أحمد الطاهر.. في عالم الفن، هناك أسماء لا تختصرها الشهرة، ولا تنصفها سنوات الظهور وحدها، بل تظل قيمتها الحقيقية فيما قدمته من أفكار، وما حملته من أحلام، وما تركته من بصمات تستحق أن تبقى في ذاكرة الأجيال. ومن بين هذه الأسماء يأتي الفنان والكاتب أحمد الطاهر، صاحب التجربة التي جمعت بين شغف الكتابة ومتعة التمثيل، وبين خيال المؤلف وحضور الفنان، في رحلة تحمل الكثير من الطموح والإصرار والإيمان برسالة الفن.
حوار خاص لجريدة عالم النجوم – دنيا أحمد
أحمد الطاهر ليس مجرد اسم مرّ في سجل الحركة الفنية، بل هو صاحب تجربة متعددة الجوانب، خاض من خلالها عالم الكتابة الدرامية والمسرحية، وامتلك الجرأة على طرح موضوعات جادة، والانشغال بقضايا تتجاوز حدود الترفيه إلى مساحات أعمق من الفكر والإنسان والواقع. فالفنان الحقيقي لا تُقاس موهبته فقط بما يظهر على الشاشة أو يُعرض فوق خشبة المسرح، وإنما بما يختزنه من أفكار، وما يستطيع أن يقدمه من رؤى، وما يتركه خلفه من أعمال تحمل روحه وتكشف عن رؤيته للحياة.
وتزداد أهمية تجربة أحمد الطاهر حين نستمع إلى شهادته عن مشواره؛ إذ نتعرف على كاتب لم يتوقف عن الحلم، وفنان ما زال يحمل في ذاكرته تفاصيل البدايات، والفرص التي اقتربت منه، والمشروعات التي كان يتمنى أن ترى النور. وبين سطور حكايته تتجلى ملامح إنسان آمن بموهبته، وخاض تجارب متعددة، وتحمل مسؤوليات مهنية أبعدته أحيانًا عن مسارات أخرى كان يتمنى مواصلتها.
ولعل أكثر ما يستحق التوقف أمامه في تجربة أحمد الطاهر هو إصراره على أن تظل أعماله حاضرة، حتى وإن لم تجد طريقها إلى الجمهور بعد. فهو يتحدث عن نصوص مسرحية ودرامية أنجزها، وعن مشروعات لا يزال يأمل أن تحصل على فرصتها، وكأنه يذكّرنا بأن وراء كل عمل لم يُنفذ حكاية كاتب بذل وقته وجهده، وانتظر اللحظة التي تتحول فيها الكلمات إلى شخصيات، والأفكار إلى مشاهد، والأوراق إلى أعمال حية يتفاعل معها الجمهور.

كما يحمل حديثه قدرًا من الشجاعة في مراجعة الذات؛ فهو لا يتردد في استعادة قرارات يرى اليوم أنها أثرت في مساره، ولا يخفي شعوره بأن موهبته في الكتابة والتمثيل لم تحصل على التقدير الذي كان يتمناه. وهذه الصراحة تمنح شهادته قيمة خاصة، لأنها لا تقدم صورة مثالية عن رحلة فنية، بل تكشف الوجه الآخر للمشوار، بما فيه من اختيارات صعبة، وفرص ضائعة، وأحلام مؤجلة.
وفي حديثه عن المسرح، تتجلى محبته لهذا الفن الذي يمثل مساحة أساسية للتعبير والإبداع، كما تبرز رغبته في أن تجد النصوص الجادة فرصتها في العرض، وأن تظل الخشبة قادرة على احتضان الأعمال التي تحمل أفكارًا وقضايا تستحق النقاش.
أما بعيدًا عن الكتابة والتمثيل، فتظهر في كلماته ملامح رجل أعادت السنوات ترتيب أولوياته، فأصبحت الأسرة والأبناء والأحفاد يحتلون مكانة كبيرة في حياته، دون أن يعني ذلك تخليه عن أحلامه الفنية أو نسيانه للأعمال التي لا تزال تنتظر فرصتها.
وفي هذا الحوار الخاص مع جريدة عالم النجوم، تفتح المحاورة دنيا أحمد مع الفنان والكاتب أحمد الطاهر صفحات من الذاكرة، وتقترب من محطات مؤثرة في مشواره، وتكشف معه عن أعمال يرى أنها لم تحصل على حقها، وقرارات يتمنى لو أعاد النظر فيها، وفرص سينمائية ودرامية ما زالت حاضرة في وجدانه، إلى جانب مشروعات مكتوبة يأمل أن تجد طريقها إلى التنفيذ.

