
وفي المقابل، الشخص اللي يمتلك علمًا حقيقيًا أو مهارة حقيقية مش محتاج بالضرورة إلى كل هذا الاستعراض حتى يثبت قيمته.
المعيار الأهم يظل فيما يحصل عليه الإنسان بالفعل مقابل ما يدفعه من أموال ووقت وثقة.
إيه أكتر حاجة دفعتوا فيها فلوس عشان شكلها أو شهرتها؟
احكوا لنا تجاربكم… يمكن تجربتك توفر على غيرك فلوسه ووقته ووجع دماغه.
خاتمة: الحقيقة أبقى من «الـشو»
الوهم ممكن يلمع ويتصور ويتعمل له دعاية، لكن الحقيقة في الآخر بتبان.
وعشان كده، تفضل عقدة الـ«شو» مجرد اختبار حقيقي لقدرتنا على التفرقة بين القيمة والاستعراض، وبين الخبرة الحقيقية والصورة التي يتم تقديمها لنا.
فاللي يستحق فلوسنا في النهاية هو اللي يقدم قيمة حقيقية، مش مجرد «شو» يعرف يجذب العين للحظات.
زوروا صفحتنا على فيسبوك 👇
https://www.facebook.com/share/1LtbGZ5Y1a/?mibextid=wwXIfr




