تحل اليوم 29 أكتوبر ذكرى ميلاد المطربة المصرية عايدة الشاعر، التي وُلدت عام 1940، واستطاعت أن تحجز لنفسها مكانة مميزة في عالم الغناء الشعبي، بفضل صوتها وأدائها العفوي وأغنياتها التي انتشرت في مصر والوطن العربي. ومن أشهر ما ارتبط باسمها أغنيتا «كايدة العزال أنا من يومي» و«الطشت قال لي»، اللتان لا تزالان حاضرتين في ذاكرة محبي الأغنية المصرية القديمة.
لم تبدأ عايدة الشاعر حياتها المهنية من بوابة الفن مباشرة، بل عملت في مجال الترجمة وتدريس اللغة الفرنسية، قبل أن تقودها موهبتها وحبها للغناء إلى الإذاعة المصرية، ومنها إلى عالم الاحتراف. وخلال رحلتها الفنية، تعاونت مع عدد من كبار الملحنين، وقدمت مئات الأغنيات التي تنوعت بين الألحان الرومانسية والأغاني الشعبية والفلكلورية.
وفي ذكرى ميلاد عايدة الشاعر، تعود إلى الواجهة حكاية مطربة بدأت مشوارها بعيدًا عن الأضواء، ثم أصبحت صاحبة مجموعة من الأغنيات التي ارتبطت بالأفراح والمناسبات والذاكرة الشعبية المصرية.
من المنصورة إلى الإذاعة المصرية.. بداية الحلم
وُلدت عايدة الشاعر في مدينة المنصورة في 29 أكتوبر عام 1940، ونشأت في أجواء عائلية عرفت الاهتمام بالموسيقى والغناء، وهو ما ساعد على تنمية موهبتها منذ سنواتها الأولى.
ودرست في المدرسة الأمريكية، ثم انتقلت إلى المدرسة الفرنسية، قبل أن تبدأ حياتها العملية مترجمة، ثم تعمل مدرسة للغة الفرنسية في إحدى مدارس مدينة دكرنس، وبعد ذلك في القاهرة.
لكن حبها للغناء ظل حاضرًا، فقررت اختبار موهبتها من خلال مسابقة للهواة نظمتها الإذاعة المصرية. ونجحت في المسابقة، وتم اعتمادها مطربة بالإذاعة، لتبدأ مرحلة جديدة في حياتها، تنتقل خلالها من العمل في مجال التعليم والترجمة إلى الساحة الغنائية.
وكانت هذه الخطوة نقطة تحول مهمة، إذ أتاحت لها الفرصة للتعامل مع الوسط الموسيقي والتعرف على ملحنين وشعراء، ساهموا في تشكيل تجربتها الفنية وتحديد ملامحها الغنائية.

رياض السنباطي يكتشف موهبتها وعلي إسماعيل يفتح لها أبواب الأغنية الشعبية
كان الموسيقار رياض السنباطي من أوائل الذين تحمسوا لصوت عايدة الشاعر، وقدم لها مجموعة من الأغنيات الرومانسية، من بينها «أحبك وأسهر فيك لوحدية»، التي أظهرت جانبًا مختلفًا من قدراتها الصوتية قبل انتقالها إلى مرحلة الشهرة في الأغنية الشعبية.
وبعد ذلك، جاء تعاونها مع الموسيقار علي إسماعيل ليشكل محطة مهمة في مشوارها، حيث اتجهت إلى تقديم الأغنيات الشعبية والفلكلورية التي تناسب طبيعة صوتها وأسلوبها في الأداء.
وساهم تعاونها مع علي إسماعيل في توسيع انتشارها، خاصة من خلال الأغنيات التي قدمتها مع فرقة رضا للفنون الشعبية. وتميزت هذه التجربة بالجمع بين الموسيقى والاستعراض والتراث الشعبي، وهو ما أتاح لأغنياتها الوصول إلى جمهور أوسع.
كما ارتبط اسمها بعدد من كبار الملحنين، من بينهم عبد العظيم محمد، وسيد إسماعيل، وجمال سلامة، وحلمي بكر، في مسيرة تنوعت فيها الألحان والموضوعات الغنائية.
«كايدة العزال أنا من يومي».. الأغنية التي صنعت شهرتها
تُعد أغنية «كايدة العزال أنا من يومي» من أبرز العلامات في مشوار عايدة الشاعر، إذ ساهمت في ترسيخ صورتها بوصفها واحدة من الأصوات المميزة في الأغنية الشعبية المصرية.
وجاءت الأغنية بطابع مرح وكلمات قريبة من الحياة اليومية، مع لحن سهل الترديد وأداء عفوي منحها قدرة على الانتشار بين الجمهور. وأصبحت بعض عباراتها متداولة في الأحاديث والمناسبات، وهو ما يعكس ارتباط الأغنية بالوجدان الشعبي.
