عالم الفن

في ذكرى وفاة عبد الرحيم الزرقاني.. حكاية بائع الأخلاق وأحد رواد المسرح المصري

تحل ذكرى وفاة الفنان والمخرج المسرحي القدير عبد الرحيم الزرقاني، أحد أبرز رموز المسرح المصري، الذي ترك بصمة فنية مميزة امتدت بين المسرح والسينما والإذاعة والتليفزيون، ليظل اسمه حاضرًا في ذاكرة الفن المصري بأدواره الرصينة وأدائه الهادئ وقدرته على تجسيد الشخصيات التي تجمع بين الحكمة والوقار. ولم يكن عبد الرحيم الزرقاني مجرد ممثل يؤدي أدواره أمام الكاميرا أو على خشبة المسرح، بل كان مخرجًا وأستاذًا أكاديميًا أسهم في تكوين أجيال من الفنانين، وارتبط اسمه بفترة مهمة من تطور الحركة المسرحية في مصر.

ومع حلول ذكرى رحيله في الأول من نوفمبر، تتجدد الحكايات عن مسيرته الطويلة التي بدأت بحب مبكر للتمثيل، وتطورت بفضل الدراسة والاجتهاد والعمل المتواصل، حتى أصبح واحدًا من الأسماء التي ارتبطت بالأداء التمثيلي المنضبط واحترام النص المسرحي، فضلًا عن دوره في تقديم أعمال فنية تركت أثرًا في وجدان الجمهور.

عبد الرحيم الزرقاني.. النشأة والبدايات الأولى

وُلد عبد الرحيم محمد عبد الغني الزرقاني في 30 يوليو عام 1913 بمدينة قنا، ونشأ في بيئة اهتمت بالتعليم واللغة العربية، فبدأ رحلته الدراسية بحفظ القرآن الكريم في أحد الكتاتيب بمدينة سمالوط، قبل انتقال أسرته إلى القاهرة، حيث واصل تعليمه في مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية بحي الدرب الأحمر.

ومنذ سنواته الأولى، ظهرت لديه ميول واضحة نحو التمثيل والإلقاء، إذ بدأ ممارسة هوايته من خلال الأنشطة المدرسية وجماعات الخطابة، قبل أن يتعرف بصورة أعمق على عالم المسرح، الذي أصبح فيما بعد المجال الأبرز في حياته الفنية.

ولم تكن بدايته طريقًا ممهدًا نحو الشهرة، فقد اضطر إلى الجمع بين عمله الوظيفي واهتمامه بالفن خلال مرحلة مبكرة من حياته، لكنه لم يتخلَّ عن حلمه بالاحتراف المسرحي. ومع مرور الوقت، استطاع أن يقترب من كبار الفنانين والمخرجين الذين ساعدوه على اكتشاف قدراته وتطوير موهبته.

في ذكرى وفاة عبد الرحيم الزرقاني.. حكاية بائع الأخلاق وأحد رواد المسرح المصري
عبد الرحيم الزرقاني

كيف اكتشف جورج أبيض موهبة عبد الرحيم الزرقاني؟

كانت مشاركات عبد الرحيم الزرقاني في المسرح المدرسي نقطة انطلاق مهمة في رحلته، إذ لفت أداؤه انتباه الفنان والمخرج الكبير جورج أبيض، الذي أدرك ما يمتلكه الشاب من قدرات تمثيلية مميزة، وعرض عليه الانضمام إلى فرقته عام 1930.

وشارك الزرقاني خلال تلك المرحلة في أدوار مسرحية ساعدته على اكتساب الخبرة، خاصة في تجسيد الشخصيات التي تتطلب نضجًا في الأداء وقدرة على التعبير بالصوت والحركة.

وقد ساعده صوته الرخيم وطريقته الهادئة في الإلقاء على تقديم شخصيات أكبر سنًا، وهي سمة أصبحت من أبرز ملامح أدائه الفني لاحقًا. فلم يعتمد على المبالغة أو الحركة الزائدة لجذب الانتباه، وإنما امتلك أسلوبًا يقوم على التركيز في الحوار وإبراز المعاني التي تحملها الشخصية.