إنها حكاية فنان وكاتب يستحق أن تُسمع شهادته، وأن تُقرأ تجربته بعيدًا عن صخب الأضواء، لأن بعض الحكايات لا تكمن أهميتها في عدد الأعمال التي عُرضت، بل في الأحلام التي ما زالت تنتظر من يمنحها فرصة الحياة.
وفي حواره مع «عالم النجوم»، يتحدث أحمد الطاهر بوضوح عن واقع المسرح، وما يراه من تراجع في مساحة الأعمال الجادة، وعن القيمة التي يبحث عنها في الفن، قبل أن يكشف عن مشروعات لا يزال يأمل أن تجد طريقها إلى التنفيذ، مؤكدًا أن السنوات علمته أن الحياة لا تبقى على حال، وأن اهتمامه اليوم يتجه بدرجة أكبر إلى أسرته وأولاده وأحفاده.
أحمد الطاهر يكشف الأعمال التي يرى أنها لم تحصل على حقها
س: قدمت خلال مشوارك أعمالًا ارتبطت بذاكرة الجمهور.. ما العمل الذي تشعر أنه ظلم فنيًا ولم يأخذ حقه، رغم أنك كنت ترى أنه يستحق نجاحًا أكبر؟
ج: بالنسبة للعمل الذي أشعر أنه تعرض للظلم الفني ولم يأخذ حقه، هناك مسرحية «تدفع الحساب يا بابا»، بطولة حسن يوسف وإلهام شاهين وزهرة العلا، والتي تم إنتاجها عام 1980.
وهناك أيضًا مسرحية «الفئران»، التي نشرتها الهيئة العامة للكتاب عام 1988، وكانت تتناول القضية الفلسطينية واليهود، وللأسف لم تجد حتى الآن حظها في العرض على المسرح، وأرى أن المسرح القومي هو المكان الأنسب لتقديمها.
أنا أؤمن أن هناك أعمالًا تستحق أن تُعرض وتصل إلى الجمهور، ليس فقط لأنها تنتمي إلى مرحلة معينة، وإنما لأن موضوعاتها قد تظل مهمة وقادرة على فتح باب للنقاش والتفكير. ومن وجهة نظري، فإن بعض النصوص لا تفقد قيمتها بمرور الوقت، بل ربما تصبح أكثر أهمية عندما تتغير الظروف المحيطة بها.

أحمد الطاهر ينتقد واقع المسرح ويتمسك بقيمة العمل الجاد
س: بحكم خبرتك ككاتب وفنان، هل ترى أن الدراما والمسرح في الوقت الحالي أصبحا يهتمان بالنجاح الجماهيري أكثر من قيمة العمل؟ وما الذي نفتقده اليوم مقارنة بجيلكم؟
ج: بالنسبة للمسرح في الوقت الحالي، أنا لا أرى مسرحًا خاصًا بالمعنى الذي أعرفه. الموجود، من وجهة نظري، هو المسرح العائم التابع لمسرح الكوميدي للدولة، ولم يتبقَّ إلا المسرح القومي، الذي يقدم أحيانًا عملًا جادًا، مثل «الملك لير»، الذي يقدمه الفنان يحيى الفخراني الآن.
أنا أرى أن المسرح الجاد له أهمية كبيرة، وأن وجوده ضروري لاستمرار الحركة المسرحية وتنوعها. فالمسرح ليس مجرد وسيلة للترفيه، وإنما مساحة لتقديم الأفكار والقضايا الإنسانية والاجتماعية، ومن المهم أن تظل هناك فرص حقيقية للنصوص التي تحمل قيمة فنية وفكرية.
«موهبتي لم تحصل على التقدير الكافي»
س: هل مررت في مشوارك بلحظة شعرت فيها أن موهبتك لم تحصل على التقدير الذي تستحقه؟ وكيف تعاملت مع هذا الشعور؟
ج: بالنسبة لموهبتي ككاتب وفنان، فأنا بالفعل أشعر أنها لم تحصل على التقدير الكافي، وهذا وارد في هذين المجالين.
الكتابة والتمثيل يحتاجان إلى فرص حقيقية حتى يصل ما يقدمه الفنان إلى الناس. وقد يمتلك الكاتب أعمالًا يرى أنها تستحق التنفيذ، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن تجد طريقها إلى الإنتاج.
والأمر بالنسبة لي لا يتعلق بعمل واحد فقط، وإنما بتجربة طويلة فيها مشروعات وأفكار وأعمال بذلت فيها مجهودًا، وما زلت أتمنى أن تجد فرصتها المناسبة. فأنا لا أزال أمتلك مخزونًا من الأعمال المكتوبة، وأتمنى أن يأتي اليوم الذي يرى فيه الجمهور هذه الأعمال بدلًا من أن تظل محفوظة في البيت.

