مقالات

في مثل هذا اليوم.. العالم يحتفي باليوم العالمي للقضاء على الفقر

في مثل هذا اليوم، 17 أكتوبر من كل عام، يحيي العالم اليوم العالمي للقضاء على الفقر، بهدف تسليط الضوء على معاناة ملايين الأشخاص الذين يفتقرون إلى أبسط مقومات الحياة، والتأكيد على أن مواجهة الفقر ليست مسؤولية الحكومات وحدها، بل تتطلب تعاونًا بين المؤسسات الدولية والدول والمجتمعات والأفراد، من أجل توفير حياة كريمة للجميع.

وتأتي هذه المناسبة لتذكّر العالم بأن الفقر لا يقتصر على قلة المال أو انخفاض الدخل، وإنما يمتد إلى صعوبة الحصول على الغذاء الصحي، والمسكن الآمن، والتعليم، والرعاية الصحية، وفرص العمل اللائقة، وغيرها من الاحتياجات الأساسية التي تمنح الإنسان القدرة على العيش بكرامة والمشاركة في المجتمع.

كيف بدأت قصة اليوم العالمي للقضاء على الفقر؟

ترجع جذور اليوم العالمي للقضاء على الفقر إلى 17 أكتوبر عام 1987، عندما اجتمع أكثر من مائة ألف شخص في ساحة تروكاديرو بالعاصمة الفرنسية باريس، وهي الساحة المرتبطة بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لتكريم ضحايا الفقر المدقع والجوع والعنف، والتأكيد على أن الحرمان من الحقوق الأساسية يمثل انتهاكًا لكرامة الإنسان.

وشهد هذا التجمع التأكيد على ضرورة توحيد الجهود لمواجهة الفقر، والاستماع إلى الأشخاص الذين يعيشون ظروفًا اقتصادية واجتماعية صعبة، بدلًا من التعامل معهم باعتبارهم مجرد أرقام في التقارير والإحصاءات.

وبعد سنوات من إحياء المناسبة، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بموجب القرار رقم 47/196 الصادر في 22 ديسمبر 1992، يوم 17 أكتوبر يومًا عالميًا للقضاء على الفقر، على أن يبدأ الاحتفال الرسمي به عام 1993.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت المناسبة فرصة سنوية لمناقشة أسباب الفقر ونتائجه، واستعراض السياسات والبرامج التي يمكن أن تسهم في الحد منه، مع التأكيد على أهمية مشاركة الأشخاص المتأثرين به في صياغة الحلول التي تمس حياتهم ومستقبلهم.

في مثل هذا اليوم.. العالم يحتفي باليوم العالمي للقضاء على الفقر
اليوم العالمي للقضاء على الفقر

اليوم العالمي للقضاء على الفقر.. قضية تتجاوز نقص المال

يرتبط الفقر بعدد كبير من المشكلات التي تؤثر في حياة الإنسان اليومية، فقد تعاني الأسرة من انخفاض الدخل، وفي الوقت نفسه تواجه صعوبة في توفير الغذاء أو دفع تكاليف السكن أو الحصول على العلاج المناسب.

وقد يُحرم طفل يعيش في ظروف الفقر من التعليم الجيد، أو يضطر إلى ترك المدرسة للمساعدة في إعالة أسرته، وهو ما قد يحد من فرصه المستقبلية في الحصول على وظيفة مناسبة وتحسين مستوى معيشته.

كذلك، يمكن أن يؤدي غياب الحماية الاجتماعية وفرص العمل المستقرة إلى زيادة هشاشة الأسر أمام الأزمات الاقتصادية، وارتفاع الأسعار، والكوارث الطبيعية، والنزاعات المسلحة.

ولا تتوزع آثار الفقر بالتساوي بين جميع الفئات؛ إذ يكون الأطفال والنساء والأشخاص ذوو الإعاقة وكبار السن، إلى جانب المجتمعات المتضررة من الحروب والأزمات، أكثر عرضة لمواجهة أشكال متعددة من الحرمان.

ولهذا، فإن القضاء على الفقر لا يتحقق من خلال المساعدات المؤقتة وحدها، رغم أهميتها في إنقاذ الأسر الأكثر احتياجًا، بل يحتاج أيضًا إلى حلول طويلة الأجل تشمل تحسين التعليم والرعاية الصحية، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وضمان عدالة الوصول إلى الخدمات الأساسية.

أرقام تكشف حجم التحدي العالمي في 2026

لا تزال معدلات الفقر المدقع تمثل تحديًا كبيرًا أمام المجتمع الدولي، رغم التقدم الذي تحقق في بعض الدول خلال العقود الماضية.

وتشير تقديرات أممية منشورة لعام 2026 إلى أن نحو 826 مليون شخص حول العالم يعيشون في فقر مدقع، أي ما يقارب 10% من سكان العالم، وفق معيار الدخل الأقل من 3 دولارات يوميًا محسوبًا وفق تعادل القوة الشرائية بأسعار عام 2021.

وتكشف هذه الأرقام أن النمو الاقتصادي وحده لا يكفي لضمان وصول ثمار التنمية إلى جميع السكان، خاصة عندما تتسع الفجوات بين الفئات الاجتماعية أو تتراجع فرص العمل اللائق والحماية من الأزمات.

