تحل اليوم 20 أكتوبر ذكرى وفاة الفنانة المصرية نعيمة الصغير، التي رحلت عام 1991، تاركة وراءها رصيدًا فنيًا كبيرًا جعلها واحدة من أبرز الوجوه التي ارتبطت بأدوار الشر في السينما المصرية. واستطاعت نعيمة الصغير أن تصنع لنفسها شخصية فنية مختلفة، بصوتها الأجش المميز وملامحها القوية وأدائها الذي جمع بين القسوة وخفة الظل، حتى أصبحت من الفنانات اللاتي لا يمكن نسيان حضورهن رغم أن كثيرًا من أدوارها لم تكن بطولات مطلقة.
لم تكن مسيرتها مجرد سلسلة من الأدوار الثانوية، بل كانت مثالًا على قدرة الفنان الموهوب على ترك أثر عميق في ذاكرة الجمهور مهما كانت مساحة ظهوره. فقد شاركت في أفلام مهمة مع كبار نجوم السينما المصرية، وقدمت شخصيات الحماة المتسلطة والمرأة القاسية والشخصيات الشعبية التي تحمل الكثير من التناقضات الإنسانية، لتصبح جزءًا من ملامح السينما المصرية في النصف الثاني من القرن العشرين.
وفي ذكرى رحيلها، تعود أعمالها إلى الواجهة، ويستعيد الجمهور شخصياتها الشهيرة التي أثارت الخوف والضحك والدهشة، وأثبتت أن الأدوار المساندة قد تتحول أحيانًا إلى علامات لا تقل أهمية عن أدوار البطولة.
نعيمة الصغير.. النشأة والبدايات في الإسكندرية
وُلدت نعيمة عبد المجيد عبد الجواد، المعروفة فنيًا باسم نعيمة الصغير، في مدينة الإسكندرية يوم 25 ديسمبر عام 1931. ونشأت وهي تحمل اهتمامًا بالغناء والفن، وكان حلمها في البداية أن تصبح مطربة، قبل أن تتغير مسارات حياتها وتتجه إلى التمثيل.
بدأت رحلتها الفنية بالعمل في تقديم المونولوجات مع زوجها محمد الصغير، الذي ارتبط اسمها الفني باسمه، ثم عملا معًا في فرقة إبراهيم حمودة، كما شاركا في فرقة الفنان إسماعيل يس. وقد منحتها هذه التجارب فرصة الاحتكاك المبكر بالجمهور واكتساب الخبرة في الأداء أمام الناس.
وكانت تلك البدايات بعيدة عن النجومية السينمائية التي عرفها الجمهور لاحقًا، لكنها ساعدتها على اكتشاف قدراتها وتطوير أسلوبها الخاص. ومع انتقالها إلى السينما، بدأت ملامح شخصيتها الفنية تتشكل تدريجيًا، حتى أصبحت صاحبة حضور مميز يصعب الخلط بينه وبين أي فنانة أخرى.
وقد ساعدتها نبرة صوتها المختلفة على تقديم شخصيات ذات طبيعة خاصة، كما جعلتها مناسبة لأدوار تتطلب حضورًا قويًا وقدرة على فرض الشخصية داخل المشهد، وهو ما ظهر بوضوح في أعمالها اللاحقة.

من «اليتيمتين» إلى أفلام كبار النجوم
بدأت نعيمة الصغير مشوارها السينمائي في أواخر أربعينيات القرن الماضي، ومن الأعمال التي ارتبطت ببداياتها فيلم «اليتيمتين» عام 1948، لتبدأ بعدها رحلة طويلة داخل صناعة السينما المصرية.
ومع مرور السنوات، شاركت في عدد كبير من الأفلام التي جمعتها بنجوم ومخرجين بارزين، واستطاعت أن تثبت قدرتها على أداء الشخصيات الصعبة التي تحتاج إلى تعبيرات واضحة وحضور قوي. ولم تكن تعتمد على الحوار وحده، بل كانت تستخدم نبرة صوتها ونظراتها وحركاتها لتمنح الشخصية ملامح خاصة.
