تحل في 19 أكتوبر ذكرى ميلاد الفنان السوري زياد مولوي، أحد الوجوه التي ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ الكوميديا والسينما السورية، وترك بصمة واضحة من خلال مشاركته في أعمال جمعت بين الكوميديا والمواقف الاجتماعية. وُلد مولوي في دمشق عام 1944، ونجح في لفت الأنظار بملامحه المميزة وأدائه الكوميدي، قبل أن تتسع تجربته لتشمل التمثيل والإنتاج والإخراج الإذاعي والعمل المسرحي. ورغم رحيله في سن مبكرة، ظل اسمه حاضرًا لدى محبي الأعمال السورية القديمة، خاصة من خلال مشاركاته مع نجوم الكوميديا، وفي مقدمتهم دريد لحام ونهاد قلعي.
لم يكن مشوار زياد مولوي طويلًا مقارنة بأجيال فنية أخرى، لكنه شهد تنوعًا ملحوظًا في الأعمال والشخصيات التي قدمها. فقد تنقل بين المسلسلات والأفلام والمسرح، وخاض تجربة الإنتاج السينمائي، كما عمل في الإذاعة، وهو ما يعكس تعدد اهتماماته ورغبته في الاستمرار داخل المجال الفني بأكثر من وسيلة.
زياد مولوي.. البداية من الهواية إلى الاحتراف
بدأت علاقة زياد مولوي بالفن خلال سنوات الدراسة، إذ اتجه إلى التمثيل على سبيل الهواية، قبل أن تتحول هذه الهواية إلى مسار مهني. ومع انتقاله إلى العمل الفني، وجد فرصته في المسرح والتليفزيون، حيث استطاع أن يطور أسلوبه ويقدم شخصيات تتناسب مع طبيعة الأعمال الكوميدية والاجتماعية التي انتشرت في تلك المرحلة.
وكانت ملامحه الجسدية وأداؤه من العناصر التي ساعدته على تقديم شخصيات لافتة، لكنه لم يعتمد عليها وحدها، بل استطاع أن يوظفها في بناء مواقف كوميدية تتناسب مع طبيعة العمل. ومع الوقت، أصبح من الوجوه المعروفة لدى جمهور الدراما السورية، وشارك في إنتاجات حققت انتشارًا واسعًا داخل سوريا وخارجها.
ولم يقتصر نشاطه على التمثيل، إذ أسس فرقة مسرحية خاصة، وقدم من خلالها أعمالًا موجهة للجمهور، كما عمل مخرجًا إذاعيًا، وتولى رئاسة فرع دمشق لنقابة الفنانين، وهي مسؤولية تعكس حضوره في الوسط الفني السوري.
«مقالب غوار» و«حمام الهنا».. محطات صنعت شهرته
من أبرز المحطات في مسيرة زياد مولوي مشاركته في مسلسل «مقالب غوار» عام 1967، الذي ارتبط بشخصية غوار الطوشة التي قدمها دريد لحام، وشارك فيه عدد من الفنانين السوريين الذين أصبحوا لاحقًا من رموز الكوميديا التلفزيونية.
وفي عام 1968، ظهر في مسلسل «حمام الهنا»، الذي جمع عددًا من نجوم الكوميديا السورية، وأسهم في ترسيخ حضوره لدى الجمهور. وتميزت هذه الأعمال بالاعتماد على المواقف اليومية والمفارقات الساخرة، إلى جانب الشخصيات التي تعكس جوانب من المجتمع السوري في تلك الفترة.
كما شارك في مسلسل «مختار السبع بحرات» عام 1969، وقدم شخصية صياح، في عمل شارك فيه الفنان رفيق سبيعي. وتكشف هذه المشاركات عن قدرته على العمل ضمن فرق فنية متنوعة، وتقديم أدوار مختلفة في المسلسلات التي شكلت جزءًا مهمًا من ذاكرة التليفزيون السوري.

من الكوميديا إلى السينما.. أفلام زياد مولوي
لم يتوقف نشاط زياد مولوي عند التليفزيون، بل امتد إلى السينما، حيث شارك في عشرات الأفلام التي تنوعت موضوعاتها بين الكوميديا والدراما والمغامرات.
ومن أبرز أعماله السينمائية فيلم «خياط السيدات» عام 1969، و«اللص الظريف» عام 1970، و«رحلة حب» عام 1972، إلى جانب «شقة للحب» و«ذكرى ليلة حب» عام 1973.
وشهد عام 1974 نشاطًا سينمائيًا ملحوظًا في مسيرته، إذ شارك في أفلام منها «حب وكاراتيه» و«خيمة كركوز» و«بنات للحب» و«الغجرية العاشقة». كما عمل مع عدد من الفنانين المصريين والسوريين، وهو ما أتاح له المشاركة في أعمال مشتركة وسّعت دائرة انتشاره.