ومع استمرار نشاطه الفني، اقترب من عدد من رواد المسرح المصري، واستفاد من خبراتهم في التمثيل والإخراج، ليبدأ تدريجيًا في بناء شخصيته الفنية المستقلة.

التخرج في معهد الفنون المسرحية وبداية مرحلة جديدة

مثّل التحاق عبد الرحيم الزرقاني بالمعهد العالي للفنون المسرحية خطوة مهمة في مسيرته، إذ تخرج فيه عام 1947، بعد سنوات من التجربة والتعلم والعمل على تطوير أدواته الفنية.

وقد أتاحت له الدراسة المتخصصة فرصة أوسع لفهم قواعد الأداء المسرحي وأساليب الإخراج، إلى جانب التعرف على مدارس التمثيل المختلفة، وهو ما انعكس على اختياراته الفنية وطريقته في التعامل مع النصوص والشخصيات.

ولم تقتصر طموحاته على الوقوف أمام الجمهور، بل اتجه أيضًا إلى الإخراج المسرحي، وبدأ في تطوير رؤية خاصة تعتمد على احترام النص وإبراز أبعاده الدرامية، مع الاهتمام بتفاصيل الحركة والأداء وتناسق عناصر العرض.

ومع مرور السنوات، أصبح الزرقاني أحد الأسماء البارزة في المسرح المصري، خصوصًا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وهي مرحلة شهدت نشاطًا ملحوظًا في الحركة المسرحية وتطورًا في أساليب الكتابة والإخراج.

عبد الرحيم الزرقاني ورحلة التألق على خشبة المسرح

احتل المسرح مكانة خاصة في حياة عبد الرحيم الزرقاني، إذ مثّل بالنسبة إليه المساحة الأساسية للتعبير عن موهبته الفنية، كما كان المجال الذي ظهرت فيه قدراته الإبداعية بصورة واضحة.

وشارك في عدد كبير من العروض المسرحية، وتولى إخراج أعمال متنوعة، من بينها «بداية ونهاية»، و«في بيتنا رجل»، و«عيلة الدوغري»، و«سليمان الحلبي»، و«ليلى والمجنون».

كما شارك تمثيليًا في مسرحيات بارزة، من بينها «أهل الكهف» و«بابا عايز يتجوز»، إلى جانب أعمال أخرى أسهمت في ترسيخ مكانته بين فناني جيله.

وتميزت رؤيته الإخراجية بالاهتمام بالتفاصيل الدقيقة، بداية من اختيار الممثلين، مرورًا بحركة الشخصيات على خشبة المسرح، وصولًا إلى الديكور والملابس وبقية العناصر التي تسهم في بناء العرض.

وكان يحرص على أن يبدو الأداء طبيعيًا ومتسقًا مع طبيعة الشخصية، مع منح النص الدرامي مكانته الأساسية، بعيدًا عن الاستعراض الذي قد يصرف انتباه الجمهور عن مضمون العمل.

ولذلك ارتبط اسمه بمدرسة فنية تقوم على الانضباط والجدية والالتزام، وأصبح من الأسماء التي يُشار إليها عند الحديث عن تطور الإخراج المسرحي في مصر.

سر تميز أداء عبد الرحيم الزرقاني

امتلك عبد الرحيم الزرقاني أسلوبًا تمثيليًا خاصًا جعله مناسبًا لأداء شخصيات الأب الوقور وكبير العائلة والرجل الحكيم الذي يتعامل مع الأحداث بتأنٍّ واتزان.

وكانت نبرة صوته وطريقته في نطق الكلمات من أبرز عناصر قوته، إذ اهتم باللغة العربية ومخارج الحروف، ورأى أن لكل كلمة دلالتها الخاصة التي لا ينبغي التفريط فيها أثناء الأداء.