أحمد الطاهر يكشف القرارات التي كان سيغيرها لو عاد به الزمن
س: لو عاد بك الزمن إلى بداية مشوارك الفني، ما القرار الذي كنت ستغيره؟ وهل هناك فرصة فنية ندمت على ضياعها؟
ج: لو عاد بي الزمن إلى بداية مشواري الفني، فسأتخذ قرارين مهمين جدًا بشكل مختلف.
أولًا، لم أكن سأشارك في إنشاء شركة «زين للإنتاج الفني»، لأنها استنفدت وقتًا كبيرًا كان من الممكن أن أستفيد منه في الكتابة للمسرح والتليفزيون وفي التمثيل.
والقرار الثاني يتعلق بمرحلة مهمة من بداياتي في الكتابة للمسرح والتمثيل، مع انطلاق مسرحية «حمار مش هينط»، وفي الوقت نفسه مشاركتي في فيلم «العمر لحظة»، خلال فترة منتصف ونهاية عام 1997، بحسب ما أتذكر. فقد كان لهذه المرحلة تأثير سلبي كبير، للأسف، على استمراري في هذه المجالات بالصورة التي كنت أتمناها.
أما الفرصة الفنية التي لا أنساها، فقد عرض عليَّ المخرج نادر جلال المشاركة في فيلم من بطولة رشدي أباظة، لكنني اعتذرت بسبب سفري إلى تونس، حيث كان هناك استوديو شركة «زين للإنتاج الفني» التي كنت أديرها، وكان لا بد لي من السفر في ذلك الوقت.
كانت فرصة مهمة، لكن مسؤولياتي في الشركة فرضت عليَّ اتخاذ هذا القرار، وعندما أنظر إلى الماضي أرى أن بعض الاختيارات المهنية قد تفتح أبوابًا، بينما قد تحرمنا اختيارات أخرى من فرص مختلفة.

أحمد الطاهر يروي كواليس فرصة جمعته بأحمد توفيق ومحمود مرسي
س: تحدثت عن فرصة أخرى كان من الممكن أن تمثل نقطة تحول في مسيرتك.. ماذا حدث في تجربتك مع المخرج أحمد توفيق والفنان الراحل محمود مرسي؟
ج: هناك أمر مهم أحب أن أضيفه، وهو أنه في نهاية السبعينيات، وتحديدًا في عام 1977 بحسب ما أتذكر، كنت أكتب مسلسلًا من إخراج أحمد توفيق وبطولة محمود مرسي، وكان هذا أول عمل أكتبه في تلك الفترة.
كنا نجلس يوميًا في شقة الأستاذ أحمد توفيق المطلة في جاردن سيتي، ونقرأ ما أكتبه بحضور الفنان محمود مرسي، رحمه الله.
في تلك الفترة تركتهم ونزلت لكي أتزوج، وبعد ذلك لم أتمكن من الاستمرار بالنظام نفسه الذي كنا نسير عليه، إلى أن حدث نوع من القلق والاضطراب في استكمال التجربة، وشعرت أنني أضعت فرصة مهمة بالفعل.
هذه محطة لا أنساها، لأنها كانت تجربة مبكرة ومهمة بالنسبة لي، وكان من الممكن أن تستمر بصورة مختلفة لو استطعت المحافظة على الظروف التي كانت تسمح لنا بالعمل يوميًا.
سنوات طويلة بلا عمل.. ومشروعات درامية تنتظر التنفيذ
س: أخيرًا، بعيدًا عن الفن، ماذا علمتك سنوات العمر والمشوار الطويل؟ وما الشيء الذي أصبح أحمد الطاهر يقدّره اليوم أكثر من الشهرة والنجاح؟
ج: علمتني سنوات العمر والمشوار الطويل أن لا شيء يبقى على حاله.
في فترة من الفترات، كنت لا أجد وقتًا للعمل كاتبًا وممثلًا من شدة انشغالي، أما الآن فأنا أعيش منذ عام 2011 وحتى اليوم، بحسب ما أوضحت، بلا عمل في كل المجالات.
ومع ذلك، لدي مخزون من الأعمال الجاهزة للعمل والتنفيذ، ولم يسأل أحد عنها حتى الآن. لدي مسلسل تاريخي كتبته لقطاع الإنتاج، مكون من ثلاثين حلقة، وعليه موافقة الرقابة، كما أن هناك مسلسلًا اجتماعيًا آخر من خمس عشرة حلقة كتبته، وحصل على موافقة شركة صوت القاهرة، وفقًا لما أذكره.