ومن أبرز الأفلام التي شاركت فيها «القاهرة 30»، و«الزوجة الثانية»، و«شيء من الخوف»، و«شفيقة ومتولي»، و«إسكندرية ليه»، و«المشبوه»، و«حب في الزنزانة»، و«جري الوحوش»، و«رمضان فوق البركان».
وقد تنوعت هذه الأعمال بين الدراما الاجتماعية والسياسية والكوميديا والتشويق، وهو ما أتاح لها تقديم شخصيات مختلفة في خلفياتها ودوافعها، رغم ارتباط صورتها لدى الجمهور في كثير من الأحيان بأدوار الشر.
«الشقة من حق الزوجة».. شخصية نازلي التي لا تُنسى
من أبرز الأدوار التي ارتبطت باسم نعيمة الصغير شخصية نازلي في فيلم «الشقة من حق الزوجة»، الذي شارك في بطولته محمود عبد العزيز ومعالي زايد، وحقق حضورًا جماهيريًا لافتًا.
قدمت الفنانة شخصية الحماة المتسلطة التي تتدخل في حياة ابنتها الزوجية، وتحاول التأثير في قراراتها وعلاقتها بزوجها، لتنشأ سلسلة من المواقف الكوميدية والاجتماعية التي شكلت جانبًا مهمًا من أحداث الفيلم.
وبرعت نعيمة الصغير في تقديم الشخصية بمزيج من الحدة وخفة الظل، فاستطاعت أن تجعل المشاهد يتفاعل معها رغم تصرفاتها المستفزة داخل الأحداث. ولم يكن أداؤها قائمًا على الشر المطلق، بل أضافت إلى الشخصية تفاصيل جعلتها قريبة من نماذج اجتماعية يعرفها الجمهور.
وأصبحت نازلي واحدة من الشخصيات التي يستعيدها محبو السينما المصرية عند الحديث عن أدوار الحماة في الأفلام الكوميدية، وهو ما يعكس قدرة الفنانة على ترك بصمة واضحة حتى في الأعمال التي تتقاسم بطولتها مع نجوم كبار.
«العفاريت».. الكاتعة التي أثارت الرعب في قلوب المشاهدين
إذا كان فيلم «الشقة من حق الزوجة» قد أظهر جانبًا كوميديًا من موهبة نعيمة الصغير، فإن فيلم «العفاريت» قدمها في صورة مختلفة تمامًا، من خلال شخصية الكاتعة، التي ارتبطت بذاكرة الجمهور باعتبارها واحدة من أشهر الشخصيات المخيفة في السينما المصرية.
شارك في الفيلم عمرو دياب ومديحة كامل، وتناول عالم الأطفال المشردين وما يتعرضون له من استغلال، في إطار درامي جمع بين الغموض والتشويق.
وقدمت نعيمة الصغير شخصية الكاتعة بأداء قوي ونبرة صوت زادت من رهبة الشخصية، لتصبح من أكثر عناصر الفيلم حضورًا وتأثيرًا. واستطاعت أن تجعل ظهورها في المشاهد مصدرًا للتوتر والترقب، وهو ما ساهم في ترسيخ الشخصية لدى أجيال من المشاهدين.
ولا يزال اسم الكاتعة يُستحضر عند الحديث عن الشخصيات الشريرة الشهيرة في السينما المصرية، كما تُتداول مشاهد الفيلم بين الجمهور حتى اليوم، في دليل على قوة التأثير الذي تركه أداؤها.
وتكشف المقارنة بين نازلي والكاتعة عن اتساع قدراتها التمثيلية؛ ففي الأولى استخدمت الحدة في إطار كوميدي، بينما اعتمدت في الثانية على الغموض والتهديد لصناعة شخصية مخيفة.