وفي عام 1975، خاض تجربة جديدة عندما اتجه إلى إنتاج الأفلام، فشارك في إنتاج فيلم «حبيبي مجنون جدًا»، ثم فيلم «غرام المهرج» عام 1976، الذي شارك في بطولته أيضًا. وتكشف هذه الخطوة عن رغبته في توسيع دوره داخل الصناعة السينمائية، وعدم الاكتفاء بالوقوف أمام الكاميرا.
زياد مولوي ودريد لحام.. تعاون ترك أثرًا في الكوميديا السورية
كان التعاون مع دريد لحام ونهاد قلعي من المحطات المهمة في مسيرة زياد مولوي، فقد عمل معهما في مرحلة شهدت ازدهار الأعمال الكوميدية السورية وانتشارها بين الجمهور العربي.
واعتمدت الكوميديا في هذه الأعمال على الشخصيات المتكررة والمواقف الساخرة والمفارقات الاجتماعية، وهي عناصر أتاحت للممثلين تقديم أدوار متنوعة داخل العمل الواحد. واستطاع مولوي أن يكون جزءًا من هذه التجربة، وأن يشارك في أعمال ظلت معروفة لدى أجيال من المشاهدين.
كما تعاون مع الفنان رفيق سبيعي في أعمال تلفزيونية، من بينها «مختار السبع بحرات»، وشارك في إنتاجات سينمائية سورية ومصرية مشتركة، وهو ما يعكس طبيعة الحركة الفنية في تلك السنوات، حين كانت الحدود بين الإنتاجات العربية أقل صرامة، وكان الفنانون ينتقلون بين الأعمال وفقًا لفرص التعاون المتاحة.
المسرح والإذاعة.. مواهب متعددة خارج الشاشة
امتلك زياد مولوي اهتمامات فنية لم تقتصر على السينما والتليفزيون، إذ عمل في المسرح وأسّس فرقة مسرحية، وقدم عروضًا من بينها «الشاطر زياد» و«ضيف الحكومة» و«دكتور إلحقني».
كما اتجه إلى الإخراج الإذاعي، وهو مجال يحتاج إلى أدوات مختلفة عن التمثيل أمام الكاميرا، من بينها القدرة على بناء المشهد من خلال الصوت والحوار والمؤثرات. ويكشف هذا التنوع عن حرصه على الاستمرار في العمل الفني عبر أكثر من وسيط.
ومع تراجع فرص الإنتاج السينمائي في بعض الفترات، اتجه إلى تجارب أخرى، من بينها مسرح الطفل، كما ارتبط اسمه بمسؤوليات مهنية داخل الوسط الفني السوري، إذ تولى رئاسة فرع دمشق لنقابة الفنانين.
وتظل هذه الجوانب مهمة عند استعادة سيرته، لأنها توضح أن تجربته لم تكن مجرد مجموعة أدوار كوميدية، بل مسيرة متعددة المجالات جمعت بين الأداء والإنتاج والعمل المسرحي والإذاعي.

وفاة زياد مولوي.. رحيل مبكر عن عمر 52 عامًا
رغم النشاط الفني الذي شهده مشواره، رحل زياد مولوي في 10 مايو 1997، عن عمر ناهز 52 عامًا، بعد أن ترك وراءه رصيدًا من الأفلام والمسلسلات والمسرحيات.
وجاء رحيله في مرحلة كان قد راكم خلالها خبرة متنوعة في مجالات فنية عدة، وقدم شخصيات ارتبطت بالكوميديا السورية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. ولم يمنحه العمر فرصة لمواصلة تطوير تجربته أو خوض مزيد من مشروعات الإنتاج والإخراج.
ومع مرور السنوات، بقيت أعماله القديمة وسيلة للتعرف على ملامح مرحلة من تاريخ الفن السوري، حين أسهمت المسلسلات الكوميدية والأفلام المشتركة في تكوين هوية فنية لها جمهورها داخل سوريا وخارجها.
ذكرى ميلاد زياد مولوي.. فنان حاضر بأعماله
في ذكرى ميلاده، يستحق زياد مولوي أن تستعاد تجربته بوصفه أحد الفنانين الذين شاركوا في صناعة مرحلة مهمة من الكوميديا السورية. فقد جمع بين التمثيل والإنتاج والإخراج الإذاعي والمسرح، وعمل إلى جانب أسماء بارزة تركت أثرًا في ذاكرة الجمهور العربي.
وتظل مشاركاته في «مقالب غوار» و«حمام الهنا» وغيرها من الأعمال جزءًا من رصيده الفني، بينما تكشف أفلامه عن تنوع تجربته وامتدادها إلى السينما السورية والمصرية.
وفي النهاية، تبقى ذكرى ميلاد زياد مولوي مناسبة لاستعادة سيرة فنان رحل مبكرًا، لكنه ترك أعمالًا تستحق أن تتعرف إليها الأجيال الجديدة، وأن تظل حاضرة ضمن ذاكرة الفن العربي.
زوروا صفحتنا على فيسبوك 👇
https://www.facebook.com/share/1A7XM92zkn/?mibextid=wwXIfr