ولم يكن التزامه بالنص مجرد قاعدة فنية، بل كان جزءًا من رؤيته للعمل المسرحي، فقد اهتم بالحفاظ على صياغة الحوار وعدم تغيير عباراته بصورة تخل بالمعنى أو تؤثر في البناء الدرامي.

كما اتسمت الشخصيات التي جسدها في كثير من أعماله بالحكمة والنزاهة والحنان والحرص على التقاليد، وهو ما جعل الجمهور يربط حضوره الفني بصورة الرجل الرزين الذي يمتلك خبرة الحياة ويستطيع التعامل مع الأزمات بهدوء.

وكان هذا التميز سببًا في استمرارية حضوره، حتى مع تغير الأجيال وتطور أساليب التمثيل والإنتاج الفني.

«أرض النفاق» ودور بائع الأخلاق الذي لا يُنسى

على الرغم من ارتباط اسم عبد الرحيم الزرقاني بالمسرح، فإن السينما قدمته إلى جمهور أوسع، ومن أبرز مشاركاته السينمائية دوره في فيلم «أرض النفاق»، الذي ارتبط به اسمه من خلال شخصية بائع الأخلاق.

ويُعد هذا الدور من الأدوار التي يتذكرها الجمهور عند الحديث عن مسيرته، لما يحمله من دلالة تتصل بفكرة الأخلاق والسلوك الإنساني، وهي الفكرة المحورية التي يناقشها العمل في إطار اجتماعي ساخر.

وتكمن أهمية هذه المشاركة في قدرتها على إبراز جانب آخر من موهبته، بعيدًا عن الأدوار المسرحية التي اعتاد تقديمها، إذ استطاع أن يترك أثرًا واضحًا رغم أن شهرته الأساسية ارتبطت بالمسرح والإخراج.

وقد ساعدت طبيعة أدائه الهادئة على تقديم الشخصية بصورة تتناسب مع أجواء الفيلم، ليصبح لقب بائع الأخلاق من العلامات المرتبطة بذاكرة الجمهور عنه.

حضوره في التليفزيون والإذاعة

امتدت تجربة عبد الرحيم الزرقاني إلى التليفزيون، حيث شارك في عدد من الأعمال التي واكبت بدايات الإنتاج الدرامي التليفزيوني في مصر.

ومن أبرز المسلسلات التي شارك فيها «هارب من الأيام»، الذي عُرض عام 1962، و«خيال المآتة» عام 1964، و«القاهرة والناس» عام 1972.

كما شارك في أعمال تليفزيونية أخرى، من بينها «ميرامار»، و«عودة الروح»، و«الأيدي الناعمة»، و«العملاق»، إلى جانب مشاركات في مسلسلات دينية وتاريخية.

وكان العمل في التليفزيون خلال سنواته الأولى يتطلب قدرًا كبيرًا من التركيز والحفظ، في ظل محدودية الإمكانات الفنية المتاحة آنذاك، وهو ما جعل خبرته المسرحية عاملًا مساعدًا في التعامل مع طبيعة التصوير ومتطلباته.

أما الإذاعة، فقد كانت إحدى المساحات المهمة التي أظهر فيها قدراته الصوتية والتمثيلية، وشارك في تقديم أعمال إذاعية متعددة، كما تولى إخراج مسرحيات عالمية مترجمة ومعدة للإذاعة.

وقد أتاح له هذا المجال توظيف صوته المميز وإتقانه للغة العربية في تقديم شخصيات وأعمال متنوعة، ليصبح حضوره ممتدًا إلى ما وراء خشبة المسرح وشاشة السينما.

عبد الرحيم الزرقاني أستاذًا وصانعًا للأجيال الفنية

لم تتوقف إسهامات عبد الرحيم الزرقاني عند التمثيل والإخراج، بل امتدت إلى مجال التعليم الفني، حيث عمل أستاذًا بقسم التمثيل والإخراج في المعهد العالي للفنون المسرحية.