كما يواجه مليارات الأشخاص أشكالًا مختلفة من الحرمان السكني، إذ تشير التقديرات الأممية لعام 2026 إلى أن أكثر من 2.8 مليار شخص يعانون من صورة من صور عدم كفاية السكن، سواء بسبب عدم القدرة على تحمل تكلفته، أو الازدحام، أو عدم توافر الخدمات الأساسية، أو غياب الأمان والاستقرار.

وتوضح هذه المؤشرات أن الفقر متعدد الأبعاد، وأن معالجة جانب واحد منه لا تكفي لإنهاء معاناة الأسر التي تواجه عدة مشكلات في الوقت نفسه.

في مثل هذا اليوم.. العالم يحتفي باليوم العالمي للقضاء على الفقر
اليوم العالمي للقضاء على الفقر

السكن الآمن في صدارة اهتمام العالم عام 2026

يحمل اليوم العالمي للقضاء على الفقر في عام 2026 تركيزًا خاصًا على قضية السكن الآمن للجميع، ضمن الإطار العام للفترة من 2026 إلى 2028، تحت شعار «متحدون من أجل السلام وحقوق الإنسان».

وتنبع أهمية هذا التركيز من أن المسكن ليس مجرد مكان للنوم، بل يمثل أساسًا للاستقرار النفسي والاجتماعي، ويساعد الإنسان على الوصول إلى التعليم والعمل والرعاية الصحية، ويحمي الأسرة من كثير من المخاطر.

فالأسرة التي تعيش في مسكن غير آمن أو غير ملائم قد تواجه صعوبات في توفير بيئة مناسبة للأطفال، كما قد تضطر إلى إنفاق جزء كبير من دخلها على الإيجار أو الانتقال المتكرر بين أماكن الإقامة، وهو ما يزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

وتتطلب مواجهة هذه المشكلة سياسات تساعد على توفير مساكن آمنة وملائمة وميسورة التكلفة، مع الاهتمام بالفئات الأكثر احتياجًا، وإشراك الأشخاص الذين يعانون من الفقر السكني في وضع الخطط التي تستهدف تحسين أوضاعهم.

كما أن توفير السكن المناسب يرتبط بأهداف تنموية أخرى، من بينها الحد من أوجه عدم المساواة، وتحسين جودة الحياة في المدن، وتعزيز المجتمعات المستدامة.

كيف يمكن للمجتمع المساهمة في الحد من الفقر؟

تبدأ مواجهة الفقر من الاعتراف بأن لكل إنسان الحق في الكرامة والفرص العادلة، وأن الظروف الاقتصادية الصعبة لا تنتقص من قيمة الأشخاص الذين يعيشونها.

ويمكن للمجتمعات أن تسهم في الحد من الفقر من خلال دعم المبادرات الجادة التي تساعد الأسر الأكثر احتياجًا، وتشجيع المشروعات الصغيرة، وتوفير فرص التدريب والتأهيل، ومساندة الأشخاص القادرين على العمل للوصول إلى مصادر دخل مستقرة.

كما تؤدي مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية دورًا مهمًا في تقديم المساعدات الغذائية والطبية والتعليمية، وتنفيذ برامج تستهدف تحسين ظروف المعيشة، خاصة في المناطق التي تعاني من ضعف الخدمات.

وتظل المساعدات الإنسانية ضرورية في أوقات الأزمات، لكنها تصبح أكثر تأثيرًا عندما ترتبط ببرامج تمكّن الأسر من الاعتماد على نفسها تدريجيًا، وتمنحها فرصة حقيقية لتحسين أوضاعها الاقتصادية.

ومن المهم أيضًا تجنب وصم الفقراء أو تحميلهم وحدهم مسؤولية ظروفهم؛ فالفقر قد ينتج عن عوامل متعددة، منها البطالة، وضعف الخدمات، والنزاعات، والتمييز، والأزمات الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة.

في مثل هذا اليوم.. العالم يحتفي باليوم العالمي للقضاء على الفقر
اليوم العالمي للقضاء على الفقر

القضاء على الفقر مسؤولية مشتركة

يمثل اليوم العالمي للقضاء على الفقر دعوة لمراجعة الجهود المبذولة من أجل تحقيق التنمية المستدامة، والتأكد من أن الفئات الأكثر احتياجًا ليست بعيدة عن فرص التعليم والعمل والرعاية الصحية والسكن الملائم.

كما يسلط الضوء على أهمية وضع سياسات عادلة وفعالة، وتوفير الموارد اللازمة للحماية الاجتماعية، وإتاحة الفرصة أمام الأشخاص الذين يعيشون الفقر للمشاركة في القرارات التي تؤثر في حياتهم.

إن بناء عالم أقل فقرًا لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى خطوات عملية مستمرة، تبدأ بتلبية الاحتياجات الأساسية، وتمتد إلى بناء اقتصاد يوفر فرصًا عادلة، ومجتمع يحترم حقوق الإنسان، ومؤسسات تستمع إلى المواطنين وتعمل على تحسين حياتهم.

وفي ذكرى اليوم العالمي للقضاء على الفقر، يبقى الهدف الأهم هو تحويل التضامن إلى عمل حقيقي، حتى لا يكون الحصول على الطعام أو العلاج أو التعليم أو المسكن الآمن امتيازًا لفئة دون أخرى، بل حقًا أساسيًا لكل إنسان.

زوروا موقعنا على الفيس بوك 👇 

https://www.facebook.com/share/1F3VGfJ5K8/?mibextid=wwXIfr