سر تميز نعيمة الصغير في أدوار الشر
ارتبط نجاح نعيمة الصغير في أدوار الشر بمجموعة من العناصر الفنية التي جعلتها مختلفة عن كثير من ممثلات جيلها. فقد امتلكت صوتًا أجش مميزًا، إلى جانب ملامح قوية وتعبيرات وجه قادرة على نقل الغضب والدهاء والصرامة بوضوح.
لكن هذه الصفات وحدها لم تكن كافية لصناعة النجاح، إذ امتلكت أيضًا قدرة على ضبط إيقاع الأداء، وتقديم الشخصية بصورة تتناسب مع طبيعة الفيلم، سواء كان العمل اجتماعيًا أو كوميديًا أو قائمًا على التشويق.
كما أنها لم تحصر نفسها في الأدوار المخيفة، بل شاركت في أعمال كوميدية واجتماعية متنوعة، وقدمت شخصيات شعبية وحمّالات مواقف طريفة، وهو ما ساعد على توسيع نطاق حضورها لدى الجمهور.
وكانت من الفنانات اللاتي استطعن تحويل مساحة الدور إلى فرصة للإبداع، فحتى عندما تظهر في عدد محدود من المشاهد، كانت قادرة على ترك انطباع واضح لدى المشاهدين.
ولهذا السبب، لم تكن شهرتها مرتبطة ببطولة فيلم واحد، بل بمجموعة من الشخصيات التي تراكم تأثيرها عبر سنوات طويلة من العمل.
آخر سنواتها الفنية ورحيلها في أكتوبر 1991
واصلت نعيمة الصغير العمل حتى السنوات الأخيرة من حياتها، وشاركت في عدد من الأفلام خلال عام 1991، من بينها «إلا أمي» و«حصل يا سعادة البيه»، في استمرار لمسيرتها السينمائية التي امتدت لأكثر من أربعة عقود.
ورحلت الفنانة في 20 أكتوبر عام 1991، عن عمر ناهز 59 عامًا وفقًا لتاريخ ميلادها المسجل، بعدما تركت رصيدًا كبيرًا من المشاركات السينمائية.
وكان رحيلها خسارة لواحدة من الفنانات اللاتي امتلكن أسلوبًا خاصًا في الأداء، واستطعن أن يصنعن حضورًا لا يعتمد على البطولة المطلقة بقدر ما يعتمد على قوة الشخصية وتأثيرها في الأحداث.
وبعد سنوات طويلة على رحيلها، لا تزال أفلامها تُعرض ويستعيد الجمهور مشاهدها، كما تستمر شخصياتها الشهيرة في إثارة النقاش حول قدرة الممثل على صناعة دور مؤثر مهما كانت مساحته.

ذكرى وفاة نعيمة الصغير.. موهبة أكبر من مساحة الدور
في ذكرى وفاة نعيمة الصغير، نستعيد سيرة فنانة لم تكن مجرد وجه يؤدي أدوارًا ثانوية، بل صاحبة بصمة مميزة في تاريخ السينما المصرية. فمن نازلي في «الشقة من حق الزوجة» إلى الكاتعة في «العفاريت»، قدمت نماذج مختلفة من الشخصيات التي بقيت حاضرة في ذاكرة الجمهور.
وقد أثبتت رحلتها أن قيمة الفنان لا تقاس بعدد مرات ظهوره في صدارة الملصقات، وإنما بقدرته على ترك أثر حقيقي في المشاهد، وهو ما نجحت فيه من خلال أدائها وصوتها وشخصيتها الفنية الخاصة.
وتظل نعيمة الصغير واحدة من الوجوه التي ساهمت في تشكيل ملامح السينما المصرية، وتبقى أعمالها شاهدًا على موهبة استطاعت أن تحول الأدوار المساندة إلى شخصيات رئيسية في ذاكرة الجمهور، حتى بعد مرور عقود على رحيلها.
زوروا موقعنا على الفيس بوك 👇
https://www.facebook.com/share/1F3VGfJ5K8/?mibextid=wwXIfr