ولم يكن نجاح الأغنية قائمًا على اللحن وحده، بل ساعدت طريقة أداء عايدة الشاعر على منحها روحًا خاصة، إذ قدمتها بأسلوب يجمع بين خفة الظل والحيوية، بعيدًا عن الأداء المتكلف.
ومع انتشار الأغنية، أصبح اسم المطربة مرتبطًا بها لدى قطاع كبير من الجمهور، وظلت من الأعمال التي يطلبها المستمعون عند استعادة أغنيات الزمن الجميل.
«الطشت قال لي».. من الأغنية الشعبية إلى شاشة السينما
تأتي أغنية «الطشت قال لي» ضمن أشهر الأعمال التي ارتبطت باسم عايدة الشاعر، وقدمتها في سياق تعاونها مع فرقة رضا للفنون الشعبية.
واكتسبت الأغنية حضورًا إضافيًا عندما استُخدمت ضمن أحداث فيلم «ثرثرة فوق النيل»، المأخوذ عن رواية الأديب نجيب محفوظ، والذي عُرض عام 1971 وأخرجه حسين كمال.
ولم يكن حضور الأغنية داخل الفيلم مجرد إضافة موسيقية، بل جاء مرتبطًا بالسياق الدرامي للعمل، الذي تناول أحوال المجتمع المصري وتداعيات مرحلة ما بعد هزيمة عام 1967، وقدم صورة نقدية لبعض مظاهر التراجع الاجتماعي والثقافي.
كما قدمت عايدة الشاعر أغنية «فالح يا وله»، و«عقبال عندكم يا حبايب»، و«الطرح يا بنات والسكر النبات»، و«قمر 14»، و«غالية ومهري غالي»، إلى جانب أعمال أخرى ساهمت في تنوع رصيدها الغنائي.
عايدة الشاعر بين الغناء والسينما والتليفزيون
على الرغم من شهرتها الأساسية كمطربة، خاضت عايدة الشاعر تجارب محدودة في السينما والتليفزيون. فقد شاركت بالغناء في فيلمي «ثرثرة فوق النيل» و«امرأة ورجل»، اللذين عُرضا عام 1971.
كما خاضت تجربة التمثيل في مسلسل «أيام الضحك والدموع» عام 1998، لتضيف إلى مسيرتها محطة مختلفة عن مجالها الغنائي الأساسي.
وقدمت خلال حياتها ما يقارب 500 أغنية، وفقًا لما ورد في سيرتها الفنية المنشورة، وهو رصيد يعكس حجم نشاطها وتنوع اختياراتها على مدار سنوات عملها.
واستطاعت عايدة الشاعر أن تجمع بين الأغنيات الرومانسية والأعمال الشعبية، وأن تتعاون مع ملحنين ينتمون إلى مدارس موسيقية مختلفة، وهو ما منح تجربتها مساحة متنوعة رغم ارتباط شهرتها الأكبر بالأغنية الشعبية.
حياتها الشخصية وقرار التفرغ للفن
تزوجت عايدة الشاعر من الموسيقار سيد إسماعيل، ورُزقت منه بابنة واحدة تُدعى راندا. وشهدت حياتها الشخصية بعض التحديات المرتبطة بالتوفيق بين مسؤوليات الأسرة والاستمرار في العمل الفني.
وتشير روايات منشورة عن مسيرتها إلى أن زوجها طلب منها في مرحلة مبكرة الابتعاد عن الغناء والتفرغ للمنزل بعد إنجاب ابنتها، لكن حبها للفن ورغبتها في مواصلة مشوارها دفعاها إلى البحث عن صيغة تسمح لها بالاستمرار.
وجاء تعاونها مع فرقة رضا للفنون الشعبية أحد المسارات التي ساعدتها على مواصلة الغناء، من خلال تقديم صوتها في الأعمال الغنائية المرتبطة بالفرقة.

رحيل عايدة الشاعر وبقاء أغنياتها في الذاكرة
رحلت عايدة الشاعر في 7 مارس عام 2004، إثر تعرضها لأزمة قلبية، عن عمر ناهز 63 عامًا، بعد رحلة فنية تركت خلالها مجموعة من الأغنيات التي ظلت متداولة بين محبي الطرب الشعبي.
وعلى الرغم من مرور سنوات طويلة على رحيلها، فإن أعمالها لا تزال تستحضر مرحلة مهمة من تاريخ الأغنية المصرية، حين كانت الأغنيات الشعبية تعتمد على البساطة وخفة الظل والعبارات القريبة من الحياة اليومية.
وفي ذكرى ميلاد عايدة الشاعر، تتجدد ذكريات «كايدة العزال أنا من يومي» و«الطشت قال لي»، بوصفهما من أبرز الأعمال التي ارتبطت باسمها، لتبقى المطربة الراحلة واحدة من الأصوات التي تركت بصمتها في ذاكرة الغناء الشعبي المصري.
زوروا موقعنا على الفيس بوك 👇
https://www.facebook.com/share/1F3VGfJ5K8/?mibextid=wwXIfr