وكانت تجربته الأكاديمية امتدادًا طبيعيًا لرحلته الطويلة مع الفن، إذ امتلك خبرة عملية واسعة مكّنته من نقل المعرفة إلى الطلاب، وتعريفهم بقواعد الأداء المسرحي وأهمية الالتزام بالنص واحترام طبيعة الشخصية.

وقد ارتبطت تجربته التعليمية بالحرص على منح الأجيال الجديدة فرصة لفهم الفن باعتباره مسؤولية تتطلب الدراسة والانضباط، وليس مجرد موهبة فطرية.

وأسهم وجوده في الوسط الأكاديمي في تعزيز الصلة بين الخبرة العملية والتدريب المتخصص، كما ارتبط اسمه بتخريج أجيال من الممثلين الذين استفادوا من خبرته ورؤيته الفنية.

وتبقى هذه المسيرة جانبًا مهمًا من إرثه، لأن أثر الفنان لا يُقاس فقط بعدد الأعمال التي يقدمها، بل يمتد أيضًا إلى المعرفة التي ينقلها والخبرات التي يتركها لمن يواصلون الطريق من بعده.

ذكرى وفاة عبد الرحيم الزرقاني واستمرار حضوره في ذاكرة الفن

رحل عبد الرحيم الزرقاني في مطلع نوفمبر، بعد مسيرة طويلة جمع خلالها بين التمثيل والإخراج والعمل الأكاديمي، تاركًا وراءه رصيدًا متنوعًا من المشاركات الفنية التي تعكس تعدد مواهبه واهتماماته.

وتشير مراجع فنية إلى أن تاريخ وفاته كان الأول من نوفمبر عام 1984، بينما تورد بعض قواعد البيانات الفنية عام 1985، لذلك يظل عام 1984 هو التاريخ الذي اعتمدته بعض الكتابات الصحفية عند إحياء ذكرى رحيله.

وعلى الرغم من مرور سنوات طويلة على غيابه، فإن أعماله ما زالت تتيح للأجيال الجديدة فرصة التعرف على جانب من تاريخ المسرح المصري، وعلى أسلوب فني اهتم باللغة والأداء واحترام النص.

وتكتسب ذكرى رحيله أهميتها من كونها مناسبة لاستعادة تجربة فنان لم يحصر نفسه في مجال واحد، بل جمع بين الوقوف أمام الجمهور وتوجيه الممثلين من خلف الكواليس وتعليم الطلاب داخل المعهد.

كما تكشف سيرته أن بناء المكانة الفنية يحتاج إلى سنوات من التعلم والعمل والصبر، وأن النجاح الحقيقي لا يرتبط بالظهور وحده، بل بما يتركه الفنان من أثر في أعماله وفي الأشخاص الذين تعلموا منه.

في ذكرى وفاة عبد الرحيم الزرقاني.. حكاية بائع الأخلاق وأحد رواد المسرح المصري
عبد الرحيم الزرقاني

الخاتمة

في ذكرى وفاة عبد الرحيم الزرقاني، يعود اسمه إلى الواجهة باعتباره واحدًا من الفنانين الذين جمعوا بين الموهبة والثقافة والانضباط، وتركوا بصمة واضحة في المسرح المصري والسينما والتليفزيون والإذاعة. فمن أدواره التي رسخت صورته في ذاكرة الجمهور، وفي مقدمتها شخصية بائع الأخلاق في «أرض النفاق»، إلى أعماله الإخراجية وجهوده في التعليم الفني، تظل مسيرته نموذجًا للفنان الذي تجاوز حدود الشهرة إلى بناء إرث فني ومعرفي ممتد. وهكذا يبقى عبد الرحيم الزرقاني حاضرًا في ذاكرة الفن المصري، بما قدمه من أعمال وبما تركه من قيم فنية للأجيال القادمة.

زوروا موقعنا على الفيس بوك 👇

https://www.facebook.com/share/1F3VGfJ5K8/?mibextid=wwXIfr

محمد صابر

محرر صحفي