وأتمنى أن يجد العملان حظهما، وأن تتاح لهما فرصة حقيقية للتنفيذ.
كما لدي مسرحية كتبتها، ومسرحية كوميدية أرى أن الفنان محمد هنيدي يمكن أن يكون بطلًا مناسبًا لها في الوقت الحالي. كنت قد كتبتها في الأصل لبطل آخر، لكنه لم يعد مناسبًا لها الآن من وجهة نظري.
كل هذه الأعمال موجودة عندي في البيت، ولا أستفيد بها، ولا يستفيد بها الجمهور للأسف، وأتمنى أن تجد طريقها إلى النور.
أما عن حياتي اليوم، فأنا مهتم جدًا بأسرتي وأولادي وأحفادي، وأصبحت الأسرة تحتل مساحة كبيرة من حياتي. ومع مرور السنوات، يدرك الإنسان أن الحياة لا تتوقف عند النجاح المهني أو الشهرة، وأن هناك أشياء أخرى تمنحه المعنى والطمأنينة.
أحمد الطاهر.. بين ذاكرة الفرص وأحلام تنتظر النور
تكشف شهادة أحمد الطاهر عن جانب من حياة الفنان والكاتب لا يظهر عادة أمام الجمهور؛ جانب تتداخل فيه الطموحات مع المسؤوليات، وتلتقي فيه الفرص التي تحققت بتلك التي لم تكتمل، بينما تظل الأعمال المكتوبة شاهدة على سنوات من الاجتهاد والرغبة في تقديم المزيد.
فمن مسرحية «تدفع الحساب يا بابا» إلى «الفئران»، مرورًا بتجربته المبكرة مع المخرج أحمد توفيق والفنان محمود مرسي، وصولًا إلى المسلسلات التي يقول إنها جاهزة للتنفيذ، تبدو مسيرته مليئة بمشروعات يتمنى أن تجد فرصتها.

كما يطرح حديثه تساؤلًا مهمًا حول مصير النصوص التي تكتمل كتابتها وتحصل على الموافقات اللازمة، لكنها لا تصل إلى مرحلة الإنتاج، وحول أهمية إعادة النظر في الأعمال التي قد تحمل قيمة فنية أو فكرية تستحق أن يكتشفها جمهور جديد.
وفي الوقت نفسه، لا يخلو حديثه من مراجعة ذاتية صريحة؛ فهو لا يلقي مسؤولية كل ما حدث على الظروف وحدها، بل يتوقف أمام قرارات اتخذها في مراحل مختلفة، ويرى أن الانشغال بالإنتاج والسفر والمسؤوليات الإدارية أبعده عن مسارات أخرى كان يتمنى الاستمرار فيها.
أما اليوم، فيبدو أن اهتمامه يتجه إلى الأسرة، بالتوازي مع أمل لم ينطفئ في أن تجد نصوصه طريقها إلى الشاشة أو المسرح.

وتبقى تجربة أحمد الطاهر شهادة على أن مشوار الفنان لا يُقاس فقط بما عُرض من أعماله، بل أيضًا بما يحمله من أفكار ومشروعات وأحلام لم تتح لها الفرصة بعد. وبين الماضي الذي يستعيده بوضوح، والحاضر الذي يصفه بالابتعاد عن العمل، يظل الأمل قائمًا في أن تجد هذه النصوص من يقرأها ويؤمن بها ويمنحها فرصة الوصول إلى الجمهور.


زوروا صفحتنا على فيسبوك 👇
https://www.facebook.com/share/1CfapypZsy/?mibextid=wwXIfr




